يزدهر سوق المواشي والأغنام في عيد الأضحى في أغلب البلدان الإسلامية والعربية، وهي كغيرها من السلع تتعرض أسعارها للارتفاع والانخفاض المعقول تبعًا للطلب والعرض عليها، إلا أن الأسعار في البلدان العربية في الآونة الأخيرة تتعرض للارتفاع الكبير بسبب الحروب والنقص الحاصل في الأغنام وغياب الرقابة الحكومية، كما أظلت الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تمر بها بعض الدول العربية من عدم استقرار وتضخم في المعدل العام للأسعار وانخفاض القيمة الشرائية للعملة المحلية، على قدرة المواطن على شراء الأضاحي.

فيما يلي سنقوم بجولة في بعض الدول العربية لرصد أسواق الأضاحي فيها وقدرة المواطن في تلك البلدان على شراء الأضحية بعمل مقارنة بين سعرها والراتب الوسطي الذي يتقاضاه شهريًا.

سوريا

لا تزال سوريا منذ ستة أعوام من عمر الثورة تعاني الأمرين من الحرب المستعرة في طول البلاد وعرضها، فالحرب فتت البلاد بين قوات المعارضة والنظام السوري وتنظيم داعش وحزب الاتحاد الديقراطي (بي واي دي).

لذا فتوافر الأضاحي وأسعارها يعد متباينًا بين كل تلك المناطق، ففي العاصمة دمشق تعد الأضاحي متوفرة بحسب أحد الأشخاص تكلم معه نون بوست في دمشق، إلا أن الأسعار ارتفعت بنسبة 30% قبل عيد الأضحى مستغلة الطلب على الأغنام، ويفيد أن ثمن الكيلو وسطيًا يبلغ 1675 ليرة سورية (3.22 دولارًا تقريبًا) فإذا كان وزن الأضحية 40 كيلو فإن سعرها يكون 67000 ليرة سورية (128 دولار تقريبًا).

وهذا الثمن بالنسبة لموظف في سوريا لديه خدمة في الوظيفة 20 سنة يتقاضى 35 ألف ليرة تقريبًا تعد الأضحية بالنسبة له من الكماليات وليست من الأولويات، فهي أكثر من الراتب الذي يتقاضاه، ويضغط أكثر عليه المصاريف العالية الناجمة عن الارتفاع العام في الأسعار في أغلب السلع الرئيسية والخدمات.

أطفال في سوريا يبحثون عن فرحة العيد بين الركام والحصار

في حين سجلت أسعار الأضاحي ارتفاعًا كبيرًا في أحياء حلب الشرقية المحاصرة، حيث تشير الإحصائيات إلى تواجد 324 ألف نسمة، وتراوح سعر الكيلو بين 3300 - 4000 ليرة سورية، ويعود هذا الارتفاع بسبب محدودية الثروة الحيوانية في المنطقة المحاصرة وصعوبة إدخال الحيوانات إليها، لذا امتنعت العديد من الجمعيات والمنظمات الإغاثية عن توزيع لحوم الأضاحي في الأحياء الخاضعة للحصار واستبدالها بتوزيع مبالغ مالية كانت مرصودة لشراء الأضاحي.

 الأردن

خلال الأعوام السابقة استضافت الأردن قرابة نصف مليون لاجئ سوري هربوا من الحرب في سوريا، يقطنون في مخيمات أكبرها الزعتري وفي خارج المخيمات يتوزعون في في كافة المحافظات الأردنية، حيث ارتفع الطلب على الأضاحي من 400 ألف رأس غنم إلى 500 ألف، والسوق المحلية قادرة على توفير 200 ألف أضحية واستوردت ما يقرب من 300 ألف من مناطق مختلفة أبرزها أستراليا.

أما أسعار الأضاحي في الأردن فمن المتوقع أن تنخفض ما بين 10- 20% بسبب توافر الكميات المطلوبة، ومن المتوقع بحسب تجار لحوم أن يبلغ سعر الأضحية البلدي خلال أيام العيد 170 - 280 دينارًا ما بين وزن 40 - 65 كيلو أما المستورد فيبلغ ما بين 120- 170 دينارًا.

أحد مراكز بيع الأضاحي في الأردن

وبالنسبة لراتب الموظف في الأردن الذي لديه خدمة لا تقل عن عشر سنوات في الوظيفة ويتقاضى نحو 600 دينار شهريًا تقريبًا فإن مبلغ 170 دينارًا كحد أدنى لسعر الأضحية يعد مقبولًا نوعًا ما في ظل استقرار في المعدل العام للأسعار، مع الإشارة إلى أن الأوضاع المعيشية في المجمل تشهد تأزمًا في الفترة الأخيرة مع ركود عام يجتاح الأسواق، ولعل توقع أسعار الأضاحي هذا العام راجع إلى ضعف الطلب عن العام القادم.

