الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سلسلة من التغييرات القيادية مؤخرًا طالت عددًا من المحافظين والممثلين له، كانت أبرزها حملة إقالات على رأسها رئيس ديوان الرئاسة الروسية سيرغي إيفانوف، الذي عُين خلفًا له الدبلوماسي السابق، الإستوني المولد، مسؤول بروتوكولاته أنطون فاينو.

تكمن حساسية هذه التغييرات في أن الدبلوماسي إيفانوف ينتمي إلى الدائرة الأولى من المقربين من الرئيس الروسي بوتين، وكان الرجل قد شغل مناصب سياسية وأمنية في غاية الحساسية والخطورة، بما فيها مناصب وزير الدفاع ونائب رئيس الوزراء وسكرتير مجلس الأمن الروسي.

كما تردد اسمه كخليفة محتمل لبوتين في عام 2008، وكان لإيفانوف ظهور في اللحظات الحاسمة مؤخرًا، مثل إعلانه عن تفاصيل التدخل العسكري في سوريا في شهر  سبتمبر من العام 2015.

يأتي هذا وسط اتجاه البلاد نحو انتخابات مجلس الدوما (النواب) الروسي التي ستجري في يوم التصويت الموحد الـ 18 من سبتمبر المقبل، وسيواجه بوتين تحديات كبيرة في هذه الانتخابات التي سيعقبها الانتخابات الرئاسية في 2018.

لعل التحدي الأبرز لبوتين يتمثل في إبقاء سيطرته على المنظومة السياسية ولكن هذه المرة بشكل جديد، عبر إجراء انتخابات بلا فضائح تزوير، ومن دون تكرار الاحتجاجات على غرار تلك التي شهدتها روسيا بعد الانتخابات التشريعية عام 2011.

توجه جديد

تشير معظم الدلائل للتغييرات الأخيرة التي يجريها بوتين في هيكل إدارته المسيطر على البلاد، إلى وجود توجه داخلي من نوع جديد، بحيث سينتقل بوتين من الإدارة الصارمة إلى التلاعب المرن، وهو مما يقتضي بعض الليبرالية بحسب تعبير مراقبين.

ويعتمد هذا النمط  الجديد على حرص السلطات على الحفاظ على شرعية الإجراءات الانتخابية والحيلولة دون خروج احتجاجات حاشدة تجاهها، ويعتمد أيضًا على التخلص من بعض وجوه الإدارة القديمة.

حيث يسعى بوتين خلال هذه الفترة التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية لتشكيل فريق جديد سيرافقه في الدورة السياسية الجديدة، التي تزداد بها تحديات روسيا وتحدياته الشخصية، حيث يتم الانتقاء الآن بحساسية شديدة هذا الفريق بعد إقالة الوجوه القديمة، لضمان نفس درجات الولاء والتبعية، كما أن هذه التغييرات قد تكون في سبيل التمهيد للخروج الناعم لبوتين في عام 2024.

بدأ تشكيل هذا الفريق في وقت متأخر من العام الماضي، مع إقالة رئيس شركة السكك الحديدية الروسية فلاديمير ياكونين، الذي كان ينتمي إلى الحرس القديم في إدارة بوتين، ولم تكن هناك خلافات أيديولوجية معه واضحة.

وجاءت خطوة إقالة إيفانوف الذي رافق بوتين منذ عام 1976 أثناء عمل الرجلين في وكالة الاستخبارات الروسية (KGB)، حيث بقي إيفانوف في الوكالة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، قبل أن يبدأ بتقلد مناصب رفيعة في عهد الرئيس الأسبق بوريس يلتسن، ليتم الإعلان بذلك رسميًا عن بداية سياسة بوتين الداخلية الجديدة قبيل الانتخابات.

