من فيلم Spectre

تنتج هوليود نحو 800 فيلم سنويًا، وتنتج أوروبا عددًا مماثلًا، وكذلك شرق آسيا، طبعًا مع استثناء الهند التي تنتج عددًا بحجم هؤلاء جميعًا في السنة الواحدة، لذلك لا تتوقعوا مني أن أشاهد كل شيء، إن الباقة السينمائية التي اختارها لكم هنا، تمثل أجمل ما شاهدتُ من إنتاجات هذه السنة، لذلك فلا يعجبَن أحدكم من غياب هذا الفيلم أو ذاك، فلربما لم أشاهده بعدُ، ولربما شاهدتُه ولم يغير في خياراتي هذه شيئًا، ما أضمنه، أن الأعمال المقترحة هنا، هي أعمال جميلة وتستحق المشاهدة، سواء كانت الأفضل، أم هناك ما تفوق عليها.

بداية يجب أن أشير إلى أن 2015 وخلافًا لما توقعتُه تعتبر سنة سيئة سينمائيًا، على الأقل مقارنة بالسنة الماضية، فهي سنة لم تقدم لنا تحفًا بحجم Birdman أو Boyhood، وهي سنة عولت كثيرًا على الأبطال الخارقين وفي مقدمتهم الرجل النملة Ant-man الذي كان الأكثر نجاحًا فيما يبدو، وأعتقد ـ مع احترامي لهواة هذا الصنف ـ أن التعويل عليه هو نوع من الإفلاس الفني.

أما العناوين التي كانت في مقدمة انتظارات هذه السنة، مثل فيلم العميل 007 (Spectre) والجزء الجديد من حرب النجوم (القوة تستفيق) فتراوحت بين الخيبة الكبرى وبين الرضا، أقول قولي هذا ولا يزال من السنة أسبوعان هما خير ما فيها، حيث يركز الكثير من المخرجين على هذه الفترة لضمان ربح أكبر وحظوظ أكثر للترشح لكبرى الجوائز، لذلك، فغياب أعمال مثل The Hateful Eight وThe Big Short وCarol مرده الوحيد أنها لم تصدر بعد للعموم، ولكنني أنصحكم بمشاهدتها.

1 ـ رجل المريخ The Martian

منذ صدوره في أواخر سبتمبر الماضي، حقق الفيلم أرباحًا تتجاوز المائتي مليون دولار وهو ضعف ميزانيته بالفعل، كما ترشح إلى ثلاث جوائز كبرى في الغولدن غلوب (أحسن فيلم كوميدي، أحسن ممثل في دور رئيسي، وأحسن مخرج)، ولا شك أنه يستحق كل ذلك بالفعل، لقد أعاد هذا الفيلم فن الخيال العلمي إلى بداياته، مع أدباء مثل جول فيرن، حين حاول من خلال ثنائية العلم والخيال، أن يسبر الأغوار عن الممكن، ويتجاوز ما يبدو أنه مستحيل، لقد قدم لنا ريدلي سكوت لمحة معقلنة جدًا عن مستقبل الإنسان القريب، بأسلوب بسيط ومسل إلى درجة الكوميديا، وخلال ساعتين ونصف تقريبًا، سوف تعيش مغامرة إنسانية رائعة، تشارك فيها بعواطفك بقية سكان الأرض في عملية إنقاذ المهندس "مارك واتني" من براثن المريخ.

الفيلم أمريكي من إخراج ريدلي سكوت (غلادياتور، آلين) ومن بطولة مات دايمون (Good Will Haunting) وأنصح به الجميع.

2 ـ ابن شاؤول Saul Fia

رغم أنه فيلمه الطويل الأول، إلا أن المخرج المجري لاشلو نيميس أدار له الرقاب هذه السنة بفضل "ابن شاؤول"، قصة اليهودي الذي وجد خلاصه الأخير في إنقاذ جثة طفل من المحرقة ودفنها على الطريقة اليهودية، حاز الفيلم على جائزة النقاد في مهرجان كان، كما رشح لجائزة الغولدن غلوب عن أفضل فيلم أجنبي.

الفيلم سوداوي إلى أبعد الحدود، رغم روحه المتفائلة، ولا أعتقد أن قلبًا رقيقًا، قادر على متابعة 100 دقيقة تقريبًا من المشاهد المأساوية التي سجلها التاريخ.

3 ـ سيكاريو Sicario

صدر سيكاريو في الولايات المتحدة في سبتمبر الماضي، وحقق مداخيل تقدر بـ 46 مليون دولار وهو مبلغ جيد مقارنة بميزانية الفيلم لكنه لا يقارن بالنجاحات السينمائية الكبرى، حصل فيلم المخرج الكندي دنيس فيلنوف (حرائق 2010، مساجين 2013) على بعض الترشيحات لكنه لم يحقق نجاح فيلميه السابقين، مع ذلك، أجده فيلمًا يستحق عناية أكبر، يروي "سيكاريو" تفاصيل عملية خاصة تقودها وكالة الاستخبارات الأمريكية في المكسيك لمحاولة القضاء على شبكة تهريب لم تنجح طرق الشرطة الفيدرالية العادية في كبح جماحها، وخلال هذه العملية، يكشف فيلنوف الستار على الجانب المظلم الذي لا تركز أفلام الأكشن عليه كثيرًا، وضعية المهاجرين بصفة غير شرعية ومعاناتهم وطرق عمل عصابات التهريب وفظائعة جرائمهم وطرق الاستخبارات التي لا تمت بصلة إلى حقوق الإنسان أحيانًا، بل في الكثير من الأحيان.

