رجل فلسطيني أمام قبة الصخرة في المسجد الأقصى في البلدة القديمة في القدس في 24 أيار/ مايو سنة 2019.

ترجمة وتحرير: نون بوست

وصف نعوم تشومسكي الاستعمار الاستيطاني بأنه أكثر أشكال الإمبريالية تطرفًا وسادية. في الواقع، عانى الشعب الفلسطيني من نكبة متفرّدة جعلته في نهاية المطاف ضحيّة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني والامبريالية الغربية طوال القرن الماضي. كان وعد بلفور بمثابة الخيانة الأولى والأكثر أهمية التي تعرّض لها الفلسطينيون في سنة 1917، إذ ألزم الحكومة البريطانية بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، شرط ألا يُتّخذ أي إجراء "يمسّ بالحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية القائمة في فلسطين". 

في سنة 1917، كان اليهود يشكلون أقل من 10 بالمئة من سكان فلسطين، بينما كانت نسبة السكان العرب 90 بالمئة. ومع ذلك، اختارت بريطانيا الاعتراف بحق الأقلية الصغيرة في تقرير المصير وإنكار حق الأغلبية العظمى الراسخة. وعلى حد تعبير الكاتب اليهودي آرثر كوستلر: "لقد وعدت أمّة واحدة رسميا أمّة ثانية بلدا لأمّة ثالثة".

خطأ فادح

كان وعد بلفور بمثابة وثيقة استعمارية أوروبية كلاسيكية. في الواقع، جسد مؤلفها، وزير الخارجية آنذاك آرثر جيمس بلفور، العقلية الاستعمارية حيث لم يُعر الحقوق الوطنية لسكان البلاد أدنى اهتمام. وكتب في وقت لاحق: "إن الصهيونية، سواء كانت صائبة أو خاطئة، جيدة أو سيئة، متجذّرة في التقاليد العريقة الأزلية، والاحتياجات الراهنة، وآمال المستقبل، وهي ذات أهمية تفوق بكثير رغبات وميول 700 ألف عربي يعيشون في الوقت الراهن في تلك الأراضي القديمة". بعبارة أخرى، من الصعب أن نجد توضيحًا أكثر بروزًا مما أطلق عليه إدوارد سعيد "نظرية المعرفة الأخلاقية للإمبريالية".

من جهة أخرى، كان وعد بلفور من وجهة نظر المصالح البريطانية خطأ فادحًا، بل أحد أسوأ الأخطاء الاستراتيجية في تاريخها الإمبريالي، غير أنه كان من المنظور الصهيوني بمثابة إنجاز هائل نحو قيام الدولة. بالإضافة إلى ذلك، مهد وعد بلفور الطريق للاستيلاء الصهيوني المنهجي على البلاد، وهي عملية استمرت بلا هوادة حتى يومنا هذا. تجدر الإشارة إلى أنه بين 1920 إلى 1948، أُقرّ الانتداب البريطاني على فلسطين. وكان أساس سياسة الانتداب هو منع قيام المؤسسات النيابية إلى أن يصبح اليهود أغلبية.

 يُذكر أن الجيش البريطاني قمع بوحشية قصوى الثورة العربية التي اندلعت في سنة 1936. في الحقيقة، لم تضع فلسطين في أواخر الأربعينات، كما كان سائدا، وإنما في أواخر الثلاثينات. لقد لعبت بريطانيا دورا حاسما في المأساة الفلسطينية، ولكنه لم يُعترف به حتى الوقت الحاضر.

الفائزون والخاسرون

يتبّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدقة هذا النمط الاستعماري القديم من أجل النهوض بالمصالح الصهيونية على حساب الفلسطينيين. في نظرته المبسّطة للعالم، لا يوجد سوى رابحين وخاسرين، وبالنسبة إليه، فإن الإسرائيليين رابحون في حين أن الفلسطينيين هم الخاسرون على الدوام. وبالتالي تخلى ترامب عن أي ادعاء بالحياد أو العمل كوسيط نزيه.

بدلا من ذلك، أصبح ترامب محامي "إسرائيل". في الواقع، سارعت إدارته بشكل مباغت إلى عكس مسار السياسة الأميركية بالإعلان عن أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا تعتبر غير قانونية، كما أنها لا تشكل عقبة أمام السلام. لا يدعم ترامب ببساطة دولة "إسرائيل"، واصطّف مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والمستوطنين اليمنيين المتطرفين الذين يهدفون إلى ضم جزء كبير من الضفة الغربية المحتلة إلى "إسرائيل" كبرى.

