واجهت إيران عقوبات أممية وأوروبية مرتبطة بمسارات الملف النووي الإيراني الذي أصبح الملف الأهم في علاقات إيران الخارجية منذ العام 2002 وقد حاولت تلك العقوبات حرمان إيران من التكنولوجيا الحديثة ومنع الشركات من الاستثمار في الصناعات النفطية والبتركيماوية الإيرانية والتضييق على حركة الشركات الإيرانية ومحاولة إغلاق الأسواق أمام بضائع الشركات الإيرانية.

كما تم استهداف البنوك والمؤسسات المالية التي نُظر إليها كمساند اقتصادي لتطوير برنامج إيران النووي، أضف إلى ذلك التركيز على مؤسسات وأشخاص لهم علاقة بالبرنامج النووي وصناعات طهران العسكرية.

أثرت العقوبات المفروضة على قطاع المواصلات لاسيما الطيران الجوي؛ حيث حرمت إيران من تجديد أسطولها الجوي للطيران الداخي ما دفعها  للتوجه نحو تكنولوجيا بديلة من الصين وروسيا والهند وسعت لتطوير صناعاتها الداخلية لملء الفراغ والتعويض عن التكنولوجيا التي منعتها العقوبات منها.

العقوبات الأوروبية والأمريكية التي فرضت عام 2012 على إيران فرضت على شقين: الأول على النظام البنكي والمصرفي الإيراني، والثاني: على قطاع النفط الإيراني الذي يوفر ما يزيد عن 75% من الدخل النقدي لموازنة الحكومة الإيرانية.

تضرر الاقتصاد الإيراني بشدة بسبب العقوبات المفروضة عليه وبسبب السياسة الاقتصادية المعمول بها في البلاد؛ حيث تراجعت صادراتها من النفط بنسبة 40% وتقيد الإيرانيون في الخارج من تحويل الأموال إلى الداخل بسبب الحظر المصرفي ووصل معدل التضخم إلى 25% والبطالة إلى 20%، كما فقد الريال الإيراني نصف قيمته مقابل الدولار حيث ارتفع سعر الصرف من متوسط 13.7 ألف ريال مقابل الدولار خلال الفترة من 2011- 2013 إلى 28 ألف ريال للدولار الواحد في 7 مايو 2015 أي بنسبة انخفاض بلغت 104.4%.

النقطة الإيجابية التي حصلت عليها إيران من جراء تلك العقوبات المفروضة هي الاعتماد على الذات في توسيع القاعدة الإنتاجية في البلاد من خلال الاعتماد بشكل كبير على التكنولوجيا المحلية والتي سيتم تطويرها أكثر بعد رفع العقوبات وتدرييب كوادر وطنية وأيدي عاملة ولو بشكل نسبي مقارنة مع دول خاضت نفس التجرية، والجدير بالذكر أنها استطاعت تطوير صناعات عسكرية زودتها بترسانة حربية على الرغم من العقوبات المفروضة عليها.

تم توقيع الاتفاق النووي الإيراني مع دول الخمسة زائد واحد في تاريخ 14 تموز عام 2015 الذي تضّمن تقليص نشاط إيران النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وعليه فإن ما قبل الاتفاق ليس كما بعده على صعيد الاقتصاد الإيراني.

يُعد الاتفاق الإيراني نهاية حقبة لسباق التسلح النووي بين الدول في الشرق الأوسط خصوصًا بعد التطمينات التي أرسلتها الولايات المتحدة الأمريكية والأوروبية لدول الخليج وإسرائيل بأن إيران لن تستطيع بعد هذا الاتفاق إنتاج سلاحًا نوويًا.

انتشت إيران على إثر الاتفاق بنشوة الانتصار الذي انتزعته من خصومها في العالم بعد مفاوضات دامت عشر سنوات؛ حيث شعرت وكأنها وُلدت من جديد، فمن المتوقع أن تشهد إيران نهضة اقتصادية في العقد المقبل بعد رفع العقوبات عنها، ممثلة بالفرص الاستثمارية الموجودة في الأسواق الإيرانية في شتى القطاعات بدءًا بالنفط والغاز والبتروكيماويات وليس انتهاءً بقطاع الصناعة والسيارات والمكائن.

