كرة القدم، تلك التي يعتبرونها "جِلدة مدورة" يتصارع عليها 22 رجلًا، أو الساعة والنصف الضائعة في اللاشيء، هؤلاء الذين يرددون هذه الترهات لم يدركوا يومًا "الشغف" المصاحب للتشجيع، هؤلاء لا يفهمون ما الذي يدفع أحدهم ليواظب على حضور مباريات فريقه المفضل منذ عام 1934 حتى توفي منذ أيام  كمشجع الأرسنال "إيرني كرواتش"، أو أن يُقدم أحدهم على المقامرة بمستقبله ويقتل لاعب منتخبه الكولومبي لإحرازه هدفًا في مرماه بالخطأ مثلما حدث مع "إسكوبار" لاعب المنتخب الكولومبي الذي قتل بـ 12 رصاصة اخترقت صدره.

هذا الشغف والدافع وإن تحول يومًا إلى هوس وجنون لا يرضيه سوى الفوز وإحراز البطولات، يقول الأسطورة الفرنسية "إيريك كانتونا" لاعب مانشستر يونايتد السابق في نفس السياق: "أنا لا ألعب ضد فريق معين، أنا ألعب ضد فكرة الخسارة".

 لكن لذة الانتصار تزداد بازدياد المعاناة التي يولد من رحمها الإنجاز، وهذا ما حدث مع كل من منتخبي العراق وألبانيا.

العراق

في عام 2007 كان العراق مجرد منتخبٍ متوسط المستوى آتٍ من دولة ممزقة يقاسي شعبها ألم الاحتلال منذ 2003، والطائفية تنهش في جسد الشعب العراقي، مما أدى إلى مغادرة الملايين بلادهم هربًا من الموت المحقق، لم يعد هناك شيئًا يرسم البهجة على وجوه العراقيين، فقد دُمرت بغداد ونهبت والمستقبل لا تبدو له معالم، كان هذا قبل أن يقرر يونس محمود قائد المنتخب ورفاقه تغيير مجرى التاريخ في منافسات أمم آسيا لعام 2007، لم يكن يتوقع حينها أكثر الحالمين والمتفائلين بأكثر من الوصول إلى المربع الذهبي من البطولة، حيث إن الفريق لم يستعد سوى قبل الانطلاق بشهرين، وبالطبع لم يكن معسكر الفريق في العراق بل كان في قطر، التي استضافت أيضًا مباريات العراق في التصفيات المؤهلة للبطولة.

فاز العراق بالبطولة بسجلٍ خالٍ من الخسائر، حيث أطاح في المباراة قبل النهائية بالشمشون الكوري (المرشح الأول للفوز بالبطولة) بركلات الترجيح، قبل أن يُسجل القائد التاريخي يونس محمود هدف الفوز على المنتخب السعودي (صاحب الحظوظ الأوفر للفوز بالبطولة) في النهائي، كان هذا الانتصار هو بهجة العراقيين الأولى ومؤنسهم حينها في بحر من الأحزان.

مثل هذه الانتصارات هي التي تبقى كعلامة تاريخية مهما طال الأمد.

ألبانيا

لأول مرة في تاريخها تصل ألبانيا إلى نهائيات أمم أوروبا، تلك الدولة التي عندما يذكر اسمها أمام أغلب مواطني الشرق الأوسط يعتقدون أنك أخطأت في النطق وأنك تقصد "ألمانيا"، لكن لا، هي ألبانيا الدولة التي لم يصل عمرها الـ100 عام بعد، بعد أن قاسى شعبها ويلات الحروب والاحتلال والانتفاضات طيلة تاريخها.

 لم يكن طريق الوصول ممهدًا مفروشًا بالورود، فلقد كان على المنتخب الألبانيّ المرور من بوابة الغول الصربي، وما يحمله هذا اللقاء من نيران في الصدور لم تطفأ بعد.

تعود جذور الكراهية إلى الحرب العالمية الأولى، حينما مرت الدولة العثمانية بضعف واضح في إقليم "البلقان" وأُعلن استقلال ألبانيا كنتيجة لمؤتمر لندن لوقف الحرب في البلقان، لكن ذلك لم يرض الصرب الذين أعلنوا الحرب على ألبانيا معتبرينها جزءًا لا يتجزأ من أرضهم، وفي إطار الحرب خسرت ألبانيا أجزاءً كبيرة من أرضها أدت إلى خروج ما يقارب من نصف سكانها منها وانضمامهم إلى الدول المجاورة.

توقفت الحرب لأمد من الزمن حتى تجدد الصراع مع انتفاضة إقليم "كوسوفو" الذي كان جزءًا من دولة صربيا مطالبًا بالاستقلال، ومع الدعم الألباني لاستقلال الإقليم تجددت الاعتداءات الصربية مجددًا بدعم روسي، ثم توقفت الحرب بضغوط دولية.

في 14 من أكتوبر لعام 2014، في ستاد بارتيزان في العاصمة الصربية بلجراد، كانت مباراة المنتخبين في إطار الجولة الثالثة المؤهلة وفي أثناء عزف النشيد الوطني الألباني حلّق علم ألبانيا فوق الملعب ليس هذا هو الحدث لكن العلم كان ضامًا لإقليم البلقان وأجزاء من ألبانيا يؤمن الصرب بأنها حقهم، لم يحتمل "ميتروفيتش" لاعب المنتخب الصربي رؤية العلم محلقًا هكذا، فقفز وانتزعه لتبدأ معركة حامية الوطيس، انتهت بإلغاء المباراة واقتحام الجماهير للملعب، وهروب رئيس وزراء ألبانيا من المدرجات وإلقاء القبض على شقيقه.

احتسبت المباراة لصالح المنتخب الألباني في النهاية ليحصل على ثلاثة نقاط ساعدته كثيرًا في الوصول إلى أمم أوروبا.

إذًا، وصل المنتخب الألباني إلى أمم أوروبا في أكبر حدث رياضي في تاريخ ألبانيا، ليعلن مجموعة من مشجعي المنتخب أنهم سيذهبون إلى فرنسا حيث تقام البطولة مشيًا على الأقدام تعبيرًا عن امتنانهم للاعبي الفريق الذين رسموا البهجة على وجه ألبانيا بأسرها.

صارت كرة القدم مصدر الشغف للملايين، ساعة ونصف من الهروب من العالم الحزين، فدول كألبانيا والعراق هي دول فقيرة يقاسي أهلها الويلات وإن كان حال الألبان أفضل قليلًا من العراقيين.

صارت كل شيء للمتيمين بفرقهم، مصدر الإدرينالين في العروق، حبس الأنفاس حتى اللحظات الأخيرة، خيبات الأمل، الانتصارات غير المتوقعة، الهدف في الثانية الأخيرة، إصابة نجم الفريق وتحامله على نفسه لاستكمال المباراة.

هذه التفاصيل والمئات غيرها هي التي تجعل معنى لهذه اللعبة.