نسبة كبيرة من الأشياء الجيدة والسيئة التي تحدث لنا لا علاقة لها بتصرفاتنا أو حقيقة شخصياتنا سواء جيدة أم سيئة

ترجمة حفصة جودة

في الثقافات الغربية ينشأ الأطفال وهم يتعلمون منذ الصغر أن الأشياء الجيدة تحدث للأشخاص الطيبين والأشياء السيئة تحدث للأشخاص السيئين، هذه الرسالة يسمعونها من آبائهم وفي مدارسهم ومن المنظمات الدينية ووسائل الإعلام.

ومن المنطقي أن نرغب كمجتمع في غرس هذا الاعتقاد - بأن العالم عادل - في الأطفال، فنحن نريدهم أن يتصرفوا بطريقة أخلاقية، لذا نشكلهم على توقع المكافآت (الأشياء الجيدة) لسلوكهم مثل هذا السلوك الجيد، وتوقع العقاب (الأشياء السيئة) عندما يسلكون طريق الشر، ومعظم البالغين يودون الاعتقاد بذلك أيضًا.

لكن لسوء الحظ، هناك مشكلة كبيرة في "الاعتقاد بعالم عادل" فالأمر ليس كذلك تمامًا في الواقع، بالطبع هناك فوائد نفسية واجتماعية وجسدية للسلوكيات الحميدة مثل الإيثار والتعاطف وممارسة الرياضة، وعلى العكس، هناك عواقب سلبية نفسية واجتماعية وجسدية للسلوكيات السيئة مثل الكذب والسرقة وممارسة العنف ضد الآخرين.

لكن نسبة كبيرة من الأشياء الجيدة والسيئة التي تحدث لنا لا علاقة لها بتصرفاتنا أو حقيقة شخصياتنا سواء جيدة أم سيئة، فمآسٍ مثل حوادث إطلاق النار الجماعية والكوارث الطبيعية والحوادث والأمراض المميتة والاعتداءات الجنسية تصيب الناس بلا سبب واضح.

لذا ما الذي يحدث عندما يواجه شخص - يعتقد بشكل راسخ في عدالة العالم - مأساة؟ إذا كان هذا الشخص يعتقد منذ البداية أنه شخص سيء قبل وقوع المأساة، فغالبًا سيرى هذه المأساة كعقاب وتدخل إلهي نتيجة أفعاله السيئة، أما إذا كانوا أشخاصًا جيدين قبل الحادث فإنهم يواجهون معضلة، يستجيب بعض الناس لذلك بمحاولة الاستيعاب، حيث يحاولون تحريف الأحداث لتناسب معتقداتهم السابقة (على سبيل المثال: إذا أصابني مكروه فهذا يعني أنني شخص سيء أو قمت بعمل ما سيء) ويظهر ذلك في شكل من أشكال لوم الذات (على سبيل المثال: لقد كان هذا الحادث خطأي للأنني أسرفت في تناول الكحول).

 يحقق العلاج أهدافه بتعليم الناس كيف تؤثر الأحداث الصادمة في معتقداتهم واستجابتهم العاطفية، مما يساعد الناس على تعلم تحديد ومواجهة الاعتقادات المشوهة التي تساهم في معاناتهم

يتفاعل الآخرون مع ذلك بشكل مبالغ فيه فيغيرون اعتقاداتهم بطريقة مدمرة (على سبيل المثال: إذا أصابتني أشياء سيئة رغم أنني شخص طيب، فليس هناك أي عدل أو أمان في هذا العالم) ويظهر ذلك على هيئة انعدام الثقة والعزلة وتجنب الآخرين (على سبيل المثال: لن أذهب إلى أي مكان يقوم فيه الناس بأفعال خاطئة لأنني قد أصاب بحادث آخر إذا فعلت ذلك).

يرتبط كلا النوعين من الاستجابة - سواء الاستيعاب أم المبالغة - بصعوبة الاستشفاء من الحادث الصادم، ويشكل ذلك أساس العلاج النفسي القائم على الأدلة لاضطرابات ما بعد الصدمة والمسمى بالعلاج المعرفي.

