بين مطرقة الجماهير في الساحات وسندان الكتل والأحزاب السياسية الباحثة عن حصة من كعكة الكابينة الوزارية، تتشكل حكومة رئيس الوزراء المكلف محمد علاوي في مفاوضات عسيرة ومعقدة بين داعميه ورافضيه التي تشير بعض التسريبات إلى وصول العدد لـ170 نائبًا (نصف +1) مؤيدًا بينما هو بحاجة إلى الأغلبية المطلقة لنيل الثقة، فالحكومة لا تزال تراوح بين تحقيق مطالب الجماهير ونيل رضاهم من جهة، وإرضاء الكتل والأحزاب المتحاصصة لنيل ثقتهم في البرلمان، وربما يحاول علاوي جاهدًا عرض قائمة ترضي الطرفين رغم صعوبة ذلك.

خروقات دستورية

يفرض الدستور على رئيس الجمهورية تكليف رئيس الوزراء بعد 15 يومًا من استقالة الحكومة الذي كان في أول ديسمبر 2019، لكن تكليف علاوي كان يوم 1 من فبراير أي بعد شهر ونصف تجاوز على الدستور، كل ذلك بسبب الكتل والأحزاب لعدم اتفاقها على مرشح غير جدلي يرضي - بالحد الأدنى - المتظاهرين في الشارع.

من جهة أخرى، تجاوزت كتلتي فتح - سائرون مسألة الكتلة الأكبر ولم يتبن أي منهما المرشح المكلف محمد علاوي علنًا، وهو تجاوز على الدستور الذي يفرض تقديم الكتلة الأكثر عددًا مرشحها، فبتوافق قلق بين الكتلتين، اختاروا علاوي - نسيب الصدر - وافترضوا بذلك أنه مرشح المتظاهرين وفرضوه عليهم بالقوة وأدخل الصدر أتباعه في الساحات لضبطها وتمريره ومنع أي لافتة معارضة له، علمًا بأن ساحات الاحتجاج رفضته كونه من المشاركين في العملية السياسية وسبق أن انتمى لحزب الدعوة وحركة الوفاق ويحمل الجنسيتين البريطانية والعراقية وهو مرشح جدلي للكثيرين.

الحكومة دائمة أم مؤقتة؟

إن الحكومة التي تجري حاليًّا المفاوضات لتشكيلها، يُفترض أن تكون مؤقتة وتكون مهمتها محصورة في تهيئة الظروف السياسية المناسبة لإجراء انتخابات مبكرة بإشراف دولي لضمان نزاهتها بعد سن قانون الانتخابات الجديد وتعيين مفوضية انتخابات جديدة على وقع التظاهرات رغم الانتقادات الموجهة لهما، بالإضافة لحل البرلمان بعد نيلها للثقة، إلا أن التعقيد والمنافسة بين الأحزاب وتسريبات شراء الوزارات والوعود التي قطعها محمد علاوي على نفسه قبيل تكليفه، لا توحي بأنها ستكون مؤقتة، إنما حكومة دائمة وبديلة عن حكومة عبد المهدي، وستنتهي بانتهاء الدورة البرلمانية في 2022، إلا إذا حصل متغير ما وقلب المعادلة.

لقد وعد علاوي بإجراء انتخابات مبكرة والوعد يصلح لحكومة مؤقتة لكنه وعد أيضًا بوعود كبيرة كحصر السلاح بيد الدولة ومحاربة الفساد ومحاسبة قتلة المتظاهرين وغيرها من الوعود، فلا يمكن تنفيذ هذه الوعود إلا بحكومة دائمة، خاصة أن كتاب التكليف لعلاوي لم يحدد ماهيتها وطبيعتها.

القوى الداعمة والرافضة للعلاوي

تُخفي الكتل والأحزاب السياسية التي تدعي الإصلاح سعيها للحصول على حصة من كعكة السلطة والكابينة الوزارية: 11 وزيرًا للمكون الشيعي و6 وزراء للمكون السني و5 وزراء للمكون الكردي ووزير للأقليات، وتخشى من عدم الحصول على نصيب من بين المتنافسين، فتهدد بنيتها عدم منح الحكومة الثقة في البرلمان، لكن ما يجمعها جميعًا هو الحصول على المكاسب والمغانم وكلٌ بطريقته حتى ولو بالتصريحات المتناقضة من نواب الكتل والأحزاب.

