حذر مصرف ليبيا المركزي أواخر نوفمبر الماضي من تفاقم الأزمة المالية الليبية وإمكانية تعرض الاقتصاد لخطر الانهيار وذلك في تقرير أصدره، مبينًا أن عجز الموازنة العامة الليبية حتى تاريخ إصداره بلغ قرابة الـ 40 مليار دينار كفرق بين المصروفات والإيرادات.

وأرجع البنك المركزي الليبي هذا التدهور وعجز الموازنة إلى أسباب بعضها سياسي كالانقسام السياسي بين حكومتين إحداهما في شرق ليبيا والأخرى في غربها، وانعدم الأمن الذي يصّعب من فرص التنمية الاقتصادية، وأخرى اقتصادية كتدني أسعار النفط عالميًا إلى ما دون الـ 35 دولارًا، وإغلاق مرافئ وحقول نفط ليبية أمام التصدير للخارج، مما نجم عنه تراجع تصدير النفط إلى 300 ألف برميل يوميًا مقارنة بعام 2012 الذي بلغ فيه معدل التصدير قرابة مليون و250 ألف برميل، إضافة إلى الفساد المالي والإداري الذي ارتفعت وتيرته بعد ثورة فبراير 2014.

تحديات أمام حكومة الوفاق الوطني

وبحسب خبراء فإن أمام حكومة الوفاق الوطني الليبية كأحد أهم مخرجات اتفاق الصخيرات المغربية الموقع في السابع عشر من ديسمبر الماضي تحديات ثلاثة؛ اقتصادي يتمثل في لملمة الأموال الليبية المبعثرة في الداخل والخارج وضبطها، وإعادة تصدير النفط إلى معدلاته الطبيعية، والابتعاد عن الآمال العراض المتمثلة في مشاريع التنمية، فمرحلة حكومة التوافق التي قد تكون عام أو عامين يقتصر دورها على الضبط وتقليل الإنفاق العام.

ويرى المراقبون أن هذا التحدي رهن بإنهاء حالة الانقسام السياسي التي صاحبت أغلب فترات المرحلة الانتقالية بعد اندلاع الثورة، وتنازع مركز السلطة والنفوذ بين شرق ليبيا وغربها، مما أسهم في ضعف الرقابة على إدارة الموارد وتوظيفها وانتشار الفساد والمحسوبية.

ويضيف الباحثون والمهتمون بالشأن الليبي أن العامل الثالث الأبرز في إنعاش اقتصاد ليبيا هو ترسيخ وتثبيت الأمن كشرط رئيس لأي تطوير اقتصادي، مؤكدين أن القضاء على أو تحجيم نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية وإبعاده على الأقل مرحليًا عن مناطق الهلال النفطي في شرق ليبيا، ومنع تمدده جنوبًا حيث حقول النفط، شرط لازم لعودة الشركات الأجنبية العاملة في مجالي التنقيب والإنتاج النفطي.

كانت هيئة مكافحة الفساد الليبية قد كشفت في ديسمبر الماضي أن ليبيا هي الأكثر فسادًا في محيط دول جوراها، وهو ما يتفق مع تقرير لمنظمة الشفافية العالمية بالأمم المتحدة العام الماضي أظهر أن ليبيا من بين الدول الأكثر فسادًا عالميًا وعربيًا، إذ إنها تحتل المرتبة الـ 17 عربيًا من بين 19 دولة، والمرتبة 173 عالميًا من أصل 177.

اتفاق الصخيرات إقليميًا

قبل توقيع اتفاق الصخيرات انقسم المحيط الإقليمي والعربي إزاء الأزمة الليبية التي فجرها انقلاب اللواء المتقاعد خليفة حفتر في السادس عشر من مايو من العام الماضي بدعوى مكافحة الإرهاب في ليبيا؛ فدول كمصر والإمارات قدمت دعمًا غير محدود لعملية الكرامة التي قادها حفتر وحاول تعميمها على كافة مدن ليبيا إلا أن حراك فجر ليبيا المسلح الذي انطلق في يوليو 2014 قضى على آمال حفتر العراض في ذلك، فعسكريًا تواجه حفتر في شرق ليبيا مع فجر ليبيا في غربها، وسياسيًا أضحى المؤتمر الوطني العام ندًا لمجلس النواب المنتخب في يونيو 2014، وكان لكل فريق أو طيف سياسي وجناح مسلح داعمون ومؤيدون خارجيًا.

