"القوات الكردية تحرر مدينة سنجار،" هكذا قرأت عناوين الصحف منذ أيام بعد أن نجحت قوات كردية في تحرير المدينة من قبضة داعش، وهي المدينة المحورية والقريبة من الموصل، والتي قد تُبشّر بتحرير الموصل كما يتمني كثيرون، غير أن أحدًا لم يسأل عن ماهية الأكراد الذين حرروا سنجار، ظنًا منهم أن القوات الكردية واحدة في كوباني وأربيل وغيرهما، غير أن الواقع هو أن قوات البشمركة تحديدًا، والمسيطرة على شمال العراق منذ أكثر من عقد، هي التي تولت بشكل رئيسي تحرير المدينة، لتدخل في صدام سياسي مع القوات الموالية لحزب العمال الكردستاني المسيطرة على منطقة روجافا بشمال سوريا كما تُعرَف، في واحدة من حلقات الصراع الداخلي بين الأكراد والتي لا يعرف عنها كثيرون.

الصدام ليس جديدًا

لم يكن ذلك هو الصدام الأول بين الطرفين الكرديَّين منذ اندلاع الصراع السوري، ففي الرابع والعشرين من أكتوبر الماضي، أعلنت وحدات حماية الشعب الكردية المتمركزة بشمال سوريا، وصاحبة العلاقات القوية مع حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا، أن القوات الكردية المعروفة بقوات "بشمركة روجافا،" وهي مجموعة من الجنود الأكراد المنشقين عن نظام الأسد ممن تلقوا تدريبات عسكرية في كردستان العراق على يد البشمركة هناك، ليس مسموحًا لها بدخول المناطق التي تسيطر عليها في سوريا.

ففي حوار له من وكالة أرا نيوز، قال صالح مسلم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، والذي تُعَد وحدات حماية الشعب الكردية ذراعه العسكري، بأن الإدارة بشمال سوريا لا تعترف بأية قوة عسكرية باسم بشمركة روجافا، وأنها تعترف فقط بوزارة قوات البشمركة الكائنة في كردستان العراق وتتعامل معها ليس إلا، ولكنها لن تسمح بإحداث الفوضى والبلبلة بالسماح لأي شخص أو مجموعة مهما كانت المسميات بالعمل في نطاق سيادة الحزب.

مرة أخرى، وفي سنجار بالتحديد، وقع توتر مشابه مطلع هذا العام يين الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم في كردستان العراق بقيادة مسعود البرزاني، والقوات الكردية الموالية لحزب العمال الكردستاني، الذي يقوده عبد الله أوجلان، والتي خلقت تمركزًا لها في المدينة رُغم وقوعها في العراق قُرب الموصل، نتيجة لرغبتها في حماية اليزيديين وتباطؤ كردستان العراق سابقًا عن مواجهة داعش في تلك المنطقة، مما اعتبره أكراد كثيرون خيانة من أربيل لهم، ودفعهم للاحتفاء بنجدة حزب العمال السريعة لهم وإن لم يتمكن من تحرير المدينة بالكامل.

في الفترة الماضية بشكل عام، اتجهت المجموعات الكردية واليزيدية الموالية لحزب العمال مباشرة للولايات المتحدة لدعم جهودها العسكرية والناعمة أيضًا، حيث تأسست صحيفتان تابعتان لليزيديين في المدينة بتمويل أمريكي، وتم تأسيس مجلس لتمثيلهم واتخاذ القرارات الخاصة بهم مع وحدة قوات يزيدية درّبها حزب العمال، الأمر الذي أثار حفيظة البرزاني نظرًا لعدم رغبته في رؤية قوة كردية ثانية في شمال العراق، وهو ما يعتبره تجاوزًا من حزب العمال المفترض ألا يخرج عن نطاق شمال سوريا حيث يجري التعاون بسلاسة بين الطرفين كما حدث في تحرير كوباني.

من ناحيتهم يتهم البشمركة قوات حماية الشعب الكردية بالتمدد في العراق مستغلين تواجد داعش المتجاوز للحدود السورية العراقية الحالية، واستغلال الدعم الأمريكي لتوسيع نفوذهم عن المناطق التابعة لهم بسوريا، وعلى الناحية الأخرى فإن الاتهامات المضادة من جانب قوات روجافا هي أن البرزاني يتحالف تحت الطاولة مع تركيا، وهو أمر يعتبره حزب العمال مشينًا ومضرًا بوجوده حتى في سوريا، معتبرًا أن الهدف النهائي للبرزاني هو إضعاف حزب العمال للهيمنة على قوة الأكراد بالمنطقة منفردًا، وهكذا يتبادل الطرفان باستمرار الاتهامات برغبة الآخر في إحكام هيمنته الكاملة، ليتكرر نفس الأمر في معركة سنجار الأخيرة.

معركة سنجار الأخيرة

موقع جبل سنجار في العراق بالقرب من الحدود السورية

في معركة سنجار التي نجحت فيها قوات البشمركة وحدها، وفق تصريحاتها الرسمية، في تحرير المدينة بأكثر من عشرة آلاف مقاتل، نشب الصدام مجددًا مع إعلان البرزاني في مؤتمر صحافي على تخوم سنجار عن تحريرها ورفع علم كردستان عليها "دونًا عن أي علم آخر"، وهو ما اعتبرته الميليشيات اليزيدية القريبة من حزب العمال مع حليفها الرئيسي إهانة لها، أولًا لأنها ترفض الرحيل عن سنجار رُغم وقوعها داخل العراق بعد ما قدمته متطوعة بالمئات من قواتها وإن لم تُدعَى رسميًا للقتال من جانب البشمركة والتحالف الأمريكي، وثانيًا لأن سنجار الواقعة بمحافظة نينوى ليست جزءًا من كردستان العراق وفق الدستور العراقي، مما يعني خضوعها أولًا لبغداد، وثانيًا للقوات المحلية فيها.

