تتجه المملكة العربية السعودية، إلى التوسع في إصدار تصاريح المدارس الخاصة، والرغبة المحمومة من المسؤولين في الهرولة لتنفيذ رؤية المملكة 2030، جعلت نائب وزير التعليم الدكتور عبد الرحمن بن محمد العاصمي، يؤكد أنهم بصدد منح التراخيص خلال يوم واحد فقط، بعد أن أصبح باب الاستثمار الأجنبي مفتوحًا على مصراعيه في التعليم، وهو تصريح صادم وخلق مناخًا من الخوف بين الكتاب والمثقفين، إذ كيف يمكنك الموافقة على إقامة مؤسسة تعليمية في هذه المدة الزمنية التي لا تكفي لفهم أبعاد المشروع ولا قدرته على تلبية الحاجة المعرفية والدراسية للطلاب! 

مدارس جديدة بمواصفات عالمية.. كيف؟

قبل القراءة المتأنية في تصريحات الوزير السعودي، يجب النظر أولاً إلى رؤية 2030 للتعليم، التي تريد التوسع في الاستثمار بهذا القطاع الحيوي بالمملكة، من 38 ألف مدرسة يدرس بها نحو 6.2 مليون طالب وطالبة، بجانب المدارس الأهلية، لتضيف إلى هذا الرصيد نحو 6144 مدرسة جديدة، حسب الخطة الموضوعة، بما يتناسب مع تزايد اهتمام السعوديين بإلحاق أبنائهم بمدارس لها "مواصفات عالمية" تمكنهم في المقام الأول من إجادة اللغة الإنجليزية.

ترى المملكة الطريق إلى هذه المساحة، في القطاع الخاص، الذي يثق به المواطن السعودي أكثر من المؤسسات الحكومية، رغم الفارق الكبير بين التكلفة لكليهما، وربما يفهم المسؤولون عن التعليم أن الحل لهذه الإشكالية، بجانب الرغبة في الإسراع بتنفيذ توجيهات القيادة السياسية، يكمن في إعطاء تصاريح سريعة في يوم واحد فقط، لمن يرغب في إقامة مدارس جديدة، ما يجعلنا في حاجة لمعرفة الاشتراطات الدولية لبناء مؤسسة تعليمية، كيف تكون؟ وهل تكفي 24 ساعة للتأكد من سلامة مواصفاتها!  

واحدة من أهم التقنيات المطلوبة في أمريكا، لإعطاء ترخيص لفتح مدرسة، امتلاك آلية تمكن المؤسسة التعليمية من الفحص المستمر لأداء الطلاب وتطويرهم

حسب نظام المدارس الأمريكية، هناك سمات واضحة للمدارس الناجحة، تبدأ بالقيادة، وهي مفتاح الجودة الأول بأي مؤسسة تعليمية، فأعضاء مجلس الإدارة يمكنهم نقل أهداف ورؤى المدرسة بنجاح، بالتعاون مع المعلمين، وهي معضلة تحتاج إلى دراسة إمكانات الإدارة طالبة الترخيص ومناقشتهم في الخبرات التي حصلوا عليها، وما الجديد التي سيضيفه مشروعهم.

تتلخص السمة الثانية، بنظام المدارس الأمريكي، في ضرورة تفهم المدارس وخاصة التي تطلب الحصول على ترخيص للعمل، للتوقعات العالية للطلاب وكذلك المعلمين، حيث يعتمد الطلاب وأولياء الأمور في اختيار مدارس، لها قدرة على تحقيق توقعاتهم الموضوعة لكل مرحلة حياتية في عمر الطالب، وكذلك المعلمين الذين يتوقع ضمهم للمدارس، للتدريس بمستويات عالية من الفعالية، من أجل الوصول إلى مستوى يحسن جودة التعليم، وهي متطلبات في حاجة إلى الكثير من الوقت لدراسة كيفية تنفيذها. 

