الغاز الصيني

قد يقبل المرء وعلى مضض إيمان عامة الناس بنظرية المؤامرة، أما أن يؤمن (بعض) الاقتصاديين بنظرية المؤامرة في سوق النفط أكثر من إيمانهم بنظرية العرض والطلب فهذا أمر مستغرب جدًا، فالمتتبع للسياسات الاقتصادية لكل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين باعتبارهما من كبار مستهلكي النفط في العالم يجد أن أمريكا - مثلًا - عانت في البداية من أزمة مالية ثم ما لبثت أن تحولت إلى أزمة اقتصادية عاصفة خلال العقد الماضي، ولازالت تعاني من آثارها رغم سياسة الإنعاش الاقتصادي للحاكم الفيدرالي الأمريكي السابق "بن برنانكي" المسماة بـ "التيسير الكمي".

نجد الصين في مكان آخر، التي يراها الجميع وهي تقفز لاهثة وراء معدلات نمو وهمية، متبعة سياسات "النمو بالتضخم"، والحقيقة أن الصين تريد أن تناطح رواد الرأسمالية وتدخل الاقتصاد العالمي بأيديلوجية اقتصادية مركبة، ذات صبغة شيوعية - رأسمالية ألبستها ثوبًا أسمته الاقتصاد الاجتماعي.

يرى مراقبون أن الصين تمارس نهجًا رأسماليًا طالما كان في صالح أصحاب الثروات، وعلى النقيض تمارس اشتراكيتها لتحّمل الخسائر لجمهور الفقراء، ومنذ يومين نشرت جامعة صينية دراسة وكانت من أهم نتائجها أن 1% من الصينيين يملكون ثلث ثروة البلاد، بينما 25% منهم يملكون 1% من الثروة.

يسميها البعض بالتنين الصيني ما إن تقفز أسعار الأسهم وبأعلى من قيمتها الحقيقية، ثم لا يلبث أن يولول أصحاب الثروات على طريقة مستثمري العالم الثالث ما إن تنجرف الأسهم للأدنى لتبدأ المطالبة بالتدخل وإنفاق مليارات الدولارات، ومؤخرًا خفضت الصين من قيمة عملتها لتشجيع التصدير ورفع معدلات النمو، ثم ما لبثت أن بدأت بضخ مليارات الدولارت للمحافظة على قيمة اليوان، حيث ضخت في شهر سبتمبر الماضي فقط 108 مليار دولار.

يرى خبراء في البورصة الصينية أن هناك مبالغة في أسعار أسهم العديد من الشركات، فعملية التقييم السعري للأسهم لا تتم وفقًا للقدرات الحقيقية للشركات، بقدر ما ترتبط بالتوقعات الخاصة بضخ الحكومة مزيد من الاستثمارات، ولا ننسى أن الصين كما جاء في تصريحات على لسان تشو سي من إدارة التنمية والتخطيط في اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح وهي أكبر جهة للتخطيط في الصين ووانغ يوان من أكاديمية بحوث الاقتصاد الكلي: "أهدرت الصين نحو 42 تريليون يوان (6.9 تريليون دولار) في استثمارات غير مجدية على مدى خمس سنوات اعتبارًا من 2009".

تقول دراسة جديدة أيضًا إن الصين تحتاج إلى 5 تريليون دولار لضمان سلامة اقتصادها في الفترة القادمة، الرقم الأخير يعادل الناتج المحلي الإجمالي لكل من: روسيا، السعودية، تركيا، قطر، العراق، الجزائر، الإمارات، إيران، الكويت، ومصر.

بينما يرى الخبير الاقتصادي الدكتور الغنيمي أن الصين تشكل 13% من الاقتصاد العالمي وبمعدل نمو 7%، يعني أنها تشكل 33% من نمو الاقتصاد العالمي، وجدير بالذكر أن الناتج المحلي العالمي 77 تريليون دولار ومعدل النمو 3% = 2.3 تريليون دولار، بينما الناتج المحلي الإجمالي الصيني 10.4 تريليون دولار وكان معدل النمو في الاقتصاد الصيني وفق الإحصاءات المنشورة يقدر بـ 7 % =0.7 تريليون دولار.

الحقيقة وراء مشاكل سوق النفط تعود إلى ما يجري للاقتصاديات العالمية من تباطؤ معدلات النمو وارتفاع كلفة الديون المترتبة على شركات بعض الدول مثل روسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا وتركيا وخصوصًا الاقتصاديات الناشئة التي أعطت خلال السنوات الماضية زخمًا قويًا للاقتصاد العالمي، كما أن معظم الشركات المستدينة في هذه الدول لديها ديون بالدولار، بينما عملاتها تعاني أصلًا من تدهور غير مسبوق كما حصل في عملات كل من البرازيل وتركيا والأرجنتين وغيرها.

صحيح أن تهاوي أسعار النفط استثمر سياسيًا، لكن السبب اقتصادي بحتّ، ولهذا أسرد بعض القرائن التاريخية، فيما مضى كنا نلاحظ أن تأزمًا بسيطًا في أي منطقة في الشرق الأوسط حتى لو كانت غير منتجة للنفط كجنوب لبنان أو قطاع غزة يشعل سوق النفط فوق عتبة المئة دولار، بينما الآن تجري حروب طاحنة في كل من ليبيا والعراق، الأعضاء أصحاب الحظوة في أوبك، وكذلك ما تعانيه خطوط الإمداد ونقل النفط في مصر- السويس أو اليمن - باب المندب أو في إيران - هرمز، ولا ننسى خطوط النقل البري عبر سوريا وشمال العراق وتركيا وسيناء مصر جميعها تعاني هي الأخرى من مشاكل متنوعة، ومع هذا نرى أسعار النفط تتهاوى؛ مما يؤيد حجتنا بأن السبب في الأساس اقتصادي صرف، ولا ننسى رفع الحظر للمرة الأولى عن تصدير النفط الأمريكي، وكذلك الأمر رفع العقوبات عن إيران ودخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ بشكل فعلي، كل هذه الأسباب أدت إلى زيادة المعروض في سوق النفط وبالتالي ساهمت في تسارع انهيار أسعار النفط.       

والحال هذه، لن يهدأ سوق النفط ما لم يتعاف الاقتصاد العالمي وخصوصًا الاقتصاد الصيني المستهلك الأكبر للنفط في العالم، وأن تعود الثقة لاقتصاديات الدول الناشئة بدءًا من تركيا التي تعاني أزمات جيوسياسية، إلى البرازيل والأرجنتين وعموم أمريكا اللاتينية، ولا ننسى جنوب أفريقيا.