إضافة للتحديات والمشاكل الكبيرة التي تواجهها دول منطقة الشرق الأوسط، برزت إلى الواجهة هذه الأيام قضية جديدة تضيف إلى الملفات المربكة ملفًا حرجًا وربما معقدًا في ظل التحالفات الشائكة بين مختلف حكومات المنطقة التي تشتعل حروبٌ بغضها فيما تحف الأخرى مخاطر اقتصادية وضغوط داخلية وخارجية، هذا الملف الجديد وهو ملف الغاز في شرق المتوسط والذي يتوقع أن يفتح بابًا جديدًا لمزيد من الصراعات في المنطقة.

فتحت تركيا منذ أيام عاصفةً بتوقيعها اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليًا، التوقيع على هذا الاتفاقية أزعج الدول المطلة على حوض المتوسط، إذ أن اليونان ومصر عارضتا هذه الاتفاقية فيما حذرت دولٌ كثيرة لها مصالح في المنطقة مثل روسيا وأمريكا من الاتفاق الموقع، إلا أن تركيا ستمضي في هذا الاتفاق للاستفادة من ثروات المتوسط قبالة شواطئها.

لكن تركيا لن تقف عند الاتفاقيات التي تتيح تواجدها في البحر المتوسط والتنقيب فيه عن الطاقة بكافة أنواعها عبر سفنها، بل تسعى بكل قوة لكي تكون مركزًا عالميًا للغاز ونقطة ربطٍ بين العديد من المشاريع المختصة في هذا المجال إضافةً إلى كون أراضيها مسار للأنابيب التي تنقل الغاز بين مناطق جغرافية متعددة من العالم، وكل ذلك ينبع من حاجة أنقرة للغاز المادة التي تعتمد عليها اعتمادًا كبيرًا.

حاجة تركيا للغاز

تفتقر تركيا إلى الاحتياطيات المحلية للمصادر الأساسية في الطاقة المستخدمة من النفط والغاز، ونتيجة لذلك تعتمد البلاد على الواردات لتلبية حاجتها إذ أنها تستورد %98 من الغاز الطبيعي، ليبقى الغاز في طليعة سياسة الطاقة لأنقرة بسبب تزايد الاعتماد عليه في مناحي الحياة العديدة، ويعتبر الغاز الطبيعي أحد أهم القطاعات الصناعية الإستراتيجية بسبب تأثيره على التنمية الاقتصادية والنمو والواردات. وفي عام 2014 أشارت دراسات أنه من المتوقع أن تزداد حاجة البلاد من الغاز بنسبة 2.3 في المائة سنويًا في الفترة من 2014 إلى 2030، أي أن الطلب والحاجة لهذا المصدر من الطاقة سينمو من 48 مليار متر مكعب في عام 2015 إلى 70 مليار متر مكعب بحلول عام 2030.

وبالنسبة للإنتاج فإن تركيا لا تنتج أكثر من 381 مليون متر مكعب سنوىًا، وتقبع بالمركز الثالث والسبعين دوليًا، في الوقت الذي بلغ استهلاكها من الغاز الطبيعي في 2017، 54 مليار متر مكعب، بحسب أوبك، وتأتي بين الدول الخمس الأعلى استهلاكًا للغاز في أوروبا وبذلك تنخفض نسبة الاكتفاء الذاتي عن 1%، وبالإضافة إلى الإنتاج الضعيف جدًا فإن الاحتياطي أيضًا لايكفي لنصف عام حيث بلغ 19 مليار متر مكعب فقط.

مركز الطاقة

على الرغم من أن تركيا تحتاج للغاز بشكل كبير، إلا أن موقعها الإستراتيجي يخولها الحصول عليها بسهولة عبر المشاريع التي تحصل بين الدول، وتقع تركيا في موقع جغرافي بين الدول المنتجة للطاقة، يوفر هذا الموقع الإستراتيجي لتركيا جعلها ممرًا للطاقة بين أقاليم عدّة في هذا العالم، ويبرز دور المضائق التركيّة في نقل أدوات الطاقة إذ أنه يمر عبرها 3% من الاستهلاك العالمي للنفط.

ويعتبر أول المشاريع الإستراتيجية في مجال نقل الغاز هو مشروع "تاناب" الموقع بين تركيا وأذربيجان عام 2012، وهو خط نقل الغاز من أذربيجان إلى أوروبا عبر تركيا، الأمر الذي أدى لتأمين قسم من إمدادات الطاقة لأنقرة ولأوروبا. يتيح المشروع إمكانية نقل الدول المالكة لاحتياطي واسع من الغاز الطبيعي، وعلى رأسها دول منطقة بحر قزوين، مصادر الطاقة إلى الأسواق العالمية عبر تركيا. من جهته أكّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن المشروع "تاناب هو "مشروع إقليمي ومشروع للسلام"، مضيفًا أنه "يمثل أهم جزء من ممر الطاقة الممتد من أذربيجان إلى أوروبا بطول 3 آلاف و500 كيلومتر". والمهم في هذا المشروع لتركيا أنه تبلغ طاقته السنوية 16 مليار متر مكعب، تستفيد تركيا منها بـ 6 وتُخصَّص المليارات العشر المتبقية للأسواق الأوروبي، ويمر هذا الخط في تركيا قادمًا من جورجيا، مارًا عبر 20 ولاية تركية، وينتهي عند الحدود اليونانية في ولاية أدرنة.