يهتم حزب العمال بتواجده في سنجار لأسباب عدة، منها لحماية أكراد لا ظهر لهم رسميًا في العراق سوى الجيش العراقي الضعيف، ورمزيتها كمعقل للأقلية اليزيدية، مما يعطيه الكثير من الدعم الدولي كحامي حماهم، وكذلك لأنها قريبة من الحدود السورية بشكل يدعم تواجد الحزب في شمال سوريا، ويعطيه في نفس الوقت منفذًا على العالم الخارجي، كما يسمح له مستقبلًا بالتعاون منفردًا مع الحكومة العراقية، باعتبار قواته في سنجار مع ميليشيات اليزيديين القوة الرئيسية بالمدينة، لتحقيق حكم ذاتي خاص لها، أو ربما استخدام علاقته ببغداد للضغط على كردستان العراق، والتي تعاني الحكومة المركزية في بغداد أيضًا من تمددها مؤخرًا إلى مدن غير منصوص على انضوائها تحت لوائها في الدستور.

على الناحية الأخرى، ترى أربيل أن ما يجري صيد في الماء العكر من جانب حزب العمال، وأن أية مدينة عراقية ذات تعداد كردي تخضع في المقام الأول لحكومة كردستان العراق والبشمركة، وإن لم ينص الدستور العراقي على ذلك، فالأولى في حالة حصول أي مدينة إضافية على الحكم الذاتي داخل العراق أن تنضم لأربيل لتوحيد الصفوف الكردية، لا لحزب العمال الذي تعتبره تركيا إرهابيًا وقد يُحدث توترًا في العلاقات معها لا قبل للأكراد به يُضاف أصلًا للضغوط التي يتعرضون لها من داعش، في حين تتمتع أربيل بعلاقة جيدة مع الأتراك على كافة المستويات يُقال أنها واحدة من أسباب نجاحها في دخول سنجار، حيث سبقت المعركة الأخيرة بأيام زيارة لوزير الخارجية التركي فريدون سينيرلي أوغلو لأربيل.

التعاون مع تركيا ضروري إذن لمواجهة داعش كما تري حكومة كردستان العراق، والتي تحاول استغلال تعاونها مع الولايات المتحدة والغطاء الجوي الممنوح لها لتوسيع مظلة حماية الأكراد، وهو تعاون يراه حزب العمال معاديًا لمصالحه الخاصة، ويحاول عن طريقه تشويه صورة حكومة كردستان العراق باعتبارها متعاونة مع "عدو" من أعداء الأكراد كما تشير دومًا لتركيا، مفضلة أن تعتمد بالكامل على التحالف الأمريكي، ومن ثم على التحاور مع حكومة العراق الضعيفة، لتكون سنجار مستقبلًا فعليًا جزءًا من نطاق نفوذها ولو تواجدت فيها جنبًا إلى جنب مع البشمركة الكردية العراقية، الأمر الذي ترفضه الأخيرة حتى الآن، إذ طلبت رسميًا من حزب العمال ترك المدينة فور تحريرها، وهو ما أعلنت قوات الحزب رفضه بشكل واضح.

إلى ما سيؤول ذلك الصدام، الذي لم يتطور بعد لصراع واضح بين الطرفين كما حدث في منتصف التسعينيات بين البرزاني وأوجلان؟ هذا ما ستكشف عنه الأسابيع القادمة، غير أن عدم دعوة قوات التحالف الأمريكية التي نسّقت تحرير سنجر مع البشمركة لأي من الميليشيات الكردية الأخرى يشي بنجاح الضغوط التركية على واشنطن مؤخرًا لتهميش حزب العمال الكردستاني، على الأقل في العراق حيث يوجد بديل له، وهو ما يعني ضعف موقف الحزب بالعراق بمواجهة تحالف أمريكي تركي يقف بظهر البشمركة صاحبة الخبرة الطويلة بالحكم والإدارة، والمسيطرة على كردستان العراق؛ المنطقة الأكثر استقرارًا ربما في المشرق كله من دمشق إلى البصرة.

العرب أيضًا المتواجدون في سنجار وغيرها بالتمازج مع الأكراد بشمال العراق وسوريا قد يحددون مصير ذلك الصدام، فما تقوم به البشمركة من استضافة لاجئين سوريين في أربيل والتعاون مع القبائل العربية، وحمايتها للبيوت العربية من محاولات الانتقام في سنجار مؤخرًا من جانب اليزيديين، يشي برغبتها في توسيع نطاق داعميها، في حين يستمر حزب العمال الكردستاني في سياساته الضيقة، والتي قام بموجبها بتهجير العرب من المدن التي سيطر عليها في شمال سوريا، كما فعل في كوباني، وفق ما كتبت عنه منظمات حقوقية كأمنستي إنترناشونال في تقرير مؤخرًا، وهي مسألة ستصُب مرة أخرى في مصلحة البشمركة.