رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي

أثار الانتصار غير المتوقع الذي حقّقه حزب بهاراتيا جاناتا بقيادة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في الانتخابات البرلمانية التي جرت مايو الماضي والتي سمحت له بولاية ثانية، حالة من القلق لدى مسلمي الهند الذين يرون في العضو السابق في المجموعة الهندوسية المتشدّدة "راشتريا سوايامسيفاك سانغ" (هيئة المتطوعين القوميين) خطرًا على مستقبل المسلمين البالغ عددهم 170 مليونًا.

ورغم الوعود التي قطعها مودي على نفسه إبان فترة الانتخابات لطمأنة الأقلية المسلمة، لكن سرعان ما تبخرت، كونها لا تتجاوز حاجز الدعاية الانتخابية وفقط، ففي عهده تزايدت أعمال العنف ضد المسلمين بسبب طقوسهم الدينية أحيانًا وأكلهم للحوم البقر أحيانًا أخرى، فيما أعيدت تسمية العديد من المدن التي تحمل أسماء إسلامية، وتم تغيير بعض الكتب المدرسية للتقليل من أهمية إسهامات المسلمين في الهند، هذا بخلاف التحريض الإعلامي الممارس ضدهم على مرأى ومسمع من سلطات الدولة.

في تقرير سابق لـ "نون بوست" استعرض قلق عدد من مسلمي الهند إزاء الغموض الذي ينتظر مستقبلهم بعد فوز مودي بفترة ثانية كرئيس للحكومة، حيث ذهب البعض إلى أنه باكتساح حزب بهاراتيا فإن المسلمين باتوا على وشك التحول إلى مواطنين درجة ثانية، فيما وصف أحدهم الوضع قائلًا "إذا نجح مودي بتولي السلطة من جديد، فإننا سنضيع".

ومن ضمن الشهادات التي استعرضها التقرير كانت للمسؤول الديني المحلي في ولاية أعظم كره، سرفار أحمد، الذي يرى أن التهميش السياسي للمسلمين تمّ تدريجيًا وخلال ولايات الحكومات المتلاحقة، مؤكدًا "عاملونا كأننا قتلة أطفال وإرهابيون ودخلاء وغير وطنيين خلال الولايات المختلفة في الهند بعد الاستقلال".

وخلال الأسبوعين الماضيين فقط سقط عشرات القتلى من مسلمي الهند، واعتقل آلاف آخرون، على يد القوات الأمنية، في ظل الاحتجاجات التي شهدتها بعض المدن على رأسها نيودلهي، بومباي، تشيناي، فارناسي، حيدر آباد وبوبال وغيرها، للتعبير عن الاستياء من تعديل قانون الجنسية (قانون المواطنة)، والذي اعتبرته تمييزاً بحقها.

ومع مرور الوقت يثبت مودي انحيازه التام للمعتقد الهندوسي الذي ينتمي له، وحزب بهاراتيا الظهير السياسي والشعبي الأقوى له، وذلك على حساب الأقلية المسلمة التي تمثل نحو 14% من إجمالي عدد السكان، وهو الأمر الذي جعل الهند في عهد رئيس الوزراء الحالي واحدة من أكثر بلدان العالم عنصرية وشعبوية وفاشية.

قانون عنصري

تمثل التعديلات الجديدة التي أدخلها البرلمان الهندي على قانون الجنسية انتهاكا جديدًا يهدد مستقبل الملايين من المسلمين ويضع حياتهم على المحك حال تطبيقه، فالتعديلات الطارئة على القانون المعمول به منذ 1955، تتطلب من سكان ولاية آسام، التي تقع على الحدود مع بنغلادش،  إثبات أن آباءهم عاشوا في الهند منذ ما قبل العام 1971، ما يعني فعلياً أن نحو مليونين من هؤلاء يمكن أن يتحولوا إلى "عديمي الجنسية"، بسبب عدم قدرتهم على تقديم أوراق ثبوتية تتعلق بالشروط المطلوبة منهم، نظراً إلى تعقيدات تقسيم الهند وحدودها مع الجارة بنغلادش.

المعضلة هنا لا تكمن في مخالفة قانونية من المحتمل أن يتعرض لها من يفشل في الحصول على تلك الأوراق، أو إعطاءه مزيدًا من الوقت والتسهيلات لتقنين أوضاعه، لكنها تتمحور فيما بشر به بعض أعضاء الحركة الهندوسية بأن من يفشلون في الحصول على تلك الأوراق سيتحولون بشكل تلقائي إلى "عديمي الجنسية" ومن ثم سيعتبرون "مقيمين غير شرعيين، وسيزج بهم في سجون كبيرة"، بحسب ما يذهب المحلل السياسي الهندي يوشيندرا ياداف في تعقيبه على ما سماه "سعي نحو حلم أسيء فهمه"، في إشارة إلى رغبة الحركة القومية بناء هند هندوسية متجانسة وكبيرة.

المجزرة لم تقف عند حاجز المسلمين وفقط، بل من المتوقع أن تشمل شريحة كبيرة من المثقفين والطلاب الهنود بجانب المعارضة، خاصة حزب "المؤتمر"، الأمر الذي صعد من وتيرة الاستياء من تحول البلاد إلى دولة دينية، والتخلي عن النظام العلماني، وإن كان الضرر الأكبر سيقع على المسلمين عبر حرمانهم من الحصول على الجنسية.

ويعد تمرير تلك التعديلات انتصارًا جديدًا يحسب لمودي من خلال الأغلبية البرلمانية لحزبه، في محاولة منه لطمأنة للحركة الهندوسية المتطرفة التي وجهت انتقادات حادة له إبان ولايته الأولى بسبب عدم توظيف تلك الأغلبية في خدمة مشروع الحركة العنصري ضد الأقلية المسلمة.

