شاطئ البحر في مدينة سليمان التونسية

على بعد كيلومترات قليلة من العاصمة التونسية (نحو 30 كيلومترًا) تستقبلك مدينة تقع على شاطئ البحر، مدينة تجمع بين الأصالة والحداثة، بين معمار المورسكيين الذين أقاموا بالمدينة بعد فرارهم من الأندلس والسكان الحاليين الذين اختار أغلبهم النمط الأوروبي أو الأمريكي في تشييد مبانيهم.

تأخذكم رائحة المدن في جولة إلى مدينة سليمان، وهي مدينة أندلسية تونسية تقع في منطقة تعرف باسم الوطن القبلي، وتعد سليمان بوابة الوطن القبلي للقادم من العاصمة تونس، ويشير عدد من المؤرخين أن مدينة سليمان كانت تعرف في العهد البوني بميغالوبوليس أي المدينة الكبيرة وشيّدها الفينيقيون عند استقرارهم بشمال إفريقيا. 

تأسست مدينة سليمان، من محافظة نابل التونسية، على يد الأندلسيين الفارين من الاضطهاد العرقي ومحاكم التفتيش التي كان يفرضها مسيحيو أوروبا بحق مسلمي الأندلس

تأسست مدينة سليمان، من محافظة نابل التونسية، على يد الأندلسيين الفارين من الاضطهاد العرقي ومحاكم التفتيش التي كان يفرضها مسيحيو أوروبا بحق مسلمي الأندلس، وتركوا بصمتهم في معمار المدينة وعاداتها الغذائية والاجتماعية.

وحط المورسكييون، وهم المسلمون الفارون من الأندلس، الرحال عام 1609م في مدينة سليمان، إلا أن الكاتب أحمد غلاب، وهو أحد المهتمين بالبحث والتحقيق في تاريخ المدينة وصاحب كتاب "سليمان درة الأوطان"، يؤكد أن تاريخ المدينة سابق للمورسكيين. 

ورغم أن حلول المورسكيين بأرض سليمان يعود إلى أكثر من 400 عام، إلا أن نشأة المدينة تعود إلى آلاف السنين، فقد مر بسليمان كل من البربر والفينيقيين والرومان والعرب والأتراك.

الجامع الكبير

ويؤكد غلاب أن هناك عدد من المواقع الأثرية تم اكتشافها والتي تعود إلى عصور غابرة، يشير اكتشاف سهام الصوان في موقع "سيدي بوحمودة"، ما يؤكد أن تاريخ المدينة يعود إلى العصر الحجري الحديث، بالإضافة إلى اكتشاف مجموعة من الحوانيت المنقورة في الصخور التي تعود إلى العهد البرونزي.

ويعود اسم المدينة إلى برج يحمل اسم "برج أبي سليمان" ويعرف حاليًا ببرج البليدة، وتشير كتب التاريخ إلى أن "أبو سليمان ربيعة الجزري" هو الشخص المرجح أن تكون المدينة سميت باسمه، وهو من أشهر العباد والصالحين في جزيرة "شريك" في الفترة الأغلبية وعاصر الإمام سحنون، الذي يعد من أشهر فقهاء المالكية في المغرب العربي.

والجدير بالذكر أن العرب أول من أطلقوا اسم "جزيرة شريك" على سليمان نسبة إلى شريك العبسي الذي كان عاملاً عليها في ذلك الزمان. 

وفي عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد تمكن الوالي العربي، إبراهيم بن الأغلب من الحصول على استقلال إفريقية (منطقة شمال إفريقيا حاليًا) مقابل 40 ألف دينار ذهبي يدفعها كضريبة على أن تتمتع إفريقية بالاستقلال الداخلي ويتوارث أبناؤه حكمها من بعده، فوافق الرشيد وولاه على إفريقية. 

وانطلق العهد الأغلبي بتونس منذ ذلك الحين ليستمر بين عامي 800 إلى 909 ميلادي، وتميزت الفترة الأغلبية بانتشار القصور والربطات وبروج المراقبة، وكان لمدينة سليمان نصيب من ذلك. 

في قلب المدينة يعترضك الجامع الكبير، وهو من أهم المعالم الأثرية والدينية في سليمان، حيث أسسه المورسكيون ليكون أشبه بتحفة فنية تجمع بين متانة البناء وجمال الزخرف وجودة التصميم

ويعترض المتجول على شاطئ البحر في سليمان بقايا معلم أثري يعرف شعبيًا بمقام الولي الصالح "سيدي الجهمي"، في الحقيقة المعلم أكثر من مجرد مقام لولي صالح، إذ إنه بقايا برج مراقبة يقع على شاطئ البحر، كان الأغالبة يتخذونه لحماية دولتهم من غزوات الإفرنج. 

ويقع بقرب البرج مقام أو زاوية بها قبر على الأرجح أنه لأحد العباد أو الصالحين من الصوفية، حيث إن الحركة الصوفية شهدت تناميًا منقطع النظير في عهد الدولة الأغلبية، فانتشرت الزوايا والمقامات.  

وفي قلب المدينة يعترضك الجامع الكبير، وهو من أهم المعالم الأثرية والدينية في سليمان، حيث أسسه المورسكيون ليكون أشبه بتحفة فنية تجمع بين متانة البناء وجمال الزخرف وجودة التصميم، ويعود تاريخ تشييد الجامع إلى العام 1616، وتشبه صومعته إلى حد كبير صوامع المساجد في الأندلس بإسبانيا، وتتخذ الشكل المربع السائد في عدد من دول المغرب العربي، في حين ينتشر الشكل الاسطواني في دول المشرق.