بوتين يُعيد إنتاج نظامه          

التغييرات بطبيعتها الحالية لا تتعدى إعادة إنتاج النظام السياسي الحالي محاولة لإنقاذه من الوقوع في الشيخوخة وعدم الفاعلية، كما أنها ستزيد من قدرة بوتين على مواجهة تحديات طويلة الأمد في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، والتي تعاني منها روسيا حاليًا في ظل إدارة الحرس القديم في نظام بوتين للملفات الحساسة.

ويسعى بوتين أيضًا لإنتاج نخبة جديدة لنظامه اعتمادًا على أشخاص من خلفيات الهيئات شبه الفنية في البلاد، كرد على غرق الحرس القديم في إدارته في الثراء الفاحش نتاج الفساد من دون القدرة على تطوير أداء النظام الغارق في المشكلات، حيث بدأ بوتين في الاستعانة بكفاءات من الشخصيات الأمنية والتكنوقراط صغيرة السن، لتشكل النخبة الجديدة.

حتى إن البعض تحدث عن ذهاب بوتين إلى التخلص من عبء ديميتري مدفيديف رئيس حكومته الذي يواجه أزمات شعبية طاحنة، ويذكر لمدفيديف أنه حفظ كرسي الرئاسة لبوتين خلال الفترة من عام 2008 إلى عام 2012 خلال عملية تبادل الأدوار التي تمت، وهو ما جعل بوتين متسمك به حتى الآن، ولكن مع سيل التغييرات الداخلية يتوقع البعض أن يكون مدفيديف أحد ضحاياها قريبًا، بسبب الضغوط والتحديات الداخلية التي تفوق قدرات مدفيديف بكثير.

لذا من المتوقع أن يبحث بوتين في عملية تغيير الحكومة الحالية، بأخرى أكثر كفاءة، ولكن ربما يأتي هذا الأمر بعد الانتخابات التشريعية القريبة، أو هناك احتمالية بإرجاء الأمر إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية في 2018، ويساعد على ذلك شخصية ميدفيديف التي يتحكم ويثق بها بوتين تمامًا، فهو كما يوصف داخليًا بأنه شخص سهل الاستبدال في أي وقت.

يأتي هذا بعد تداول أنباء حول خطط الكرملين لتعيين وزير المالية الروسي الأسبق أليكسي كودرين، المعروف بتوجهاته الليبيرالية، في مكان رئيس الوزراء الحالي مدفيديف.

جدير بالذكر أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كان قد أصدر قرارات سابقة في نهاية شهر يوليو الماضي بإعفاء عدد من المسؤولين من مناصبهم، وشمل مرسوم العفو السفير ميخائيل زورابوف الذي تم إعفاؤه من منصبه كسفير لدى أوكرانيا.

وأشير إلى أن زورابوف لم يتمكن من منع تنامي مشاعر عدائية تجاه روسيا لدى أركان السلطة الأوكرانية الجديدة، وقضى نفس المرسوم بإعفاء "سيرغي مينيايلو" من منصبه كمحافظ لمدينة سيفاستوبول، وهي المدينة التي تحتضن القاعدة الرئيسية للأسطول الروسي في البحر الأسود، وكان مينيايلو قائدًا للأسطول الروسي في البحر الأسود في وقت سابق، وعزا خبراء سبب إعفاء مينيايلو إلى مشكلات تواجه المدينة في مجال الخدمات.

كما أمر بوتين بإعفاء "نيكيتا بيليخ" من منصبه كمحافظ لمقاطعة كيروف، بسبب فقدانه لثقة رئيس الدولة كما أشيع في الأوساط الروسية، ويتواجد نيكيتا بيليخ في السجن حاليًا، بعد أن تم حبسه على ذمة التحقيق في تلقي رشوة قيمتها 400 ألف يورو.

وبحسب وسائل إعلام روسية أيضًا، أعفى بوتين، نيكولاي تسوكانوف من منصبه كمحافظ لمقاطعة كالينينغراد، وسيرغي ياستريبوف من منصبه كرئيس لمقاطعة ياروسلافل بسبب تدني شعبيتهما.