واحدة من أهم التقنيات المطلوبة في أمريكا، لإعطاء ترخيص لفتح مدرسة، امتلاك آلية تمكن المؤسسة التعليمية من الفحص المستمر لأداء الطلاب وتطويرهم، وتشمل بيانات التقييم لمقارنة طلابها بالآخرين من جميع أنحاء البلاد، وتحديد مجالات التعليم التي تنطوي على مشاكل في الفصول الدراسية والمدارس بشكل دوري، بحيث يمكن للمدرسة إيجاد حلول لمعالجة المشكلات.

هذا الفحص المستمر يقودنا إلى واحدة من أهم السمات التي يندر وجودها في المجتمع العربي، وهي الأهداف والتوجيه، حيث يشترط في إعطاء ترخيص للمدارس الجديدة، القدرة على تحديد الأهداف، ومن ثم توصيلها للطلاب والمدرسين والمجتمع ككل، وحتى يحدث ذلك، يجب خوض جولات من النقاش والاستماع جيدًا لمديري المدارس الذين يجب أن يكون لديهم قدر كبير من الانفتاح على الآخر، بما يجعل المجتمع المدرسي قادرًا بأكمله على تحقيق أهداف يتم توصيلها ومشاركتها بين الجميع في بيئة التعلم.

كما يتطلب من المدارس التي يطلب تأسيسها في بيئة متقدمة، أن تكون آمنة ومنظمة، من أجل تحقيق الحد الأقصى من التعلم، وما يحقق الأمان في المقام الأول هنا هو "الجودة" التي تقدمها المدرسة، وبالتالي حديث نائب وزير التعليم عن إعطاء التراخيص في يوم واحد، هو تصريح لا بد من مراجعته، لمعرفة نوعية التعليم الذي ستحققه مدرسة يُصرح لها بالعمل خلال يوم واحد فقط، وفقًا للكاتب الصحفي علي الجحلي.

يكمل الحجلي تشكيكه في جودة مثل هذه التصاريح التي يتحدث عنها الوزير السعودي، فيقول: "لا أومن بوجود مدرسة ذات ملكية فردية، فهذه الإشكالية - من وجهة نظري الشخصية - هي ما تجعل العملية ربحية، ويحولها إلى تأسيس مستوى أقل من المطلوب في المنشآت والطاقم التعليمي وبالتالي المخرجات".

تحت المجهر.. أوضاع التعليم السعودي عن قرب

التصريح الخاطف لوزير التعليم السعودي، يضع الكثير من علامات الاستفهام، على التوجه الجديد في بلدان المنطقة، نحو السرعة القصوى لإنتاج مشروعات كبرى، دون دراسة كافية للأزمات المزمنة الراهنة، قبل السعي لإقامة العديد من المنشآت الخرسانية وإضافة رصيد من الإنجازات للحكام. 

التعليم السعودي

في السعودية وخلال الأعوام الماضية، كانت المملكة تواجه أزمة كبرى، بالهجرة المتزايدة للمعلمين الشباب، من أعمالهم بالمؤسسات التعليمية إلى مجالات أخرى أكثر استقرارًا وراحةً، في وقت تزايدت فيه حالات التقاعد المبكر بين المدرّسين الكبار، إثر قرار حكومي قبل عامين، بإعادة تقييم رواتبهم وتخفيضها، ما قد ينعكس عليهم عند التقاعد، حال اقتطاع جزء منها، يضعف من الراتب الأساسي، لمعاشهم، حيث يتم تقديرهم بعد الخروج من الخدمة، وفقًا لآخر مرتب حصلوا عليه.

