عقب إسقاط الطائرة الروسية سوخوي 24 من قِبل سلاح الجو التركي في 24 نوفمبر، بدأت موسكو بفرض جملة من العقوبات الاقتصادية على أنقرة بسبب إسقاطها الطائرة؛ حيث أمر رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيدف حكومته باتخاذ إجراءات تشمل تجميد بعض مشروعات الاستثمار المشتركة مع تركيا، وفرض قيودًا على الواردات الغذائية من خلال تعزيز الرقابة على المنتجات الزراعية والمواد الغذائية القادمة من تركيا.

شكلت السياحة إحدى أهم أدوات العقوبات الآنية المفروضة من موسكو على أنقرة؛ ففي تصريح لوزير الخارجية الروسي لافرورف حذر الروس من السفر إلى تركيا معتبرًا أنَّ "خطر الإرهاب" لا يقل عنه في مصر التي شهدت إسقاط طائرة ركاب في شهر أكتوبر جراء انفجار قنبلة داخل الطائرة، وجاء توقيع الرئيس الروسي فلادمير بوتين مرسومًا يفرض قيودًا على السياحة التركية ليشدد على هذه العقوبات وحرمان تركيا من عوائد السياحة الروسية، وفي سياق متصل أوصى النواب الروس في مجلس الدوما بإلغاء جميع الرحلات الجوية إلى تركيا ودعوا وزارة الخارجية إلى سحب السيّاح الروس المتواجدين في تركيا، ولذلك أعلن الاتحاد الروسي لوكالات السفر إيقاف بيع الرحلات المتوجهة إلى تركيا، وإلغاء حجوزات عطلة رأس السنة وتنفيذ خطة عاجلة لإعادة السياح الروس المتواجدين في تركيا، وبحسب المتحدثة باسم شركات السياحة الروسية إيرينا تورينا فإن قرابة 15 ألف سائح روسي متواجد في تركيا حاليًا بالإضافة إلى إتمام حجوزات لقرابة عشرة آلاف شخص لقضاء عطلة رأس السنة الميلادية هناك.

الجدير بالذكر أن قطاع السياحة الروسي تلقى ضربة بعد حظر السفر إلى مصر وتركيا؛ فالعديد من الشركات الروسية تعتمد على هاتين الوجهتين حصريًا، وبحسب إيرينا أيضًا فإن السياحة التركية والمصرية تشكل نصف إجمالي السياحة الروسية في الخارج لذلك تبحث شركات السياحة الروسية عن البديل في دول شرق أسيا وإسرائيل والمغرب.

 

تركيا تعد الوجهة الأكثر شعبية للسياحة الروسية؛ حيث أظهرت الإحصائيات من وزارة السياحة والثقافة التركية أن عدد السيّاح الروس خلال التسع أشهر الأولى هذه السنة بلغ 3.3 مليون سائح ما يجعلهم يمثلون 10% من عدد السيّاح الإجمالي في تركيا، ويأتي بعد السيّاح الألمان مباشرة الذين بلغ عددهم في نفس الفترة 4.4 مليون سائح.

جاءت أرقام العائدات السياحية متفائلة هذه السنة بعد ارتفاع ملحوظ في معدل الدخل السياحي التركي خلال الأشهر الأولى من سنة 2015 بنسبة 1.3% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، حيث حققت عائدات بنحو 4.868 مليار دولار حسب مؤسسة الإحصاءات التركية وبلغت نفقات الأجانب الزوّار في الربع الأول 884 دولار في اليوم، وساهم سقوط طائرة الركاب الروسية في شبه جزيرة سيناء لتحويل وجهات السيّاح الروس من مصر إلى تركيا بعد حظر السفر إلى مصر، لذلك جاءت التوقعات أن تشهد صناعة السياحة نموًا ملحوظًا مستفيدة من حصة مصر السياحية من السياح الروس، إلاّ أنّ هذه الفرحة لم تكتمل فبعد شهر من سقوط الطائرة في سيناء، أُسقطت الطائرة الروسية الثانية، وتعرّضت صناعة السياحة التركية لضربة موجعة بسبب حزمة الإجراءات الروسية الأخيرة التي ستبدأ في السنة المقبلة، حيث حذرت الحكومة الروسية شركات السياحة من الحجز إلى تركيا، حتى هذه اللحظة على الأقل لا توجد خطط لإخلاء السياح الروس من تركيا المقدر عددهم  15000 سائح في حين يوجد 6000 سائح حجزوا في الأسابيع القادمة لقضاء عطلة أعياد الميلاد عليهم تغير رحلاتهم.

