الطيب خلال حضوره مؤتمر الأزهر العالمي لتجديد الفكر الإسلامي

شهدت أروقة قاعة مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي، الثلاثاء الماضي، مبارزة فكرية، بين شيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب، ورئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت، في الجلسة التي أدارها عمرو موسى الأمين العام السابق للجامعة العربية، على هامش فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب المقام حاليًّا، بحضور عشرات العلماء المسلمين من مختلف أنحاء العالم.

في ظاهرها ربما تكون مبارزة فكرية ومناوشة ثقافية بين الأزهر والجامعة، لكن سرعان ما تحولت إلى سجال سياسي بين دعاة التجديد والأصالة، حيث يمثل الخشت هنا وجهة النظر الرسمية للدولة والمنادية بضرورة مراجعة التراث وتجديد الخطاب الديني وإعادة النظر في بعض الثوابت الموروثة، فيما يقف الطيب على حافة الدفاع عن تلك الثوابت كونها مرتكزات لا يمكن التزحزح عنها لأغراض سياسية.

لم يتوقع البعض أن المبارزة التي لم تستغرق إلا بضع دقائق ستكون حديث الشارع والإعلام على حد سواء، حيث انقسمت منصات السوشيال ميديا إلى فريقين: الأول يؤازر شيخ الأزهر ويعتبره منتصرًا فيما وصفه بـ"المعركة" مع رئيس جامعة القاهرة، ممثل جبهة التجديد، فيما ذهب الفريق الثاني إلى دعم الخشت وتأييد توجهاته الإصلاحية في مواجهة ما أسموه "جمود الأزهر ورجاله".

معركة تضاف إلى سجل الخلاف بين شيخ الأزهر والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بشأن عدد من القضايا ذات الأبعاد الدينية، لكنها هذه المرة لم تكن بحضور الرئيس نفسه، لكن عبر وكيل عنه، له باع طويل في دعم توجهات النظام الحاليّ وهو صاحب الفيديو الشهير بشأن تقديم وعود لطلاب جامعته بمنح درجات إضافية في الامتحانات حال دعمهم للتعديلات الدستورية التي جرت مؤخرًا وتمهد الطريق للسيسي للبقاء في السلطة حتى 2030.

معركة التجديد والتراث

"السياسة تختطف الدين، شخصيتنا انتهت"، كان هذا هو الرد الأكثر قوة من الطيب في مواجهة رئيس جامعة القاهرة، تشخيصًا منه لدوافع الفتنة التي يحياها المجتمع في الآونة الأخيرة، وأنها ليست فتنة تراثية كما يحاول البعض الترويج لها، مشبهًا إياها بالفتنة التي وقعت في عهد عثمان بن عفان، التي وصفها بأنها "فتنة سياسية".

الخشت خلال كلمته في المؤتمر قال إنّه لا بد من تأسيس خطاب ديني جديد، وليس تجديد الخطاب الديني التقليدي، موضحًا أن تجديد الخطاب الديني عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة، إذا أردنا أن نقرع أبواب عصر ديني جديد.

وأضاف أن هذا الخطاب الديني الجديد لا يمكن تأسيسه دون تكوين عقل ديني جديد، مشيرًا إلى أنّ العقل الديني ليس هو الدين نفسه، بل هو عقل إنساني يتكون في التاريخ وتدخله عناصر إلهية وعناصر اجتماعية واقتصادية وثقافية، ويتأثر بدرجة وعي الإنسان في كل مرحلة، لافتًا إلى أن تطوير العقل الديني غير ممكن دون تفكيكه وبيان الجانب البشري فيه.

كما رفض رئيس جامعة القاهرة اجتهادات البعض لـ"إحياء علوم الدين"، داعيًا إلى ضرورة "تطوير علوم الدين"، موضحًا أن العلوم التي نشأت حول الدين علوم إنسانية، تقصد إلى فهم الوحي الإلهي، وأن علوم التفسير والفقه وأصول الدين وعلوم مصطلح الحديث وعلم الرجال أو علم الجرح والتعديل، هي علوم إنسانية أنشأها بشر، وكل ما جاء بها اجتهادات بشرية، ومن ثم فهي قابلة للتطوير والتطور، بل قابلة لاستبدالها بعلوم جديدة.