الأزمة المكتومة، لم تنفها الوزارة آنذاك، بل اعترف بها المتحدّث باسم الوزارة مبارك العصيمي، وأكد أن هناك تزايدًا بالفعل في حالات التقاعد المبكر، ووصل عدد المتقاعدين إلى 18 ألفًا و881 مدرسًا ومدرسةً في كل أنحاء البلاد، وكالعادة أكد أنهم اتخذوا كل الاحتياطات لمعالجة نقص المدرسين المتوقع، دون أن يحدد ما تلك الاحتياطات، وعلى أي أساس منهجي أو علمي، قرروا أنها ستسد الفجوة!

لجأت المملكة إلى تغيير وزير التعليم السابق أحمد العيسى، بعد سلسلة أزمات وصراع من المعلمين والإدارايين ـ لم تختلف السياسات معهم حتى اليوم ـ وبعد أن اتهمهم بالحصول على رواتب أكثر مما يستحقون، لينفجر بعدها غضب المعلمين على وسائل التواصل، وطالبوا بمحاسبته وإعفائه لصالح وزير يرتقي بالعلم، دون قرارات تعسفية تقهر الهيئة التعليمية بأكملها، وفي سلسلة التدوينات، كشف المعلمون، التقصير الواضح للوزير والدولة، في تجديد الفصول المتاحة للطلاب، قبل أن يتحدث عن المعلمين وحقوقهم. 

كما كشفوا خلال تغريداتهم التي وصلت إلى ما يقرب من 82 ألف تغريدة للتعليق على إساءة الوزير للمعلمين، كوارث مدارس المملكة والإهمال في نظافتها للحد الذي أصاب الأساتذة والتلاميذ بمرض "الجرب" على وصف بعضهم.

مع رحيل العيسى وتولي حمد بن محمد آل الشيخ كرسي الوزارة، غابت التصريحات العدائية بعض الشيء، ولكن السياسيات كما هي، بل إن الطريقة التي تواجه بها الوزارة التحديات القائمة، ليس لها فائدة وهاجمها العديد من المتخصصين، على شاكلة الدكتور محمد الخازم، الخبير التعليمي، الذي أكد أن غالبية الخطوات التي تتخذها الوزارة نحو تطوير التعليم، لا تقدم إستراتيجية تطويرية مستقبلية واضحة للتعليم العالي، على وجه الخصوص، ولا يمكن وصفها إلا بالخطوات العاجلة للتعامل مع القضايا المطروحة منذ سنوات، ولكنها ليست الحلول المناسبة.

الأزمات التي تحياها المدارس السعودية، تجعلها مؤسسات فاقدة للطموح، وتشغل أطراف العملية التعليمية، بالانغماس التام في البحث عن الاستفادة المادية

التحديات التي تواجه التعليم السعودي، برأي الخازم، تجعله غير قادر على الوفاء بالاحتياجات المطلوبة منه، بسبب محدودية موارده المالية وضعف آلياته الإدارية وتدني تأثيره الثقافي، فالمملكة لا تملك حتى الآن كلية واحدة معترف بها وخاصة في مجالات التربية أو لديها القدرة التنافسية على المستوى الإقليمي والعالمي، في ظل التواضع والضعف الذي يعتري معلمي التعليم العام، وبالذات حديثي التخرج، الذين كانوا أولى بتوجيه الدعم لهم والإنفاق عليهم جيدًا.

الأزمات التي تحياها المدارس السعودية، تجعلها مؤسسات فاقدة للطموح، وتشغل أطراف العملية التعليمية، بالانغماس التام في البحث عن الاستفادة المادية دون الاهتمام بالاندماج مع مستجدات العصر ومتطلباته وتحدياته، وهي في مجملها أزمات تفرض على النظام التعليمي السعودي أن يغير إستراتيجياته، ويبدأ في طرح حلول جديدة وإبداعية لتلك المشكلات، فالعمل بنفس الطريقة التي تتبعها المملكة منذ سنوات، لن يؤدي حتمًا إلا للنتيجة ذاتها، مهما توسعت في الإنشاءات الجديدة، دون إيجاد حل واضح وعلمي لكيفية النهوض بالكادر البشري!