السياحة في الاقتصاد التركي تعد حجر أساس لأنها تُدر النقد الأجنبي لخزينة الدولة حيث شكلت عائدات السياحة في الأشهر التسع الأولى من السنة الحالية 21 مليار دولار، وبالنظر للمقاربة بين عائد السياحة وبين مستوى العجز التجاري المبينة في الشكل أعلاه من شبكة بلومبيرغ الاقتصادية تُظهر أنَّ قطاع السياحة يساعد الاقتصاد التركي نوعًا ما على تقليص العجز التجاري بين الواردات والصادرات من خلال النقد الأجنبي الذي يساعد الحكومة في تأمين مشترياتها وحاجاتها من السوق الدولية، وبشكل خاص تسهم السياحة الروسية في تركيا بضخ 6 مليار دولار سنويًا في السوق التركي ممثلةً بالتسوق والإقامة ومصاريف أخرى يصرفها السائح الروسي وهذا يمثل 8% من الناتج القومي التركي، لذلك تلعب عائدات السياحة دورًا مهمًا في المحافظة على مستوى العجز الجاري وإبقائه تحت السيطرة الذي بلغ في أكتوبر 2015 نحو 3.621 مليار دولار، وهذا يعد العجز الأكثر انخفاضًا منذ فبراير 2010، وحيال هذا التطور في انكماش العجز سيؤدي انقطاع وارد السياحة الروسي على الاقتصاد التركي بانخفاض مطّرد للقطع الأجنبي إذا لم يعوّض من قِبل قطاعات إنتاجية أخرى أو زيادة في عدد السياح من دول أخرى، وبالتالي إلى ارتفاع العجز عن مستوياته الحالية.

المحافظة على العجز من أولويات السياسة الاقتصادية التركية فاستقراره يؤدي لزيادة الثقة بالاقتصاد التركي التي تجذب المستثمرين الحاليين وجلب مزيد من الاستثمارات الأجنبية إليه، التي تشكل حاليًا 20% من الناتج المحلي، فتركيا اعتمدت منذ 2001 جملة من الإصلاحات الضريبية الحكيمة والانضباط المالي والخصخصة واستقرار الوضع السياسي في البلاد، وساهمت هذه العوامل في اجتذاب الاستثمارات وجعل تركيا قبلة للمستثمرين الأجانب فاعتمدت على تلك الاستثمارات أكثر من اعتمادها على الثروة المولّدة من الماكينة الاقتصادية المحلية، حيث كان للمستثمرين الأجانب دور كبير في تطور النمو الاقتصادي في تركيا ووصلت معدلات النمو إلى 9% في الأعوام الماضية، وهذا ما يجعل الاقتصاد التركي رهين لتلك الاستثمارات الأجنبية المباشرة، كما أن دخل المواطن التركي مرتبط بشكل ما بها وإذا تعكر صفو عملها تؤدي إلى تعثر القروض وانخفاض الاستهلاك المحلي وبالتالي إلى انخفاض معدل النمو، وهذا ما تسعى تركيا لعدم حدوثه.

وأخيرًا تواجه تركيا ضغطًا روسيًا مقصودًا يهدف للتأثير على المحركات الرئيسية لاقتصاد تركيا بدءًا بحظر السياحة الروسية وليس انتهاءً بجر تركيا إلى حرب على الأرض السورية للدفاع عن التركمان في جبال اللاذقية وخلق قلاقل داخل تركيا باعتمادها على الأقليات (أكراد، علويون) حيث تتهم تركيا روسيا بدعم وتسليح الأكراد وتأليبهم لتأسيس دولة لهم على الحدود التركية، كما أنّ دعمها لحليفها بشار الأسد تقوي شوكة الطائفة العلوية في الداخل التركي على الحكومة التي تعادي النظام السوري وتتخذ موقفًا معاديًا ضده، علاوة على هذا وذاك الحلف القائم بين تركيا وقطر يهدد مصالح روسيا في السيطرة على طرق الغاز إلى أوروبا وعدم مشاركتها أحد في طرق الإمداد إلى السوق الأوروبية من جهة والتحالف مع الممكلة العربية السعودية التي تسعى إلى إبقاء سعر النفط في حدوده الدنيا للضغط على الاقتصاد الروسي من أجل الرضوخ لسياسات المملكة من جهة أخرى.

خلق هذه الاضطرابات من قِبل الدب الروسي تؤدي إلى زعزعة الاستقرار الاقتصادي في تركيا وتراجع الاستثمارات الأجنبية (عصب الاقتصاد التركي) وانخفاض جاذبية تركيا السياحية، بالإضافة إلى تدهور قيمة العملة التركية وفقدان الثقة بها؛ وبالتالي إلى خسارة تركيا مكانتها الاقتصادية العالمية التي بنتها خلال العقد الماضي والتي تربّعت في المرتبة الأولى في الشرق الأوسط والخامسة عشرة عالميًا من حيث حجم الاقتصاد حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي 1.358 ترليون دولار.