تعاملت السلطة في الغرب مع المصريين بوصفهم معرضا

كنا قد سعينا في مقالة سابقة لنا حول "حفريات فوكو وكتابة التاريخ الجديد في مصر" إلى معرفة كيف استطاعت المعاني التي جاء بها فوكو حول السلطة، بوصفها متورطة بقوة في إنتاج أجسام طيعة وعقول خاضعة، على تجاوز التقوقع العرقي لكيفية عمل السلطة في فرنسا وأوروبا الشمالية، لتغدو جزءًا من صورة أشمل تتضمن العلاقة بين أوروبا وبقية أرجاء العالم.

وهو ما حاولنا تبيانه في العالم العربي، عبر الإشارة إلى دراستين اعتمدتا على الحفريات الفوكودية، الأولى للمؤرخ البريطاني تيموثي ميتشل "استعمار مصر"، والثانية للمؤرخ المصري خالد فهمي، حيث سعت هاتان الدراستان إلى قراءة تاريخ السلطة في مصر القرن الـ19، من داخل المفاهيم الثورية التي نحتها فوكو حول السلطة، والتي أخذت تدك كل أوجه الحياة الإنسانية في مصر، بدءًا من نظام الخدمة العسكرية الجديد في مصر، إلى التخطيط للمدن، والتخطيط لإنشاء عائلة، انتقالًا إلى تحريك حشود من المهندسين والأطباء والإداريين للقيام بالمسح الاحصائي للسكان وإعادة تخطيط الشكل العمراني للمدن.

بيد أن تركيزنا على الدراستين السابقتين تحديدًا، لم يكن يهدف فقط إلى التعريف بهذه المقاربات الجديدة للتاريخ الحديث لمصر، بمقدار ما كان يسعى إلى أن يميط اللثام عن حالة التوتر الإبستمولوجي بين كل من مقاربة ميتشل وخالد فهمي لمفهوم السلطة عند فوكو.

ذلك أن ميتشل، رغم إقدامه على تحقيق ما لم يستطع فوكو تحقيقه: يوسع أفكاره إلى سياق غير أوروبي، من خلال تفكيك الإطار الذي رسمته السلطة للمصريين، باعتبارهم معرضًا، لمعروضات فريدة من نوعها، وبوصف مصر، كفكرة ورقعة جغرافية مهندسة ومعروضة استعماريًا، من مدنها إلى مدارسها إلى جيشها، محدثة أجسادًا مصرية بقيت تتكلم وتكتب باللغة المهيمنة الاستعمارية الأوروبية، حتى عندما حاولت أن تستعيد لغتها المحلية، بيد أن هذه القراءة لرؤية فوكو للسلطة بقيت مبنية على أساس فهم يصور السلطة بوصفها قمعية، لا تسمح بأي إمكانية للمقاومة، وهو فهم كان قد اشتكى منه إدوارد سعيد بعد سنوات من نشره لكتابه "الاستشراق"، الذي اعتمد فيه على خطاطة فوكو لعلاقة السلطة بالمعرفة، لأن منهجية فوكو، رغم أنها ساهمت - بحسب سعيد - في فضح صيغ التوتاليتارية وأشكال عملها في الفكر والمؤسسات، إلا أنها لم تترك أي مجال للحركات والثورات الاجتماعية المضادة، كما أنها اسقطت من الحساب ذاتية المستعمر (بفتح الميم) والأشكال المختلفة للمقاومة الأهلية ضد الاستعمار.

في حين وجدنا أن خالد فهمي رفض هذا الرؤية السلبية (ميتشل، إدوارد سعيد) لمقاربة فوكو للسلطة، انطلاقًا من أن الأخير عدل من تحليلاته السابقة للسلطة، بتصورات جديدة عن الحكم والسيطرة، التي أخذت تعني - للمسيطر عليهم - فسحة محدودة للمناورة، ما كان يعني وفق هذا المفهوم إمكانية استعادة الأصوات المفقودة وكتابة تاريخ جديد للمهمشين في مصر.

