بارك أوباما و فلاديمير بوتين

منذ فترة من الزمن بدأت موسكو التقرب من الشرق الأوسط، الذي تلعب فيه واشنطن دور اللاعب الأساسي والمتحكم بكل تفاصيله تقريبًا مع حلفائها المقربين جدًا، ولكن التساؤل الأبرز اليوم هو هل ستقوم روسيا بسحب البساط من تحت أقدام واشنطن أم هو تكتيك أمريكي جديد؟

لا شك أن أمريكا، التي تسيطر سياسيًا والمحكمة نفوذها بقوة على منطقة الشرق الأوسط، لا يروق لها أن تلعب روسيا دورًا مهمًا وفعالًا بل تعتبر روسيا هي المنافس الأكبر لها في المنطقة والعدو الخفي والقنبلة الموقوتة التي يتوقع البيت الأبيض انفجارها بأي لحظة في وجهه معلنة هزيمة أمريكا في العالم فضلًا عن الشرق الأوسط، ولكن ليس بهذه البساطة فالأمريكان ليسوا ضعفاء لدرجة أن يستسلموا للوضع بسهولة ومن دون مقاومة، بل سيعملون جاهدين على إعادة توازنهم من جديد من أجل حفظ ماء الوجه أولًا كدولة عظمى، وثانًيا حفظ ما تبقى من مصالحها الاقتصادية والمالية، وخصوصًا المصالح النفطية في بعض دول الأوسط.

الأزمة السورية وملف الإرهاب في العراق سهّل مهمة دخول روسيا كلاعب لا يُستهان به، بل قد يصبح الأساسي في اللعبة برمتها إذا ما تداركت أمريكا مواقفها الداعمة لبعض فصائل المعارضة في سوريا والدعم السري لداعش في العراق.

ملف الإرهاب الذي أعلنت واشنطن الحرب للقضاء عليه، جندت وحشدت له الطاقات المالية والعسكرية، وأنشأت من أجله التحالفات، أبرزها مع المملكة السعودية، أصبح هو معبر روسيا للشرق الأوسط بعد أن شعرت روسيا بأن داعش تستطيع أن تهدد موسكو؛ مما جعل ورقة الإرهاب وداعش رابحة بالنسبة لموسكو، خصوصًا بعد تلقي روسيا ضربات إرهابية موجعة، قررت على إثرها دخول مستنقع الشرق الأوسط بقوة، كما هدد بوتين بدخول الأوسط مغيرًا لخارطته كليًا كحالة انتقامية وعد بها أبناء شعبه المتضررين من جرّاء الهجمات الأخيرة في الأراضي الروسية، والتي اتهم بها النظام السعودي، كونه الراعي الرسمي للإرهاب، مهددًا الاخير بدفع الثمن غاليًا. 

وفي معرض تداعيات التفجير الأخير في مدينة فولغوغراد جنوب روسيا، صرح الرئيس بوتين بأن روسيا لا تحتاج لتحقيقات لتدين بها المتورطين، وأن السعودية هي وراء تفجيرات العراق وسوريا ولبنان، وأنها متورطة حتى أخمص قدميها في هذه التفجيرات.

فدخول روسيا معترك الشرق الأوسط وجد له مبررًا وهو الحرب على الإرهاب، والتي باركتها الكنيسة بوصفها حربًا مقدسة تقودها موسكو من أجل تطهير الشرق من براثن الإرهاب المفسد، ولكن هل ستقف أمريكا متفرجة بعد أن التفت العالم بكل قوته الإعلامية صوب موسكو المنافس الأبرز لواشنطن ودخولها المفاجئ والقوي، والذي يصفه البعض بالجنوني حتى؟! أبدًا فأمريكا لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي بل حسب فهمي القاصر أن أمريكا بدأت تنسحب تدريجيًا من الشرق الأوسط لكي تورط روسيا بهذا المستنقع الذي تعبت منه جدًا والذي انهك قواها دون جدوى، وأحسب أن هذا تكتيك أمريكي جديد يريد لروسيا أن تستنزف طاقاتها وإمكانياتها بينما أمريكا ستعمل على إعادة ترتيب قوتها من جديد.

روسيا مدركة تمامًا أن أمريكا لا يمكن أن تتنازل عن الشرق الأوسط وقيادته والهيمنة عليه، ولكنها أيضًا تدرك أن عدم دخولها هذا المعترك سيجعل منها قوة منعزلة لا يكترث لها أحد؛ فلذلك هي تسعى لأن تكون حاضرة في كل مشهد يلفت أنظار العالم لتثبت أنها عادت قوة قادرة على لعب دورًا مهمًا وسياديًا في المنطقة، أي تحاول إثبات ذاتها في المنطقة.