وأضاف رئيس جامعة القاهرة، أنه لا يمكن تكوين عقل ديني جديد دون تغيير طرق التفكير وتجديد علم أصول الدين، موضحًا أن من أهم الشروط لتكوين عقل ديني جديد، إصلاح طريقة التفكير وفتح العقول المغلقة وتغيير طريقة المتعصبين في التفكير والعمل على تغيير رؤية العالم وتجديد فهم العقائد في الأديان ونقد العقائد الأشعرية والاعتزالية وغيرها من عقائد المذاهب القديمة، على حد تعبيره.

كما أوضح أنه لا بد لافتتاح عصر ديني جديد من الرجوع إلى فلسفة التاريخ التي تكشف لنا أنّ عصور الانتقالات الكبرى لا تتم إلا بتغيير طرق التفكير، وأنه بات من الضروري تفكيك الخطاب التقليدي والبنية العقلية التي تقف وراءه، وتأسيس خطاب ديني جديد، وأصبح يمثل ذلك حاجة ملحة، ويجب أن نعيد تفكيك هذا النص البشري لكي نعيد بناء العلوم.

"السياسة تخطف الدين اختطافًا حينما يريد أهلها أن يحققوا هدفًا مخالفًا للدين".. أحمد الطيب

من جانبه، شن شيخ الأزهر هجومه الحاد على الخشت، منتقدًا ما صرح به بشأن فكر الأشعرية والتراث، كما استهجن عدم تجهيز رئيس جامعة القاهرة لكلمة مكتوبة والاكتفاء بكلمة ارتجالية في مؤتمر عالمي يحضره علماء من جميع أنحاء العالم.

الطيب علق على حديث رئيس الجامعة بأنّ إهمال التراث بأكمله ليس تجديدًا وإنما إهمالًا، مشيرًا إلى أن الأشاعرة لا يقيمون منهجهم على أحاديث الأحاد، ويعتمدون على الأحاديث المتواترة، لافتًا إلى أن التراث حملته مجموعة من القبائل العربية القديمة الذين وضعوا أيديهم على مواطن القوة والتاريخ، وكانت أقدامهم في الأندلس والصين، مؤكدًا أن العالم الإسلامي كانت تسيره تشاريع العلوم الإسلامية قبل الحملات الفرنسية.

وأرجع شيخ الأزهر الفتنة التي يحياها المصريون خاصة والمسلمون عامة إلى "السياسة" التي باتت القبلة التي يضبط عليها الساسة ومناصروهم من المفكرين بوصلتهم أينما ذهبوا أو حلوا، وأنها السبب فيما آلت إليه الأوضاع، وليس التراث الذي تحول إلى شماعة يعلق عليها الفاشلون فشلهم.

وأوضح أن السياسة تخطف الدين اختطافًا حينما يريد أهلها أن يحققوا هدفًا مخالفًا للدين كما حدث في الحروب الصليبية وغيرها، متابعًا: "ما هي مبررات الكيان الصهيوني في أن يستعمروا دولًا غير تابعة لهم، إلا من خلال الاستناد إلى نصوص في التوراة لكي يحققوا أهدافًا تخالف تعاليم الدين".

تأييد واسع لشيخ الأزهر

بعد دقائق معدودة من انتهاء المؤتمر تصدر شيخ الأزهر منصات السوشيال ميديا، حيث عبر عشرات الآلاف من المصريين عن دعمهم الكامل لما وصفوه "مخطط هدم الأزهر" والتقليل من شأنه لحساب التوجه الجديد الذي يسعى لطي التراث تحت أقدام العصرنة في محاولة لتجميل الصورة خارجيًا.

فريق كبير من الداعمين للطيب يرون فيه رمزًا للمؤسسة الدينية الأكبر التي ظلت على مدار عقود طويلة مضت تمثل الإسلام الوسطي المعتدل الذي يسعى لتذليل الفجوة بين الفكر المتطرف يمينًا والمنحل يسارًا، ورغم رضوخها في كثير من محطاتها لرغبات النظم الحاكمة، فإنها ظلت الرهان الذي يلجأ إليه البعض وقت الأزمات.

علاوة على ذلك فإن التعاطف مع الطيب الذي يواجه ضغوطًا غير مسبوقة من نظام السيسي احتل مرتبة متقدمة في دوافع حملة الدعم والتأييد له، فالرجل وفق ما نقلت بعض المصادر يواجه موجة شعواء من الابتزاز لإجباره على تقديم استقالته رغم تحصين منصبه وفق الدستور.