وصل حد دعم مصر والإمارات لحفتر ومجلس النواب أن وجهتا مجتمعتان مرة، ومصر على انفراد ضربات جوية على مواقع في العاصمة الليبية طرابلس تابعة لعملية فجر ليبيا أسفرت عن مقتل قرابة 30 شخصًا، وكذلك وجهت مصر ضربة جوية على مدينة درنة نجم عنها مقتل أطفال ونساء ومدنيين، وذلك عقب ذبح 21 قبطيًا مصريًا على شواطئ مدينة سرت وسط ليبيا على يد تنظيم الدولة الإسلامية.

من جانبها باركت الحكومة المصرية كأحد أطراف النزاع الليبي إقليميًا الاتفاق السياسي الموقع بالصخيرات المغربية، شريطة ألا تكون للحكومة مواقف عدائية تجاه النظام المصري، بعد أن استطاع المبعوث الأمريكي الخاص للحوار السياسي جوناثان واينر إقناع أجهزة الدولة المصرية السياسية والأمنية بدعم الاتفاق وكف يدها عن التدخل سلبيًا في الشأن الليبي.

الإمارات رغم إعلانها وحضورها لمؤتمر روما في الثالث عشر من ديسمبر الماضي، وبعدها بيومين لتوقيع الاتفاق في الصخيرات، إلا أن موقفه العملي من حكومة الوفاق الوطني غير معلوم على وجه الدقة، خاصة وأن نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي نشروا صورًا لمدرعات حديثة قالوا إنها قادمة من الإمارات إلى ميناء طبرق في أقصى الشرق الليبي حيث نفوذ اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

مواقف من حكومة التوافق

المؤتمر الوطني العام

ينقسم أعضاء المؤتمر الوطني العام بدورهم ما بين مؤيد للحوار السياسي الليبي الليبي، وآخرين داعمين للحوار برعاية أممية مع بعض التفصيل.

إذ يرفض الاتفاق السياسي برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا قرابة 25 عضوًا، ومثلهم مؤيد له بدون أي تحفظات أو تعديلات، بينما يتفق قرابة 60 عضوًا على إقرار المسودة مع إدخال بعض التعديلات والملاحظات عليها، وتندرج أغلب هذه الملاحظات بالتوازن التشريعي بين البرلمان المنحل والمؤتمر الوطني العام.

ويمكن تفسير القوة التصويتة داخل المؤتمر الوطني ومواقفها من العملية السياسية سواء برعاية أممية أو ليبي ليبي، بالظروف الشخصية لأغلب أعضاء المؤتمر خاصة القادمين من خارج طرابلس، فالأعضاء القادمون من شرق ليبيا من مدن مؤيدة لعملية الكرامة، وكذلك القادمون من غرب ليبيا من مدن عرفت سابقًا بالولاء للنظام السابق ولا يستطيعون بدورهم العودة إلى مدنهم، مضطرين بشكل أو بآخر إلى  الرضوخ للضغوطات التي تمارسها بعض القوى سواء كانت من ساحات الثورة أو مسلحة رافضة للاتفاق السياسي.

ودليل ذلك جلسة الأربعاء السادس عشر من ديسمبر المنقولة على الهواء بحضور صحفيين ونشطاء سياسيين، والتي اُختير لها آلية تصويت تقوم على قبول أو رفض مسودة الاتفاق السياسي برعاية أممية أو الامتناع عن التصويت أمام عدسة الكاميرات، مما يخضع الأعضاء لضغوط.