صورة

متظاهرون فلسطينيون يحرقون صورا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في رفح، غزة، يوم 29 كانون الثاني/يناير

منذ وصوله إلى السلطة، وجّه الرئيس الأمريكي مجموعة من الضربات القاسية على الشعب الفلسطيني، إذ اعترف بالقدس كعاصمة لإسرائيل، وقام بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. كذلك، وضعا حدّا للتمويل الأمريكي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وقام بسحب المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية، كما اعترف أيضا بسيادة "إسرائيل" على هضبة الجولان السورية المحتلة وأغلق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بواشنطن.

بعد ذلك، كشف ترامب يوم 28 كانون الثاني/ يناير، عن "صفقة القرن" التي وصفها بأنها " فرصة مربحة للجانبين" و"جيدة جدا " للفلسطينيين. تنصّ هذه الخطة على الاعتراف بالقدس عاصمة غير مقسمة لـ"إسرائيل" وتمنح الكيان حرية الاستيلاء على الكتل الاستيطانية اليهودية غير القانونية في الضفة الغربية ووادي الأردن الذي يعتبر "سلة الخبز" للمجتمع الفلسطيني. ومن ناحيتها، ستحتفظ إسرائيل بالسيطرة المطلقة على الأمن في الضفة الغربية وكل طرقها السريعة والأنفاق والقواعد العسكرية.

الافتقار للأخلاق 

في هذه الأثناء، يُطلب من الفلسطينيين الاعتراف بـ"إسرائيل" كـ"دولة يهودية" وأن يتوقفوا عن المطالبة بتحقيق العدالة في جرائم الحرب التي ارتكبوها. فحسب الخطة، سيقع سحب القوات العسكرية من "الدولة" الفلسطينية، وستكون لها عاصمة تقع على مشارف القدس الشرقية، وستقتصر على قطاع غزة وبعض المناطق المتفرقة في الضفة الغربية. وبالتالي، لن يكون لفلسطين حدود مع الدول العربية المجاورة، ولن يكون لها أي سيطرة على المجال الجوي والمياه وغيرها من الموارد الحيوية.

إن ما يقترحه ترامب ليس خطة سلام، بل مخطط فعلي للفصل العنصري

بصفة أساسية، تبدو هذه الخطة موجّهة لمجموعة من البانتوستانات القاحلة التي يحيط بها الجيش الإسرائيلي وعدد متزايد من المستوطنين اليهود. ويبدو الأمر وكأنه سجن أكثر من دولة. وفي مقابل تطبيق هذه الخطة غير العادلة وغير القانونية، وُعد الفلسطينيون بمبلغ 50 مليار دولار على مدى خمس سنوات، على أن يكون مصدرها دول الخليج وليس خزينة الولايات المتحدة.

لا عجب أن نتانياهو تبنى خطة ترامب بحماس. فقد كانت غايته بالأساس تحقيق كامل رغباته. وفوق ذلك كله، يتفق المؤيدون والمعارضون على الخطة لأنها ستكون المسمار الأخير في التابوت لقبر حل الدولتين وحلم إقامة دولة فلسطينية مستقلة. 

ليس من المستغرب أيضا أن الأطراف الفلسطينية رفضت بقوة هذه الخطة. فإن ما يقترحه ترامب ليس خطة سلام، بل مخطط فعلي للفصل العنصري. كذلك، فهي محاولة سافرة لإضفاء الشرعية على الاحتلال غير القانوني، وإخضاع الملايين من الفلسطينيين لسيطرة إسرائيلية دائمة. وبالتالي فهي عقلية استعمارية، تفتقر الى أي شعور بالأخلاق أو حتى اللياقة الإنسانية الأساسية.

بالنسبة لليمين الإسرائيلي، إن خطة ترامب تشكل انتصارا دبلوماسيا مدهشا، يشبه وعد بلفور. أما بالنسبة للفلسطينيين، فهي ليست سوى الفصل الأخير في قصة استمرت قرنا من الازدواجية وخيانة القوى الغربية.

المصدر: ميدل آيست أي