إنه أحد أكثر أفلام الأكشن واقعية وقسوة، وقد أضفت مشاهد التصوير الحراري واقعية وقسوة للدراما، أما أهم جزء في العمل، فهو حتمًا الأداء المتميز للممثل البورتوريكي "بينيثيو ديل تورو" (تشي، 21 غراما)، يقول دنيس فيلنوف إن ديل تورو حذف 90% من الكلام الذي يفترض أن يقوله في السيناريو، ليضفي واقعية أكبر على طبيعته الصارمة والمخيفة والغامضة، وأؤكد لكم إنه نجح تمامًا في غرضه.

الفيلم لهواة أفلام الأكشن والمخابرات والسياسات الدولية، ولهواة بينيثيو ديل تورو.

4 ـ إكس ماكينا Ex Machina

لئن عاد فيلم رجل المريخ بالخيال العلمي إلى أشكاله الأولى، فإن هذا الفيلم دفع به إلى الأمام من خلال تقديم تصور جديد عن الذكاء الصناعي، يبدو العمل بسيطًا من خلال اعتماده الكلي على براعة السيناريو، فقد كان الإطار الثابت غالبًا على تصوير المشاهد، كما أن المؤثرات البصرية المستعملة باتت عادية ولا ابتكار فيها، لكن الفيلم على بساطته، كان متقنًا إلى درجة كبيرة، كما أن العبقرية الدرامية فيه تشد إليه الأنظار.

يروي الفيلم قصة مخترع ثري مهوس بفكرة الذكاء الصناعي، ينتدب مبرمج كمبيوتر ليجري له اختبارات آلة تورينغ، على اختراعه الجديد "Ava" التي يزعهم أنها أول ظاهرة ذكاء صناعي حقيقية.

ورغم أن هناك أعمالاً سينمائية كثيرة خاضت في فكرة الذكاء الصناعي، خصوصًا في العشرية الأخيرة (أنا روبوت لويل سميث، أنا سايبروغ ولا يقلقني ذلك لشان ووك بارك، وعنها لسبايك جونز) إلا أن هذا الفيلم لم يكرر تلك الأفكار القديمة التي عرفناها بالفعل مع أوديسا الفضاء وBlade Runner، بل أنه توغل في المسألة الشائكة ليزرع الحيرة في نفوسها حول هوية الذكاء الصناعي وهوية الذكاء الطبيعي، إن Ava ليست تساؤلاً عن ماهية الآلة بقدر ما هي تساؤل عن ماهية الإنسان.

صدر فيلم المخرج آلكس غارلان في أبريل الماضي وحقق أرباحًا لابأس بها مقارنة بميزانيته، كما تحصلت بطلته آليشيا فيكاندر (Ava) على ترشيح لجائزة الغولدن غلوب.

5 ـ طريق الغضب Mad Max

طريق الغضب هو رابع أجزاء السلسلة السينمائية الأسترالية الشهيرة في فترة الثمانينات ماكس المجنون، وقد كانت آنذاك من بطولة ميل غيبسن، والآن يأخذ توم هاردي المشعل ليساعد محاربةً متمردة على الفرار من جحيم طاغية متجبر، وتهريب أسيراته من النساء، تدور أحداث الفيلم في صحراء أستراليا المرعبة في فترة مفترضة بعد نهاية الحضارة كما نعرفها، وتحديدًا في طريق صحراوية تفصل عالم الطاغية دجو الخالد، وعالم النساء الذي يرنو إليه البطل رفقة المتمردة فوريوزا (تشارليز ثيرون).

تكمن قيمة الفيلم في استثنائية مشاهد الحركة فيه، فهو فيلم قائم على الحركة أساسًا، ولكنها حركة خاصة تحدث داخل السيارات وبينها، ما يجعل هامش الخيال محدودًا، لكن يبدو أن فريق المخرج جورج ملير لا يعرف هذه الحدود، وعلى عكس بقية أفلام الحركة المعتادة، فإن الجانبين الفني والأدبي حاضران بقوة بالفيلم، وتكاملا بشكل ساحر مع مشاهد القتال والأكشن، ففنيًا تمكن فريق العمل من تشكيل عالم ساحر شديد الارتباط بالصحراء، ومتأرجح بين ثنائية الموت والحياة، ولئن كان الفضل الأساسي في ذلك يعود إلى الأجزاء السابقة لماكس المجنون إلا أن المخرج ميلر استطاع تقديم الجديد في هذا الجزء الرابع والاستفادة من التطور البشري الرهيب الذي حدث منذ الثمانينات إلى اليوم، أما أدبيًا، فلا يمكن تجاهل الطابع النسوي (feminist) الذي يطغى على العمل، إنه أحد أكثر الأفلام إثارة هذا الموسم.