أحكام الإعدام التي تم تنفيذها في عام 2015 تخطت أعلى مستوى لها منذ عام 1989

ذكرت منظمة العفو الدولية (آمنستي) أن عدد حالات الإعدام حول العالم انخفض بحوالي الثلث في عام 2018، ووصلت لأدنى مستوياتها منذ أكثر من عقد، إذ نُفذت عقوبة الإعدام في 20 دولة على 680 شخصًا، وهذا أقل بحوالي 31% مقارنةً مع عام 2017 الذي شهد تنفيذ 993 حكمًا، ويعود هذا التراجع إلى إلغاء عقوبة الإعدام في إيران بنسبة 50% في بعض قضايا المخدرات، ومع ذلك لا تزال طهران تحتل المرتبة الثانية في سجل الإعدام العالمي.

كما تتصدر الصين المرتبة الأولى، وهي الدولة الأكثر تنفيذًا لهذه الأحكام، لدرجة أنها لا تعلن من الأساس عن أعداد عقوبات الإعدام التي تنفذها، وتليها إيران، ثم المملكة العربية السعودية، ثم فيتنام والعراق ومصر بإجمالي 77% من أعداد الإعدامات في عام 2018، في المقابل، ألغت 140 دولة تقريبًا عقوبة الإعدام نهائيًا على كل الجرائم. فمتى سمحت الدولة لنفسها بإنهاء حياة الآخرين؟ ولماذا تحارب المنظمات الحقوقية الدولية هذه العقوبة؟

عقوبة الإعدام.. حين قررت السلطة أن تسلب أرواح مواطنيها

يعود تاريخ عقوبة الإعدام إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وتحديدًا إلى بلاد الرافدين زمن الحضارة البابلية التي ظهرت فيها شريعة "حمورابي" سادس ملوك بابل، وتضمنت 282 مادة قانونية متطرفة مجحفة بحق الإنسانية، ومن بينها نصوص تقر على عقوبة الإعدام لـ25 جريمة مختلفة، ومع ذلك تشير بعض المصادر التاريخية أن عقوبة الإعدام كانت تطبق سابقًا خلال القرن السابع قبل الميلاد في أثينا في اليونان القديمة ضمن القانون "الدراكوني" الصارم، الذي أصبح لاحقًا مصطلح يطلق على جميع القواعد والقوانين المعروفة بشدتها وقسوتها.

وتدريجيًا، اقتبست الحضارات المتتالية هذه العقوبة مثل الرومانية التي حددت أساليب للإعدام مثل القتل من خلال الصلب أو الإغراق أو الضرب حتى الموت أو الإحراق حيًا أو التسميم، مع العلم أن القانون اليوناني لم يكن أخف حدةً، فلقد تميز بوحشيته المهينة أيضًا، فلقد كان يسمح بدفن المتهم أو المذنب حيًا أو قطع أطرافه أو سلخ جلده أو إحراقه أو إغراقه كما هو الحال بالنسبة للقانون الروماني.

ومن أجل توضيح المبررات التي سنت هذه العقوبة الهمجية، يطرح طارق علي الصالح، مؤلف كتاب "عقوبة الإعدام بين العدالة والانتقام" العديد من التساؤلات حول هذه العقوبة ويبين الهدف منها، ما إذا كان الانتقام أم الردع أم تحقيق العدالة، ويذكر لماذا طالبت الحركات الإلغائية -حركات إلغاء عقوبة الإعدام- باستبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد، ويجيب على ذلك من خلال تناول 3 نظريات، وهي نظرية العقوبة كاستحقاق وكمنفعة وكحل وسط.

العقوبات لم تكن متساوية أو متجانسة مع نوع الجريمة المرتكبة، وكانت تُنفذ غالبًا على غالبية السلوكيات التي يعتبرها الحاكم أو الملك اختراقًا للقانون مثل نشر أغاني مهنية أو إزعاج السلام الليلي

مستندًا في النظرية الأولى على قوانين حمورابي والتي كان هدفها الانتقام والثأر، فلقد أشارت مرارًا إلى مبدأ "العين بالعين والسن بالسن"، أما النظرية الثانية فكانت تطالب بضرورة فرض عقوبة تعود بالنفع على المجتمع وتردع الآخرين عن ارتكاب أو تكرار الجرائم، أي أن تهدف لإعادة تأهيل وإصلاح المذنب نفسيًا وأخلاقيًا، أما الأخيرة فتذهب إلى تحقيق التوازن بين النظرية الأولى والثانية، أي بين الاستحقاق والمنفعة.