يذكر أنه في أغسطس الماضي مررت الحكومة الهندية تعديل دستوري جديد أتاح إلغاء الحكم الذاتي لسكان الشطر الهندي من إقليم كشمير المتنازع عليه مع الجارة الباكستانية، ومن قبله حكم لمصلحة الحركة الهندوسية في نزاعها مع مسلمي مدينة إيدوهيا حول مكان مسجدهم الذي سوي بالأرض في العام 1992 من قبل محتجين هندوس بعد 400 عام من إقامته.

عقدين من الاضطهاد للمسلمين

منذ تعيينه رئيسًا للحكومة المحلية في ولاية غوجارات (شمال غرب) عام 2001 كشف مودي النقاب عن وجهه كأحد أبرز الكارهين للمسلمين، حيث تعرضوا خلال العام 2002 إلى واحدة من أعنف أعمال العنف التي شهدتها البلاد وسقط خلالها المئات من القتلى كان معظمهم من الأقلية المسلمة.

في هذه الفترة وجهت له انتقادات لاذاعة لمسئوليته عن مقتل قرابة ألف مسلم، ومما عزز تلك الانتقادات رفضه تقديم أي اعتذارات عن تلك الجرائم، بل على العكس أصدر قرارًا بضم بعض المتورطين في هذه المجازر لحكومة الولاية، وهو الأمر الذي زاد من النقمة عليه في صفوف خصومه.

وكان نتيجة لذلك أن قاطعته الولايات المتحدة وأوروبا على مدى عقد قبل أن تستأنفا الاتصالات معه، فيما اتهمته عدة جماعات حقوقية بأنه شجّع ضمنًا أعمال العنف الدينية في غوجارات، ومع أنه لم يلاحق قضائيًا فإن اسمه مرتبط منذ ذلك الحين بتلك المرحلة المؤلمة التي تركت آثارها في أوساط المسلمين والمدافعين عن العلمانية.

وفي يوليو 2013، أصدر تصريحات مستفزة قارن فيها بين المسلمين الذين سقطوا ضحايا أعمال عنف قام بها الهندوس والجِراء التي تدعسها السيارات في الشوارع، وهي التصريحات التي أثارت حفيظة المسلمين في الداخل والخارج، غير أن دعم حزبه له كان ضامنا حال دون توجيه أي اتهامات رسمية له.

العديد من المخاوف سيطرت على الأمم المتحدة، ومنظمات دولية غير حكومية ومهتمة بالحقوق المدنية، من أن تكون التعديلات الأخيرة بقانون الجنسية، صبّ الزيت على النار، في محاولة من مودي وحركته القومية المتطرفة، لزحزحة البلاد عن اتجاهها العلماني والديمقراطي، الأمر الذي رما يأخذ البلاد إلى حافة الفوضى.

مودي وأعضاء الحركة القومية المتطرفة ينظرون إلى الهند على أنها أوسع من حدودها الحالية، حيث تطرقت العديد من كتابات قادة الفكر الهندوس إلى ما يسمى بإعادة بناء "الهند العظيمة"، ويؤمن هؤلاء المتشددون أن الهند كانت دولة الآريين، ويطلق عليها الهنود القوميون آريافارتا Aryavarta، وتشمل نيبال وبنغلادش وباكستان وجزءاً من أفغانستان. وبالنسبة إليهم، فإن الهنود كانوا شعباً عرقياً واحداً متحدراً من العرق الآري، وعليه يجب أن يتحدوا في مجتمع إثني يجمعهم. وربما ليس غريباً أن يُنظر إلى تعديل قانون الجنسية الأخير، كمحاولة لضم أكبر عدد من الـ"آريافارتا" إلى الهند.

في كتابه "هندو راشترا داراشان" يركز المنظر التاريخي للهندوس، ناياك دامودار سافاركار، على تقديم المسألة الهندوسية على أنها نتاج اضطهادٍ تاريخي، عازفا على نغمة أن الهند للهندوس، مستخدمًا في خطابه الثقافي مصطلح "الغزو الإسلامي"، وهو خطاب يتواصل حتى اليوم بمناشدة عواطف الناس بطريقة شعبوية، تشبه إلى حد كبير شعبوية متعصبي الغرب.

سافاركار يركز في كتابه على الفترة التاريخية (1000 -1500 م) في تاريخ الحركة القومية الهندوسية، معتبرًا أنها "فترة اضطهاد المسلمين لسكان الهند"، وأن المسلمين "فرضوا وأجبروا سكان المنطقة على اعتناق الإسلام ورحلوا غيرهم". ويرد هؤلاء إلى المؤرخ الأميركي ويل ديورانت (1885 -1981) وصف الفتوحات الإسلامية في شبه القارة الهندية بـ"الدموية"، لإثبات روايتهم عن تبرير جعل المسلمين اليوم خارج حسابات الأمة الهندية.

وفي المجمل وفي الوقت الذي يظهر فيه الزعيم البالغ من العمر 56 عامًا، في صورة رجل الدولة المعتدل، والرجل الذي يوفر جدول أعماله لخدمة الهنود جميعم بشتى انتماءاتهم، كما أن نظراته، مع لحيته وابتسامته الدائمة، تجعله محبوبا لدى الجميع، إلا أنه وراء هذه الشعبية، يختفي ماض مظلم لهذا الزعيم الذي كرًس حياته وجهده لاضطهاد المسلمين والتنكيل بهم.