يساعد هذا العلاج الناجون من الصدمات على تحقيق النتائج المرجوة للتكيف، حيث يغيرون بطريقة عقلانية معتقداتهم لتتكيف مع حقيقة ما يحدث لهم (بعض المواقف تكون خطيرة وتحتاج للتعامل معها بحذر)، يحقق العلاج أهدافه بتعليم الناس كيف تؤثر الأحداث الصادمة في معتقداتهم واستجابتهم العاطفية، مما يساعد الناس على تعلم تحديد ومواجهة الاعتقادات المشوهة وغير المفيدة التي تساهم في معاناتهم، وفي النهاية فهي تساعدهم على التعامل بشكل كامل مع الصدمة بطريقة تسهل من شفائهم.

من الضروري أن نعلم أيضًا أن الاعتقاد بعالم عادل لا يؤثر سلبًا فقط على الصحة النفسية للمصابين بالصدمة، فهناك أدلة كثيرة على أن هذا الاعتقاد له عواقب سلبية على المجتمع، فهو يرتبط بشكل كبير بثقافة "لوم الضحية" أو الميل إلى رؤية ضحايا جرائم العنف أو الأمراض الخطيرة أو العسر المادي على أنهم يستحقون ذلك بسبب سقوط أخلاقي شخصي أو سلوك غير مشروع.

يرتبط ذلك أيضًا بإيدولوجية السلطوية اليمينية التي تدافع عن الإجراءات العقابية العدائية التي تُتخذ ضد الأشخاص الذين لا يلتزمون بقواعد المجتمع، يرتبط لوم الضحية والسلطوية اليمينية بدورهما بإصدار أحكام قانونية قاسية والتحامل على الأقليات والإجراءات العسكرية المتطرفة والحفاظ على التسلسل الاجتماعي المتحجر.

زيادة الوعي بميلنا إلى التفاعل مع تلك المعتقدات المشوهة قد يساعدنا بشكل كبير في زيادة التفكير العقلاني تجاه أنفسنا والآخرين

لكن رغم معرفتنا بأن الإيمان بعالم عادل أمر غير دقيق ويرتبط بأشياء سلبية فلماذا نستمر في غرس هذا المفهوم في أطفالنا؟

بشكل كبير، عادة ما نقوم بذلك لأن تربية الأطفال على العادات والقواعد الاجتماعية وإطاعتهم للسلطة يؤدي إلى تعاملهم بشكل أسهل في المنزل والمدرسة وغيرهم، ونحن نعلم أيضًا أن الإيمان بعالم عادل يرتبط بعوامل يراها بعض الغربيين إيجابية مثل الاحتجاجات الأخلاقية والدين.

وتقول بعض الأدلة إنه يرتبط بمستوى أعلى من الرفاهية ومستوى أقل من التعرض للاكتئاب، وبتلك الطريقة يمكن فهمه على أنه وهم إيجابي (اعتقاد غير حقيقي يمنحنا الشعور باحترام الذات والإحساس بالسيطرة على العالم) وجميعنا يعلم أن الاعتقاد المضاد - بأن العالم غير عادل بطبيعته - يرتبط بسوء الصحة النفسية والسلوك الإجرامي.

إن انتشار وشعبية الإيمان بعالم عادل في الثقافة الغربية يؤكد استمراره، لكن ذلك لا يعني الوقوف مكتوفي الأيدي أمام آثاره السلبية، فزيادة الوعي بميلنا إلى التفاعل مع تلك المعتقدات المشوهة قد يساعدنا بشكل كبير في زيادة التفكير العقلاني تجاه أنفسنا والآخرين، وربما يسمح لنا بمساعدة الأطفال في حياتنا على تطوير أنظمة معتقدات أكثر عقلانية وفائدة، فعندما ينضجون ويواجهون المصائب يستطيعون التكيف بشكل أفضل والتعافي منها.

المصدر: سايكولوجي توداي