الأطراف السنية تعلمت من الكرد تقديم مجموعة مطالب للحكومة الجديدة والحصول على حصتها من الكابينة الحكومية لتصوت لعلاوي

بتوافق قلق بين كتلتي فتح (48 نائبًا) - سائرون (54 نائبًا) تم اختيار وتكليف محمد توفيق علاوي بمباركة مقتدى الصدر وهادي العامري، إلا أن الصدر المعروف بمواقفه المتقلبة حذر علاوي بالتبرؤ منه إذا لم يقدم كابينة مستقلين، وهدد تياره بإسقاطه خلال أيام واقتحام الخضراء في أثناء التصويت عليه في البرلمان.

أما تيار الحكمة (25 نائبًا) بزعامة عمار الحكيم فقد تقلبت المواقف بين طلب حصة وزارة النفط مقابل دعم كابينة علاوي، وتخويل علاوي باختيار الكابينة بعدما حصلوا على ما يسرهم. أما كتلة دولة القانون (25 نائبًا) بزعامة نوري المالكي فترفض تمرير حكومة علاوي وكابينته حتى قبل التفاوض بشأنها، فالمالكي يرفض شخص علاوي على ما يبدو وهو من أوئل الرافضين له.

أما كتلة النصر (28 نائبًا) بزعامة حيدر العبادي فرفضته في جولات المفاوضات الأولى ثم خولته لاختيار كابينته علمًا أن هناك انقسامات في معظم الكتل السياسية كحالة طبيعية تصاحب تشكيل الحكومات العراقية، أما الشيعي الليبرالي إياد علاوي زعيم ائتلاف الوطنية (21 نائبًا) رفض بقوة تكليف علاوي أيضًا وذهب لإقناع الكرد بالاعتراض عليه رغم أنه ابن عمه وكان عضوًا في حركة الوفاق التابعة لإياد علاوي، كما أنه كان عضوًا لفترة في حزب الدعوة ومن المفترض أن يكون قريبًا للمالكي والعبادي إلا أنهم رافضين له.

أما القوى الكردية الأبرز فهي معتادة على الاتفاق في الإقليم فيما بينها ثم القدوم بقائمة مطالب تتضمن حصتهم الوزارية مقابل تمرير الحكومات العراقية المتعاقبة، وذلك لحالة الإقليم الخاصة كما يرونها، إلا أن الحزب الديمقراطي (25 نائبًا) قدم دعمًا مشروطًا لعلاوي وطالب بوزارة المالية مع وزارتين خدميتين في بداية المفاوضات ثم أوصل رسالة لعلاوي بأن الكرد من يختارون حصتهم في الكابينة (5 وزراء)، إلا أن الاتحاد الوطني الكردستاني (15 نائبًا) خول هذه المرة علاوي باختيار كابينته وهناك عدم وضوح في موفقه من مرشحي الكرد وهم غالبًا يتفقون في الإقليم مع الحزب الديمقراطي ثم يقدمون مرشحيهم.

الأطراف السنية تعلمت من الكرد تقديم مجموعة مطالب للحكومة الجديدة والحصول على حصتها من الكابينة الحكومية لتصوت لعلاوي، وذلك لأمور تتعلق بحاجات المكون السني ودمار مدنه وخرابها حسب رؤيتهم، لكن الأحزاب والكتل السنية لم تتعلم من الكرد الاتفاق على المرشحين، فهم لا يزالون مختلفين فيما بينهم على تمثيل المكون والحصول على الحصص الوزارية في الحكومة. وهناك خلافات بين القوى التي أعلنت إصرارها على حصتها في الكابينة كاتحاد القوى (32 نائبًا) مقابل تمريرعلاوي في البرلمان، لكن رؤية علاوي ونظرته إلى القوى السنية ومن منهم سيمثل المكون السني في الكابينة، أشعل الخلافات فيما بينهم وبين علاوي، فاتحاد القوى بزعامة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي ممتعض لعدم نيله حصة مقنعة كممثلين للمكون وقد هددوا بعدم تمرير الحكومة، ووصف أحد أعضاء تحالفه من يصوت على منح الثقة من السنة في البرلمان بالخائن.

أخيرًا، من المرجح أن تمر الحكومة في البرلمان وتنال الثقة بعد إرضاء الكتل والأحزاب، لكنها ستكون أمام تحديات جمة، كما أنها ستكون ضعيفة وغير قادرة حتى على تنفيذ وعودها الكبيرة التي قطعها رئيس الوزراء المكلف محمد علاوي لغياب السند بكتلة في البرلمان، فهو سيبقى مكبلًا بضغوط الكتل ومطالبها وستبقى رهينة بيد الميليشيات مسلوبة الإرادة الأمنية ومسروقة القرار السياسي.