مجلس النواب الليبي

أكثر من 90 نائبًا من أصل قرابة 138 عضوًا وافقوا على مسودة الاتفاق السياسي برعاية أممية، مشاركين في جلسة توقيع الاتفاق بالصخيرات، أو ما عرف بمبادرة فزان، وهو موقف حاول أعضاء المبادرة التصويت عليه في أكثر من جلسة داخل البرلمان، إلا أنهم فشلوا في ذلك لأسباب وصفوها بتهرب الرئاسة من عقد جلسات، أو الإصرار على أن يكون تمرير الاتفاق توافقيًا وليس بالتصويت داخل البرلمان، خلافًا لنصوص ومواد نظام العمل الداخلي بالبرلمان، حسب قولهم.

يغلب التقسيم الجهوي على مواقف الأعضاء داخل مجلس النواب من مسودة الاتفاق السياسي، فغالبية أعضاء المنطقة الغربية والجنوبية يؤيدون المسار الأممي مع إضافة بعض الملاحظات والتعديلات على المسودة اقترحوها بمبادرة فزان، بينما يتجه غالبية أعضاء شرق ليبيا أو برقة إلى رفض المسار الأممي المعدل الذي أعلن عنه برناردينو ليون في سبتمبر الماضي، إذ تطالب هذه الكتلة بمن فيهم رئيس البرلمان عقيلة صالح بالعودة إلى مسودة الاتفاق الرابعة الموقعة بالأحرف الأولى بمدينة الصخيرات المغربية في يونيو 2015.

في وقت لاحق دعم هؤلاء الأعضاء مبادرة إعلان مبادئ الاتفاق بين البرلمان والمؤتمر في تونس نوفمبر الماضي الرامية إلى توقيع اتفاق سياسي نهائي بدون تدخل دولي، على حد وصفهم.

قلة من أعضاء البرلمان من شرق ليبيا ترفض المسارين الأممي والليبي على حد سواء، وتطالب بالتركيز في هذه المرحلة على حرب ما وصفته بالإرهاب في بنغازي، ودعم الجيش التابع للبرلمان بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، مع ملاحظة أن بعضهم التقى رئيس الحكومة فائز السراج بالقاهرة، مما دعا البعض إلى قراءة ذلك بأنه صفقة ما تم عقدها.

إلا أنه رغم هذه المواقف التي تبدو معارضة لتوقيع الاتفاق السياسي برعاية أممية، وظهور مبادرات موازية، سبق للمجتمع الدولي والمبعوث مارتن كوبلر أن أعلن عن رفضها في أكثر من مناسبة، فإن تمدد تنظيم الدولة الإسلامية إلى الحقول النفطية وارتفاع أسعار المواد الأساسية وتدهور الأوضاع الأمنية سيفضيان في النهاية بحسب مراقبين دوليين ومحليين إلى رضوخ كل الأطراف المحلية.

مستقبل الاستثمار في ليبيا

ليس من المتوقع في الفترة القادمة جذب مستثمرين أجانب أو ليبيين فضلوا إدارة أعمالهم خارج ليبيا، في ظل تدني الخدمات العامة كالكهرباء والمياه وصعوبة التنقل بين المدن الليبية جراء الأوضاع الأمنية المشتبكة بين بعض المدن الليبية سواء تلك المحسوبة على النظام السابق، أو على ثورة فبراير.

فالاستثمارات تحتاج إلى بيئة خدمات وأمن واستقرار على مستوى المؤسسات السياسية والإدارية والتشريعية، وهي كلها تقريبًا بحسب بيانات الدولة الليبية أو المؤسسات الدولية ذات علاقة غير متوفرة، فعلى سبيل المثال اضطر مصنع مصراتة للحديد والصلب إلى تخفيض ساعات العمل وأحيانًا إلى إغلاق المصنع لأيام بسبب ضعف شبكة الكهرباء وقطعها المفاجئ أحيانًا بسبب الاشتباكات، وأحيانًا بسبب عدم توفر قطع غيار صيانة الشبكات العامة.

أيضًا ثمة معوقات تشريعية على مستوى التسهيلات القانونية التي يبحث عنها المستثمر كالتعريفات الضريبية المنخفضة والتسهيلات الجمركية، إضافة إلى البيئة البيروقراطية المعقدة داخل مؤسسات الدولة والتي تضطر المستثمرين إما إلى النفور أو طرق أبواب الفساد.