الجزائر

سيطرت السوق الموازية على أسعار الأضاحي في العاصمة والمحافظات الكبرى في ظل غياب الرقابة الحكومية، حيث انتشرت نقاط البيع العشوائية في مختلف الأحياء وكانت المضاربة أحد الظواهر الرئيسية بين التجار في الأسواق.

حيث ارتفعت الأسعار في الأسبوع الأخير بنحو 10 آلاف دينار (90 دولارًا) لتبلغ سعر الأضحية متوسطة الحجم نحو 25 ألف دينار (227 دولارًا) قبل أسبوع، أما اليوم فبلغت سعرها 35 ألف دينار أي (318 دولارًا).

ا

نتشار المضاربة والعشوائية في أسواق الأضاحي بالجزائر

بينما يبلغ متوسط الأجور في الجزائر للفرد الواحد 32 ألف دينار جزائري بحسب الإحصائيات الرسمية، لذا فإن ثمن الأضحية البالغ 35 ألف دينار تعادل أكثر بقليل من راتب الكثير من المواطنين الجزائريين، بالتالي لن يكون بمقدر الكثير شراء الأضحية بسبب غلاء سعرها. 

 غزة

شهد سوق الأضاحي في غزة إقبالًا ضعيفًا هذا العام لكثرة عرض المواشي والأغنام، حيث بلغ عدد العجول والأبقار المتوفرة في الأسواق استعدادًا لعيد الأضحى نحو 19 ألف رأس ونحو 40 ألف رأس غنم، وبالإضافة إلى كثرة العرض والذي أسهم في انخفاض الأسعار كان عزوف المواطنين عن الشراء بالرغم من انخفاض الأسعار عن الأعوام الماضية، أحد الأسباب المهمة  والعروض المقدمة من بعض المؤسسات تقسيطها على دفعات ميسرة للمواطنين.

حيث يعيش نحو مليوني مواطن في غزة المحاصرة منذ العام 2006 من قبل الاحتلال الإسرائيلي، في ظل ظروف معشية سيئة وأوضاع اقتصادية متردية، لا سيّما في ظل انقطاع الرواتب وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، حيث وصلت معدلات الفقر منذ بدء الحصار إلى أكثر من 80% من إجمالي عدد السكان، يعتمد كثير منهم على المساعدات الإغاثية المقدمة من المؤسسات الدولية والعربية، ويبلغ عدد العاطلين عن العمل نحو 201.9 ألف شخص حيث بلغت نسبة البطالة وفق المركز الفلسطيني للإحصاء نحو 42.7%.

80% من إجمالي السكان في غزة يعيشون تحت خط الفقر

الجدير بالذكر أن سعر كيلو اللحم يزيد عن 50 شيكلاً وبالتالي يكون سعر الأضحية وزن 40 كيلو 2000 شيكل، وبالمقارنة مع راتب الموظف الوسطي في غزة إذ يتقاضى بين 1800- 2200 شيكل، فإن سعر الأضحية يكون أعلى من راتب الموظف، ما يمنعه من دفع ثمن الأضحية واللجوء إلى التقسيط أو العزوف.

مصر

تشهد مصر موجة ارتفاع في أسعار السلع والخدمات الرئيسية جراء فرض ضرائب جديدة، حيث بلغت الزيادة في معدل الأسعارالعام عن العام الماضي 25% في كافة السلع والخدمات.

وكان للأضحية نصيب من ذلك الارتفاع حيث بلغ ثمن الكيلو 34 جنيهًا للأضحية، حيث يبدأ سعر الخروف من 1500 جنيه حتى 4000 جنيه حسب الوزن، بينما بلغ سعر العجل ما بين 25 - 28 جنيهًا ويتراوح سعرها من 7000 حتى 12000 جنيه حسب الوزن.

أسعار السلع والخدمات ارتفعت بنسبة 25% عن العام الماضي

وبالنسبة للمواطن المصري فإن متوسط دخل الموظف في الوظيفة الحكومية قدره 2000 جنيه، وبالحد الأدنى يتقاضى الموظف 1200 جنيه، لذا يعد سعر الأضحية أكثر من راتب الموظف ما يمنعه من شراء الأضحية خصوصًا في ظل موجة الغلاء في السلع الرئيسية والخدمات.

أغلب البلاد العربية إن لم تكن تعاني من اضطرابات وحروب فهي تعاني من اضطرابات اقتصادية وغلاء في المستوى العام في الأسعار، ما  كبل المواطن عن الإنفاق والاستهلاك، في حين أن الدول العربية التي تتمتع باستقرار سياسي واقتصادي كما دول الخليج العربي، فإن معظم المواطنين قادرين على شراء الأضاحي، وتنشط هناك المؤسسات الإغاثية التي تقدم برامج لإيصال الأضاحي إلى البلاد العربية والإسلامية التي تعاني من أزمات وفقر.