تيار آخر من الداعمين ينطلق في دعمه لشيخ الأزهر كونه على الجبهة المقابلة للسيسي، وكثيرًا ما يغرد بمفرده خارج سرب النظام، وهو ما تسبب في حالة الغضب الواضحة من الرئيس تجاهه التي تكررت أكثر من مرة، فيما عزفت بعض وسائل الإعلام الداعمة للسطات على وتر مناقشة ملف خليفة الطيب لمشيخة الأزهر، وهو الملف الذي أثار حفيظة الأزاهرة والداعمين له في كل مكان.

ورغم هذا الدعم الكبير، فإن البعض لا يزال يذكر للطيب مشاركته في أحداث 30 يونيو وحضوره بيان 3 يوليو 2013، كذلك صمته ابتداء على المجازر التي تعرض لها الإسلاميون في رابعة العدوية والنهضة في أغسطس من نفس العام، وعدم عدوله عن الإقرار بها إلا نتيجة الضغوط التي مورست عليه وعلى مؤسسته الدينية، وهي المواقف التي لا تزال تمثل محل انتقاد كبير لشيخ الأزهر رغم التوتر الحاليّ بينه وبين الرئيس.

لم تكن هذه المبارزة إلا محطة جديدة في مسيرة التوتر بين الإمام والرئيس التي انطلقت أولى محطاتها مع إعلان شيخ الأزهر رفضه إراقة الدماء في فض اعتصام رابعة العدوية في 14 من أغسطس 2013

حملة إلكترونية لدعم الخشت

وفي الجهة الأخرى شنت عدد من اللجان الإلكترونية حملة ممنهجة لدعم رئيس جامعة القاهرة، تلك الحملة التي اعتبرها البعض دفاعًا عن ممثل الدولة في مواجهة الأصولية الدينية، حيث اعتبروها معركة تستوجب التسلح بكل الأسلحة لمواجهة أمواج التأييد غير المتوقع للطيب ومؤسسته.

العديد من المواقع والصفحات تبنت خطة لتشويه صورة الإمام وقذفه بتهم الرجعية والتخلف في مواجهة ما أسموه "استنارة " الخشت وثقافته وهدوءه في مقابل التصفيق الحاد لشيخ الأزهر ما يعكس حالة من الفوضى الفكرية والرجعية في مواجهة الفكر بالفكر على حد قول أنصار هذا التيار.

يبدو أن تفاعل المصريين مع كلمات الطيب فاق توقعات الفريق المناوئ الذي سعى وبكل قوة للإساءة له قبل تلميع صورة الخشت، حيث كثفت الصفحات المنتمية للفكر العلماني والليبرالي باسم التنوير والإصلاح من منشوراتها للتقليل من شأن الأزهر ورجاله، ونعتهم بالصفات التي يسعون من خلالها إلى تسجيل أهداف في مرمى الخصم بعدما أُمطرت شباكهم بعشرات الأهداف في دقائق معدودة.

يذكر أنه في الـ19 من أبريل 2019 وخلال حفل أقامته جامعة القاهرة للفنان محمد حماقي، أعلن الخشت عن حزمة من الهدايا والعطايا للطلاب بالتزامن مع الاستفتاء على التعديلات الدستورية، حيث وقف رئيس الجامعة هاتفًا "مين بيحب مصر؟" وتابع "وعلشان أنتوا شباب زي الفل.. وعلشان أنتوا اللي هتصنعوا المستقبل، لازم مش تنبسطوا النهادرة بالفن بس"، مضيفًا": "أنا أعلنت إن فيه مفاجأة يوم 24 من أبريل وهي إعفاء كل طلاب المدن الجامعية من مصاريف شهر رمضان".

كما أشار إلى منح طلاب الجامعة إجازة فترة الاستفتاء وحتى عطلة الاحتفال بذكرى تحرير سيناء 25 من أبريل، وإعفاء الطلاب من الرسوم الدراسية لغير المسددين حتى الآن، وسط هتافات وصيحات من الخشت يرددها الطلاب "تحيا مصر"، الأمر الذي وصفه معارضو التعديلات بأنه رشوى انتخابية للطلاب مقابل التصويت بالموافقة.

الإمام والرئيس.. سنوات من الصراع المكتوم

لم تكن هذه المبارزة إلا محطة جديدة في مسيرة التوتر بين الإمام والسيسي التي انطلقت أولى محطاتها مع إعلان شيخ الأزهر - تحت الضغوط التي مورست عليه - رفضه إراقة الدماء في فض اعتصام رابعة العدوية في 14 من أغسطس 2013، وفي تسجيل صوتي له قال: "إيضاحًا للحقائق وإبراءً للذمة أمام الله والوطن، يعلن الأزهر للمصريين جميعًا أنه لم يكن يعلم بإجراءات فض الاعتصام إلا عن طريق وسائل الإعلام صباح اليوم".