جدير بالذكر أن العقوبات لم تكن متساوية أو متجانسة مع نوع الجريمة المرتكبة، وكانت تُنفذ غالبًا على غالبية السلوكيات التي يعتبرها الحاكم أو الملك اختراقًا للقانون مثل نشر أغاني مهنية أو إزعاج السلام الليلي أو الخطف أو استضافة عبد هارب أو خيانة الزوج/ة، وبقيت كذلك حتى خفت شدتها مع ظهور الديانات السماوية الثلاثة والتي حصرت عقوبة الإعدام على عدد محدود من الجرائم وعلى رأسها القتل.

وذلك بالإضافة إلى جهود العديد من الفلاسفة الذين وقفوا ضد شرعية هذه العقوبة، أمثال فولتير وسيزار بيكاريا وجيرمي بنثام، في وجه الكنيسة وتحديدًا دور بيكاريا، الفيلسوف الإيطالي الذي ألف كتاب " حول الجرائم والعقوبات" في عام 1764 وهاجم فيه التعذيب وعقوبة الإعدام بطريقة جريئة وبالرغم من رفض أفكاره في البداية وحظرها من الانتشار، إلا أنها باتت دستورًا قانونيًا بعد 200 عامًا قريبًا.

متى أصبحت عقوبة الإعدام انتهاكًا لحقوق الإنسان؟

كانت البداية في فرنسا عام 1757، حين أثارت الطريقة التي أُعدم بها شخص حاول اغتيال الملك لويس الخامس عشر استياء الشعب وغضبه، فقد كانت الطريقة مهينة وقضت بربط أطراف الشخص الأربعة إلى 4 خيول، بحيث يندفع كل منها في اتجاه مختلف لينشطر أو يتجزأ جسد الشخص إلى أنصاف أو أرباع. بالإضافة إلى الوحشية التي نفرت الناس من هذه العقوبة، فإن إيمان العديد من أصحاب الرأي بأن الحياة هي منحة من الله ولا يملك أحد الحق بسلب هذه الروح أو انتزاعها منه، زادت من أصوات المعارضة لهذه العقوبة.

في هذا الخصوص، يعتبر الفيلسوف بيكاريا أول من حولت آرائه  إلى مرسوم رسمي حين قرر أمير فلورنسا إلغاء عقوبة الإعدام عام 1786 إلى أن بدأت الدول الأوروبية باتباع هذا النهج ولا سيما في القرن التاسع عشر عندما ألغت البرتغال هذا القانون نهائيًا، أما المرحلة الأكثر جوهرية كانت في القرن العشرين، عقب صدور نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، ومع ذلك بقيت عدة دول غير مساندة لهذا الموقف مثل فرنسا وبريطانيا.

أفرطت جمهورية مصر في استخدام هذه العقوبة، فلقد نفذت 237 عملية إعدام في عام 2016 وما لا يقل عن 35 في عام 2017، وحكمت على أكثر من 1700 شخصًا بالإعدام في عام 2018.

ومع بداية القرن الواحد والعشرين، انحسر التأييد العالمي لهذه العقوبة، فعلى سبيل المثال، تم تنفيذ الإعدام في 22 دولة من أصل 97 من التي تنص قوانينها على عقوبة الإعدام في عام 2014، وعلى الرغم من ذلك فإن أحكام الإعدام التي تم تنفيذها في العالم التالي تخطت أعلى مستوى لها منذ عام 1989، وخاصةً في الدول العربية مثل مصر والعراق والسعودية التي ازدادت فيها وتيرة الأحكام للتخلص من المعارضين والنشطاء السياسيين بحجة تهديد الأمن القومي أو مكافحة الإرهاب، إذ كانت أساليب الإعدام في عام 2017 هي قطع الرأس والشنق والحقن المميت وإطلاق النار.

في الخاتمة، توقفت العديد من الدول استخدام هذا الأسلوب، ففي تونس كان آخر إعدام في عام 1991، أما الجزائر والمغرب فكان في عام 1993، ولم تقم عُمان وقطر بإعدام أي شخص منذ عام 2001، ولبنان منذ عام 2004، والأردن منذ عام 2005 والكويت منذ عام 2007. في الجهة المقابلة، أفرطت جمهورية مصر في استخدام هذه العقوبة، فلقد نفذت 237 عملية إعدام في عام 2016 وما لا يقل عن 35 في عام 2017، وحكمت على أكثر من 1700 شخصًا بالإعدام في عام 2018، وذلك على الرغم من جميع المطالبات والدعوات بوقف هذه الانتهاكات بشكل نهائي.