وفي  2014 وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء زيارته لتركيا مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مشروع "السيل التركي" لبناء خطوط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى تركيا ودول أوروبية، ويتألف المشروع من أربعة خطوط تبلغ قدرتها الإمدادية الإجمالية 63 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا، وتذهب المرحلة الأولى والتي تبلغ طاقتها الاستيعابية 16 مليار متر مكعب لسد احتياجات تركيا من الغاز الطبيعي.

صورة

وتصل تكلفة "السيل التركي" الإجمالية 19 مليار دولار أمريكي، تتكفل شركة غاز بروم الروسية بإنشاء القسم البحري، بينما تتشارك موسكو وأنقرة بإنشاء القسم العابر للأراضي التركية. وتكمن أهمية هذا المشروع لتركيا بأنه أعطاها مهمة توزيع الغاز بعد أن يصل إليها، مما يقرّبها من إنجاز مشروعها الإستراتيجي القائم على التحوّل لمركز توزيع الطاقة، إضافةً لمنحها قوة سياسية مؤثرة في الدول التي ستنقل إليها الطاقة مما يجعلها صاحبة دور مؤثر على القرار السياسي الفاعل في مجال الغاز، فيما سيدفعها نجاح هذا المشروع إلى إنجاز مشاريع أخرى وصناعة خطوط أخرى تربط غاز العالم ببعضه وتهيمن على عقدته.

ويهتم الرئيس التركي بجعل بلاده مركزًا للطاقة بالعموم والغاز بشكل خاص، وفي هذا الصدد يقول: "إن تركيا ستظل دائما الشريك الأقوى والأكثر موثوقية، عبر مشاريع الطاقة التي ستنفذها وخبرتها واستقرارها السياسي واقتصادها القوي"، مشيرًا إلى أن "المشاريع التي ستنفذها تركيا، في مجال الغاز الطبيعي، ستقترب من هدف الوصول إلى موقع يؤهلها لتكون مركزًا للطاقة". مضيفًا أن أنقرة "اتخذت خطوات إستراتيجية خلال الأعوام الماضية، كبناء مرافق ومحطات لتخزين الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال".

حقائق أم أحلام؟

في الوقت الذي تأمل فيه تركيا بأن تكون بالفعل قبلة الطاقة والغاز عالميًا، تحاول دول كثيرة كبح جماح الحلم التركي، إذ إن بعض دول أوروبا وشرق المتوسط؛ أطلقت مشروع خط  الغاز "إيست ميد" والذي سيعمل على تغيير خارطة الطاقة في أوروبا، وكانت بدأت المحادثات بين قبرص واليونان و"إسرائيل"، حول إنشاء الخط عام 2015، وستوقع هذه الدول في بداية 2020 اتفاقًا لبناء خط غاز "إيست ميد"، على أن تنضم إيطاليا إلى الاتفاق.

وسينقل خط الأنابيب هذا والذي يمتد إلى طول 2000 كم،11 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، من احتياطيات حوض شرق المتوسط البحرية، قبالة قبرص و "إسرائيل"، إلى اليونان وإيطاليا ودول أخرى في جنوب شرق أوروبا، عبر خطوط أنابيب الغاز اليونانية وتبلغ تكلفته 7.6 مليار دولار، ونتيجة لتنويع مصادر الطاقة فإن "إيست ميد" لاقى دعمًا كبيرًا من الدول الأوروبية إضافةً إلى واشنطن، فيما سيوفر 10% من حاجات أوروبا من الغاز الطبيعي، ما يقلل اعتماد الأوربيين على الغاز الروسي.

هذا المشروع واجه اعتراضًا شديدًا من أنقرة التي قال فيها رجب طيب أردوغان إن "حكومات كل من اليونان، وإسرائيل، ومصر، وقبرص اليونانية الجنوبية، لا تستطيع اتخاذ خطوة بدون موافقتنا"، وبحسب مراسلين لهيئة الإذاعة العامة الإسرائيلية إن المسؤولين الأتراك حاولوا "إثناء إسرائيل عن المشاركة في خط إيست ميد، من خلال مقترح تركي بمد خط غاز من مواقع الغاز الإسرائيلية إلى أوروبا عبر تركيا"، المقترح الذي لاقى ردًا من تل أبيب بالموافقة "في حال كانت أنقرة جادّة".

وللوقوف في وجه أنقرة واستحواذها على السوق، كانت أعلنت كل من مصر و"إسرائيل" وقبرص واليونان وإيطاليا والأردن وفلسطين من إنشاء "منتدى غاز شرق المتوسط" في بداية عام 2019 لتأسيس "منظمة دولية تحترم حقوق الأعضاء"، وسعت القاهرة من خلال استضافتها المؤتمر للتحول لمركز إقليمي للطاقة في المنطقة لمزاحمة أنقرة التي بدت متصدرة لمشهد الغاز والتنقيب عن الطاقة في شرق المتوسط.

إلا أن تركيا تخوض الغمار مجددًا بتوقيعها اتفاقية ترسيم الحدود مع ليبيا التي أغضبت دول ذلك المنتدى، ليقف أردوغان مواجهًا حيث قال إنه بعد "توقيع الاتفاق مع طرابلس: ليس بإمكان أي دولة التنقيب في تلك المناطق التي رسمتها تركيا بموجب هذا الاتفاق بدون إذن". وقال أردوغان أيضًا إن بعض الدول كانت منزعجة من الصفقة، بينما وقعت اتفاقات مماثلة من جانب الإدارة القبرصية اليونانية ومصر ولبنان و"إسرائيل" في السنوات العشرين الماضية، متجاهلة حقوق تركيا والقانون الدولي في شرق البحر المتوسط".