إجمالًا، وبغض النظر عن هذا التوتر الإبستمولوجي، فإن الاعتماد على مقاربة فوكو للتاريخ وللسلطة بوصفها منتجة لهويات وذوات جديدة، ساهم في النظر لتاريخ تشكل الذات المسلمة الحديثة ومخيالها الاجتماعي والديني في العالم العربي والإسلامي، بصفته أثرًا من بضعة آثار للمخزون الكولونيالي، أو لخطاب النزعة القومية والأيديولوجية الإسلامية اللذين بقيا يعيدان إنتاج الخطاب الاستشراقي نفسه حول الذات المسلمة، ما أفسح المجال أمام عدد من الباحثات والباحثين لإعادة النظر في عدد من القضايا مثل مسألة الجنوسة في التاريخ الإسلامي، عبر تحدي السرديات التنويرية الكبرى التي بحسب صبا محمود، الأنثربولوجية في جامعة بيركلي، غالبًا ما صورت الإسلام باعتباره العنصر الوحيد الذي يحدد السمة الأبوية لهذه المجتمعات، متجاهلة بذلك كيف أسهمت الترتيبات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل التراث الكولونيالي في تكريس أشكال اللامساواة الثقافية والتاريخية بين النساء والرجال، وهو ما أخذ يعني قلب الحكاية القائلة بوجود نظام أبوي يضع الرجال في مواجهة النساء.

وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى العديد من الدراسات التي عملت على توضيح مسألة تواطؤ النخب العلمية المحلية مع الرؤية الكولونيالية في خلق شكل جديد من "الرجولة المتخيلة"، كما في الدراسة التي أعدتها هدى السعدي، أستاذة الدراسات الإسلامية في الجامعة الأمريكية، بالتعاون مع الباحث المصري رمضان الخولي تحت عنوان "الجنون والمرأة في مصر نهاية القرن التاسع عشر/ مؤسسة الذاكرة والمرأة"، التي شهدت بالإضافة إلى المدخل الذي قدمته حيال العلاقة بين الذكورة والاستعمار، التوتر الإبستمولوجي نفسه الذي رصدناه سابقًا بين ميتشل وخالد فهمي تجاه رؤية فوكو للسلطة والمقاومة.

حيث ترى السعدي أن النظرة التي كانت سائدة عن المجانين في المجتمعات قبل الحديثة، التي غالبًا ما اتسمت بالتسامح والقبول واعتبار المجنون مثله مثل أي مريض آخر قابل للشفاء، قد أخذت تتغير تدريجيًا مع نهاية القرن الـ19 مع قدوم النفوذ الأوروبي للبلاد بأعرافه وتقاليده وتعاريفه للجنون؛ ففي سنة 1880 أُنشئت مستشفى جديدة لعلاج الأمراض العقلية على أطراف الصحراء في منطقة العباسية في مكان قصر عباس الأول والي مصر. 

 وفي هذا السياق تشير الباحثة إلى ما أشار إليه ميتشل من أن هذه الأعراف الغربية ما كان لها أن تتخلل في البلاد وتغير أعرافه المحلية لو لم يتبناها الأطباء المحليون ويتفاعلوا معها ويعيدوا صياغتها فيكون لها تأثير أقوى وصدى أوسع عند أبناء جنسهم؛ الأمر الذي يُظهره مثلًا كتاب "أسلوب الطبيب في فن المجاذيب" لسليمان نجاتي، نُشر سنة 1896، الذي بدا من خلاله غارقًا في النظريات الغربية للمرض الفعلي معللًا ذلك بغياب مصادر باللغة العربية حول الطب النفسي.

ووفق نجاتي، فإن النساء عادة ما يكن أكثر عرضة للإصابة بالأنواع المتعددة من مرض الجنون مقارنة بالرجال، كما أن نسبة توريث المرض العقلي في النساء تفوق مثيلاتها في الرجال بـ3 أضعاف، مما يجعل المصابات بالمرض العقلي أكثر تهديدًا للمجتمع من المرضى الرجال.

كما أنه بحسب نجاتي فإن بعض أنواع الجنون لا تصيب سوى النساء، وهو أمر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتركيب البيولوجي للمرأة، فالتغييرات الفسيولوجية تؤدي إلى تغييرات في الحالة العقلية للمرأة وتوثر على استقرارها العقلي، ولذلك يشرح بالتفصيل كيف أن فترة الحيض تصحبها بعض ظواهر عدم التوازن العقلي، التي تتراوح ما بين أعراض بسيطة تتمثل في القلق والإثارة إلى أعراض حادة مثل المس.