كتبت صحيفة ليبراسيون الفرنسية، في افتتاحيتها التي خصصتها للشأن الروسي – السوري، أن بوتين في سوريا ينتهج نفس سياسة بوش في العراق وكأن بوتين ورث هذه السياسة من بوش حرفيًا، ولكن برأيي البسيط هذا ليس صائبًا فبوتين لا يمكن أن يخطئ نفس خطأ بوش الأرعن وأحسبه أكثر ذكاءً وحنكة، حيث التجارب الأمريكية الفاشلة في المنطقة أعطت درسًا مفيدًا لموسكو لتخطو خطوات أكثر دقة.

وللأسف فالصحيفة تحاول أن تعطي رأيًا للعالم بأن مشاركة روسيا في سوريا عسكريًا هو لضرب المعارضة وليس تفتيتًا لمعاقل داعش الذي يسر إلى العراق عبر سوريا، وتتهم الصحيفة موسكو بضربها المدنيين بينما أثبتت التقارير أن الضربات الروسية دقيقة جدًا وبعيدة عن المدنيين.

إن إثارة مثل هكذا اتهامات للضربات الروسية الموجعة لداعش لها يد أمريكية واضحة لأن أمريكا أدركت أن روسيا نجحت بشكل كبير في شل حركة داعش وقوى المعارضة المتشددة السلفية بأقل مدة وأكثر نوعية؛ مما حسن صورة روسيا عند الرأي العام بينما أمريكا وحلفائها لم يحرزوا أي تقدم في محاربة داعش منذ بدء عملياتها على داعش وحتى هذه اللحظة، بل هي تمشي مشي السلحفاة بينما روسيا تقفوا أثر الأرنب في شن ضرباتها القاصمة لظهر الإرهاب في سوريا، فأمريكا عبر مخابراتها تبث شائعات حول قتل مدنيين في سوريا بسبب ضربات روسيا بينما أمريكا في ضرباتها على داعش غرب العراق قتلت مدنيين أكثر من إرهابي داعش.

روسيا تخوض مع أوروبا برمتها وخصوصا الثالوث المتوحش (أمريكا وبريطانيا وإسرائيل)، حرب إثبات الذات، فهي تريد أن تبرهن للعالم برمته بأنها قادرة على لعب دورًا أساسيًا وبارزًا في أي منطقة تريد، وخصوصًا الأقرب منها هو الشرق الأوسط بدوله الأبرز سوريا والعراق وإيران، لذا هي تسعى لحل محل أمريكا في المنطقة.

كما أن البنتاغون الأمريكي أبدى قلقه الصريح من تجهيز روسيا لنظام الأسد بمعدات حربية وجعل القاعدة الجوية في اللاذقية محطة رئيسية لتزويد نظام الأسد بالتجهيزات العسكرية والمعدات الحربية وأجهزة الطرد والتعقب والتنصت، حسب صحيفة نيويورك تايمز، هذا الخوف الأمريكي يبرهن أكثر بأن روسيا تسعى حقيقة لسحب البساط من تحت أقدام أوروبا وأمريكا بالخصوص، وليس مجرد تكهنات أو توقعات، وكذلك يبدو أن روسيا قد نفذ صبرها لأنها تشاهد بأم عينها كيف تتلكأ واشنطن في محاربة داعش وتتباطأ بخصوص ضربها والقضاء عليها وتماطل في كثير من القضايا التي من شأنها زوال داعش إلى الأبد، حيث إن التتظيم الإرهابي المتشدد داعش قد أصبح يشكل قلقًا أمنيًا واقعيًا حتى لروسيا .

الخلاصة أن الحرب بين روسيا وأمريكا لا زالت في بدايتها ومن الصعب التكهن بنتائج المعركة لصالح من، ولكن ثمة شواهد ودلائل تشير لرجحان كفة روسيا على كفة أمريكا، مما جعل الأخيرة تظهر ارتباكًا واضحًا منذ دخول الكرملين ساحة النزاع في سوريا ومد يد العون للعراق، وصد وتهديد النظام السعودي، ومساندتها المعلنة لحليفتها إيران؛ كل هذه دلائل تشير إلى أن عهد أوروبا بقيادة أمريكا انتهى أو سينتهي قريبًا وسيحل محله نظام عالمي جديد بقيادة روسيا بوتين، وسنشهد سحب البساط من تحت أقدام واشنطن لصالح موسكو قريبًا جدًا.