الطيب لم يكتف بالإدانة اللفظية للمجزرة وفقط، لكنه توجّه بعد ذلك إلى قريته القرنة بمحافظة الأقصر في صعيد مصر، واعتزل هناك أسابيع عدة، احتجاجًا على ما حدث، وهو ما استفز قادة المشهد وقتها، الذين لم يكن في إمكانهم اتخاذ أي موقف ضد الطيب نظرًا لحساسية تلك الفترة.

وفي تقرير سابق لـ"نون بوست" استعرض أبرز محطات التوتر بين الطرفين، التي تعززت بصورة أكبر مع أزمة الخطبة الموحدة لصلاة الجمعة، عندما أعلنت وزارة الأوقاف في يوليو 2016 وجود خطبة موحدة مكتوبة للأئمة يوم الجمعة، فيما أعلنت هيئة كبار العلماء رفضها القرار، ليردّ جمعة بالقول: "نحترم هيئة كبار العلماء، لكن القرار غير ملزم".

حينها أكدت هيئة كبار العلماء أن الخطبة الموحدة قد تتسبب في "تجمّد" الخطاب الديني، وذلك في تحدٍّ واضح للحكومة والرئاسة، مضيفةً أن فرض خطبة مكتوبة مسبقًا سيؤدي بعد فترة إلى تسطيح فكر أئمة المساجد، وتابعت "الإمام سيجد نفسه غير قادر على مناقشة الأفكار المنحرفة والجماعات الضالة التي تتخذ من الدين ستارًا لها، وتستخدم بين أساليبها تحريف بعض آيات القرآن والأحاديث النبوية عن مواضعها".

وتعمق منسوب التوتر أكثر في يناير 2017، حين فاجأ السيسي خلال كلمته باحتفالات عيد الشرطة المصرية، بالحديث عن نسب الطلاق المرتفعة في مصر ومدى خطورتها على أمن واستقرار الأسرة، وطالب بتعديل قانون الطلاق ليصبح الطلاق المعتمد فقط هو الموقّع أمام المأذون.

غير أن الأزهر لم يترك تلك التصريحات - التي تحولت فيما بعد إلى مادة إعلامية انبرى فيها الطالح والصالح للدفاع عن وجهة نظر الرئيس- تمر مرور الكرام، فبعد أسبوعين فقط منها أصدر بيانًا مذيلاً بتوقيع الطيب يرفض فيه هذا التعديل المتنافي مع الشرع، على حد تعبيره، البيان لم يرفض مقترح الرئيس فقط، بل خُتم بفقرة حادة اعتبرها مراقبون موجهةً للسيسي شخصيًا، وتقول: "على مَن يتساهلون في فتاوى الطلاق أن يَصرِفوا جُهودَهم إلى ما ينفعُ الناس ويُسهم في حلّ مشكلاتهم على أرض الواقع، فليس الناس الآن في حاجةٍ إلى تغيير أحكام الطلاق، بقدر ما هم في حاجةٍ إلى البحث عن وسائل تُيسِّرُ سُبُلَ العيش الكريم".

السلطات ارتأت اللجوء إلى إستراتيجية أخرى لمواجهة عناد الطيب بعد فشل المحاولات السابقة، تلك الإستراتيجية تعتمد في ثقلها على التقليل من شأن الإمام ووزنه داخل مؤسسته، وإبعاد كل رجاله الأقوياء من حوله، والإطاحة بأجنحته التي يعتمد عليها في إدارة شؤون المؤسسة، وعليه رفض السيسي التجديد لرجال الإمام المقربين على رأسهم عباس شومان وكيل المشيخة.

"تعبتني معاك يا فضيلة الإمام" تلخص تلك الجملة التي رددها السيسي قبل أكثر من عامين، طبيعة العلاقة بين مؤسسة الرئاسة ومشيخة الأزهر، ورغم محاولات تجميل الصورة عبر مشاركات الطيب في المؤتمرات والابتسامات المتبادلة والتصريحات الدافئة هنا وهناك، فإنها لا تستطيع إخفاء حجم التوتر المكتوم بينهما الذي يظهر للعلن مع كل مناسبة.