 كما تشير المؤرخة من خلال قراءتها لتقرير صحي آخر في بدايات القرن الـ20 إلى مفارقة أخرى تتعلق بانحسار دور "المرأة العاقلة" داخل هذا الفضاء المؤسسي الصحي؛ ففي السابق كانت المرأة تتمتع في مجال الطب التقليدي بمكانة رفيعة كمعالجة، وكان الناس يلهثون وراءها للتداوي، بينما نجد في مصحة العباسية الحديثة أن هذه القوة العلاجية قد قلصت أو قُصر دورها على تقديم خدمات التمريض للمرضى من النساء فحسب.

وبناء على هذه المقاربة، فإننا نصل إلى نتيجة كانت قد أشار إليها العديد من الدراسات النسوية في حقل النقد ما بعد الكولونيالي؛ من أنه بدمج الذكوري مع العالمي، عمل خطاب التنوير على ميكانيزمات الاستبعاد والهيمنة، وبذلك حصر الأنثوي في الموقع الثانوي للاختلاف، وبعبارة أخرى عوّلت سردية التنوير على الرابطة الجوهرية والضمنية بين العقل والفردية والذكورة، كما أخذت تقتضي الفرضيات التي تحكم مفاهيم عصر التنوير للفرد ضمن وجود ذات عقلانية، عالمية، وتقتضي، توسعًا، وجود ذكر. (ميديا أوغلو).

لذلك فإن الخطاب التنويري الذي بدا عبر السلطة الانضباطية الجديدة، بمثابة الوصي على عملية تنظيف المجتمع من أجل منع أشباح الانحطاط البيولوجي أو الثقافي التي سادت القرن الـ19، قد ساهم في تهميش المرأة عبر خلق عالم ذكوري متخيل جديد، لكن رغم جدية هذا الطرح، حيال دور الطبقة المتعلمة المحلية، والأطباء الغربيين في فرض سياسات صحية جديدة داخل الحياة الاجتماعية المصرية، إلا أن الخولي، المشارك الآخر في الدراسة، شكك بمدى قدرة هذه السياسات آنذاك على فرض تعريفها الوحيد على المجتمع؛ ولذلك يرى أنه بدلًا من السير في اتجاه واحد، فإنه لا بد من التركيز على ميكانيزم الصراع والتفاعل بين الثقافة الوافدة والثقافة المحلية حيال تعريف الجنون، أي بمعنى البحث عن أشكال المقاومة المحلية للرؤية الذكورية والكولونيالية للجنون (وهنا نجد موقفًا شبيهًا بمقاربة فهمي وملاحظاته حيال فكرة السلطة عند ميتشل).

 وفي هذا الصدد، يلفت الخولي النظر إلى دور المؤسسة القضائية والفقهية في مصر في مقاومة هذا التعريف الجديد للجنون، وذلك من خلال قبولها بالرؤية السابقة للجنون، والتي غالبًا ما اتسمت بالتسامح والقبول واعتبار المريض قابلًا للشفاء، وبالتالي فقد أجازوا زواج النساء المصابات، اللواتي أثرن رعب المؤسسة الطبية الجديدة في مصر بوصفهن يمثلن تهديدًا للمجتمع فيما يتصل بالنسل والأمن العام (النظام الاجتماعي).

ومن هنا كانت النتيجة بحسب الخولي أن المؤسسة القضائية ذات الثقافة الإسلامية، التي من الممكن النظر إليها بوصفها تعد واحدة من أعرق المؤسسات الثقافة المحلية، قد استطاعت أن تقلل من الدور التمييزي الذي لعبته المؤسسة الطبية الغريبة حيال النساء، ورغم أن هذا الموقف الفقهي التقليدي حيال الجنون غالبًا ما فُسر على أنه موقف متخلف كما درجت العادة في الكتابات التنويرية، إلا أنه من وجهة نظر أخرى يمكن اعتباره طريقة لعدم قبول الأفكار الجديدة حيال الرؤية الذكورية الاستعمارية للطب، أو بتعبير أدق هو موقف يعبر عن مقاومة محلية لخطاب المعرفة الاستعماري.

نُشر المقال لأول مرة في صحيفة القدس العربي