ورغم أن الجامع فقد خلال الحرب العالمية الثانية سوره القديم جراء قصف مدافع قوات المحور في أثناء مرورها بمدينة سليمان، فالصومعة وبيت صلاة لا يزالان صامدان ومتماسكان إلى اليوم. 

وتتميز صومعة الجامع الكبير بتصميمها العجيب، فهي مربعة الشكل ويعتمد مدرجها على الجدران، بينما وسطها فارغ يستطيع المرء من خلاله أن يرى أقصاه من أسفله. 

أما بيت الصلاة فيحتوي على سبع بلاطات موجهة من الصحن إلى القبلة، وبه 24 سارية حجرية تشير كتب التاريخ إلى أنه تم جلبها من مواقع أثرية رومانية، وتم تزيينها بتيجان مستوحاة من التيجان الموجودة بجوامع الأندلس في إسبانيا والتي تعود إلى زمن ازدهار المعمار الإسلامي بالأندلس، كما يوجد في سطح الجامع مزولة، وهي عبارة عن ساعة شمسية لتحديد أوقات الصلاة.

وفي كتابه "الحلل السندسية في الأخبار التونسية" تحدث الوزير السراج، أبو محمد بن أحمد بن مصطفى الأندلسي، قائلاً: "تجد بها حبا وعنبا وقضب وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكة وأبا، بها جامع معتبر في مرتبة جوامع المدن، ولو اقتصرت تون على ثمار بلد سليمان لكفتها كثرة وطيبا، وأهلها يكرمون النزيل".

وغير بعيد عن الجامع الكبير، تمر وأنت تتجول بما يعرف بسبيل السوق، وتؤكد النقيشة المثبة على واجهته أنه تم تشييده عام 1794م، ويندرج ضمن عدد من الأسبلة التي تم إنشاؤها بتونس في العهدين المرادي والحسيني، وهو عبارة عن حنفية عمومية أنشأها البايات لسقاية عابري السبيل طمعًا في الثواب.

وفي الأزقة القريبة من الجامع الكبير هناك جامع آخر لا يقل أهمية من حيث قيمته التاريخية، إنه الجامع الحنفي، وهو معلم أثري تم تشييده في عهد البيات الحسينيين، والأغلب أنه تم الانتهاء من أشغال البناء في عهد المشير أبو العباس أحمد باي، ومن ثم بدأ تدريس الفقه الحنفي بالجامع وهو ما طبع اسمه. 

وينتشر في عدد من الأزقة المحيطة بالجامع الكبير والجامع الحنفي ما يعرف بـ"السباط" وهو سقف مقوس على غرار الموجود في عدد من المدن الإسلامية القديمة الموجودة في إسبانيا، والتي توضح ازدهار المعمار الإسلامي هناك في العهد الأموي.

وغير بعيد عن قلب مدينة سليمان، يوجد معلم أثري أندلسي وهو "طاحونة الريح"، ولم يبق منها اليوم سوى بقايا طاحونة كانت تستخدم قديمًا لاستخراج المياه، ورغم أن طواحين الريح كانت منتشرة قديمًا إلا أن الطاحونة الموجودة في سليمان تشبه إلى حد كبير تلك الموجودة في إسبانيا سواء في مدريد أو إشبيلية.

ما زالت العائلات في سليمان تحتفظ ببعض العادات المتوارثة عن المورسكيين من ذلك العادات الغذائية واحتفالات الزواج، تعرف كل الأسر التي تسكن في المدينة سواء من الأندلسيين أو الوافدين الجدد

وتعتبر المدينة مزيج رائع من التعايش السلمي، ورغم أنها تمتاز بمناخ اجتماعي محافظ فإنها منطقة منفتحة نظرًا لوجود الشاطئ الذي يشكل عامل جذب سياحي، وعلى الرغم من عدم وجود نزل وفنادق كبرى من فئة الخمس نجوم على شواطئ المدينة، فإن البلاد كانت قبلة للسياح الأوروبيين قبل اندلاع ثورة 14 من يناير 2011، والتي تسببت في تراجع كبير في عدد السياح القادمين للبلاد.

ويقول المبشر الألماني كريستيان فردناند إيفالد في كتابه "من تونس إلى طرابلس مرورًا بسليمان ونابل والحمامات وسوسة وصفاقس وقابس وجربة"، واصفًا الجمال الخلاب لطبيعة المدينة: "لم تستعد الطبيعة في هذه الناحية جمالها إلا عندما لاحت بلدة سليمان، عند ذلك ترامى أمامنا سهل رائع بديع يضم حولاً ومروجًا وغابات زيتون صغيرة".

وما زالت العائلات في سليمان تحتفظ ببعض العادات المتوارثة عن المورسكيين من ذلك العادات الغذائية واحتفالات الزواج، تعرف كل الأسر التي تسكن في المدينة سواء من الأندلسيين أو الوافدين الجدد، الكوايارس والقرص والبناضج وحلوة شبابك، واحتفظت سليمان دون غيرها من البلدان الأندلسية بهذه الأطعمة التي لا زالت تلقى رواجًا إلى اليوم في دكاكين المدينة ويتم توزيعها في الاحتفالات.

ويعد شاطئ البحر نعمة أكرم بها الله المدينة وأهلها، حيث زاد من جمالها وسحرها، كما أن البحر ضاعف عدد الزائرين لسليمان، فأصبحت قبلة لعدد من الأسر التونسية التي تستمتع بقضاء عطلة الصيف بالمدينة.