إنّ تعافي الاقتصاد الايراني بعد رفع العقوبات عنه سيسمح له أن ينافس اقتصاديات الدول الناشئة مثل تركيا على وجه الخصوص التي يقدر حجم اقتصادها ما يقارب ترليون دولار، فارتفاع معدلات النمو في العشر سنين المقبلة بمعدلات تتراوح من 6 - 7% من مستوى 3% لعام 2014 - 2015 يمكن أن يحّسن أداء الاقتصاد الكلي الإيراني ومضاعفة الناتج الإجمالي المحلي، كما أن انفتاح المناخ الاستثماري في إيران الذي يتسم بالعمق والتنوع في قطاعات النشاط الاقتصادي غير الموجود في الاقتصاديات الخليجية التي تعتمد في جلّها على قطاع النفط والغاز والبتروكيماويات، سيؤدي إلى نزوح رؤوس الأموال الأجنبية التي تستثمر في المنطقة العربية إلى إيران بدواعي تحقيق أرباح أكثر، ما سينعكس  على أداء البورصة الإيرانية بشكل إيجابي وتحسنًا لسعر صرف الريال الإيراني مقابل الدولار.

رفع العقوبات سيكون بداية العام المقبل 2016 إلا أنّ التراجع الكبير لأسعار النفط في هذا العام لمستويات قياسية أدى لهبوط سعر برميل النفط إلى مستوى 30 دولارًا، وتوقع صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد الإيراني  "سيتراجع النمو فيه من 3% في عام 2014 - 2015 إلى نحو 0 في عام 2015 -  2016 مع تضخم يناهز 14%" وبعد رفع العقوبات يتوقّع صندوق النقد أن يشهد الاقتصاد الإيراني ازدهارًا أكثر في عام 2016 - 2017 حيث من شأن "رفع إنتاج نفطي أكبر واستئناف الصادرات وكلفة أقل للتبادل التجاري والمالي والوصول مجددًا إلى الأموال في الخارج أن يرفع نمو إجمالي الناتج المحلي إلى ما بين 4.5 - 5.5%، وجهود السلطات لتقليص الموازنة أن تجعل التضخم دون 10%".

الأثر الرئيسي لرفع العقوبات على إيران هو زيادة صادرات إيران النفطية التي هبطت نحو مليون برميل يوميًا في أعقاب تشديد عقوبات الاتحاد الأوروبي عام 2012 بعدما كان إنتاج إيران النفطي يقدر بحوالي 4 مليون برميل، وبالفعل بدأت إيران بالتسويق لإنتاجها النفطي حيث أرسل وزير النفط الإيراني بيغن زنغنه رسالة إلى أوبك قائلاً فيها إن "العقوبات سترفع وسنعود إلى مستويات الإنتاج السابقة"، وأضاف "لن نطلب إذنًا من أحد لاستعادة حقوقنا".

فضلًا عن ذلك سيؤدي رفع العقوبات إلى خفض تكلفة التجارة مع إيران، لأن العقوبات فرضت حظرًا على الشركات التي تقدم تغطية تأمينية وائتمانًا للشركات الإيرانية وعليه ستزيد قيمة تجارة إيران نحو 17 مليار دولار أو ما يعادل 3.5% من إجمالي الناتج المحلي حسب شانتا ديفاراجان كبير الخبراء الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك الدولي.

وستجني شركات السيارات والأدوية فوائد كبيرة لأنها كانت في الآونة الأخيرة تعاني من العقوبات المفروضة على استيراد قطع الغيار والآلات، ومن المتوقع أن تزداد الاستثمارت الأجنبية إلى ثلاثة مليارات دولار سنويًا أي ضعفي مستواها الحالي 2015.

سيفرج عن الأموال المجمدة في الخارج والتي تقدر بنحو 100 مليار دولار شاملة استثمارات في مشروعات نفطية في الخارج ومن هذه الأموال 29 مليار دولار من موجودات البنك المركزي علمًا أنه سيتم الإفراج عن العائدات النفطية عقب رفع العقوبات مباشرة، علاوة على تحريك التحويلات المصرفية المعروفة بـ "سويفت" بين إيران والخارج وبالتالي تعزيز التبادل التجاري بين طهران ودول العالم.

تخشى الدول الخليجية بعد توقيع الاتفاق النووي الإيراني مع دول الـ 5+1 من زيادة دور إيران "الشرطي" في المنطقة والاعتراف بها كقوة إقليمية على حساب دول أخرى؛ ما يعني تغاضي دول العالم عن سياساتها التخريبية والاستفزازية في الدول العربية وتدخلاتها العسكرية في سوريا ودعمها للقوى المضادة ضد قوى الثورة في محاولة لتوسيع نفوذها وإعادة "إمبراطويتها الصفوية" الماضية كما يحصل في اليمن والبحرين وسوريا ولبنان والعراق والكويت وأفغانستان غيرها.

ختامًا تفوق طهران الاقتصادي بعد رفع العقوبات مطلع العام القادم مرهون بمدى تحسن مؤشرات اقتصادها الكلية (معدل النمو والفائدة والتضخم والعمالة) وهذه تتطلب إصلاحات هيكلية من أجل دعم الأداء الاقتصادي على المديين المتوسط والبعيد.