ترجمة وتحرير: نون بوست

 

وعدت العملات الرقمية وتكنولوجيا البلوكتشين التي تقوم عليها، منذ فترة طويلة، بتغيير الطريقة التي نستخدم بها الأموال عبر الإنترنت، ولكن بعد أن أمضت عقودًا على الهامش، يمكن أن تقتحم الثورة أخيرًا المشهد الرئيسي بشكل حاسم وذلك بفضل شركة التكنولوجيا "تلغرام" وعملة "غرام" الخاصة بها، وفي الوقت الراهن، كل ما على تلغرام فعله هو التغلب على فيسبوك.

من المقرر أن تمثل تلغرام، تطبيق المراسلة الذي أنشأه أيقونة التكنولوجيا المستهلكة بافيل فاليريفيتش دوروف، أمام المحكمة هذا الأسبوع بسبب التزامها بإحداث ثورة في المعاملات الإلكترونية. خلال سنة 2017، أصدر دوروف سلسلة بلوكتشين أطلق عليها اسم شبكة التلغرام المفتوحة (تون) ووعد بإنشاء محفظة عملة رقمية مرتبطة بتطبيق تلغرام نفسه.

ستكون العملات الرقمية، المعروفة باسم "غرام"، مثالًا على "العملات الرقمية في مواقع التواصل الاجتماعي"، وهي عملة رقمية مرتبطة بمواقع التواصل الاجتماعي الرئيسية وقاعدة مستخدميها.

إذا تم إطلاقها بنجاح، سيتمكن مستخدمو تيليغرام، البالغ عددهم 300 ألف، من إرسال الأموال إلى بعضهم البعض على الفور، مما يبسّط التحويلات والمدفوعات والمعاملات الأخرى.

في المقابل، لفتت "تون" انتباه هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، التي قدمت بنجاح دعوى قضائية لوقف إصدار وإيقاف العمل بعملة تون خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وذلك في انتظار جلسة استماع، التي بدأت يوم الأربعاء الماضي، حول ما إذا كانت الشركة بحاجة إلى التسجيل لدى هيئة حكومية قبل إصدار منصة بلوكتشين خاصة بها. ستقرر النتيجة ما إذا كان دوروف قادرًا على المضي قدمًا في ثورته أم لا.

بينما يراقب المستثمرون والبنوك والمتحمسون للعملات الرقمية مسار هذا الملف، هناك طرف آخر مهتم بها هو فيسبوك، فقد اقتحمت الشركة العملاقة، التي تقع في وادي السيليكون، عالم استخدام العملات الرقمية في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تسعى إلى إصدار عملتها الخاصة التي تعرف باسم "ليبرا" في أسرع وقت ممكن.

بالنظر إلى قاعدة مستخدمي فيسبوك الواسعة، يمكن لعملة ليبرا أن تقلل من فعالية منصة دوروف إلى مرحلة لاحقة إذا نجحت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية في تأخير إصدار شبكة التلغرام المفتوحة (تون).

في الواقع، يتعارض نهج فيسبوك في استخدام المعاملات الرقمية على مواقع التواصل الاجتماعي، بشكل مطلق مع دوروف، ذلك أن التركيز يكون على الشبكات المركزية والخاصة (أو "المرخصة") التي تدعمها الأصول التي تسيطر عليها جمعية ليبرا، وهي مجموعة من الشركات مقرها في جنيف تابعة للشبكة الاجتماعية.

وهذا يتناقض بشكل صارخ مع رؤية تلغرام لدفتر الأستاذ الرقمي اللامركزي الموجود في نظام بيئي مملوك لمستخدميها فقط، وهو ما يتوافق مع كيفية عمل العملة الرقمية منذ إنشائها.

في حين يبدو أن التأخير المحتمل الناجم عن قضية هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، على الأقل بشكل ظاهري، يؤثر على شركتين رئيسيتين تتنافسان على تاريخ إصدار العملة الرقمية، فإن هذا السباق في الواقع يتمحور حول الرؤية التي ستحدد مستقبل كيفية إرسال واستلام الأموال عبر الإنترنت.

عمالقة يعملون من أجل الحرية

لا تعد "تون" سوى أحدث محاولات دوروف لاستخدام التكنولوجيا لإعادة تشكيل آفاقنا على الإنترنت، التي تتوافق مع مفهومه المثير الجدل التحرري للحرية. قبل تلغرام، أسس دوروف شبكة اجتماعية روسية تعرف باسم فكونتاكتي، مع شقيقه عالم الرياضيات نيكولاي وخلال سنة 2006، قام بإصدار الموقع وتميز بقدراته العالية على تبادل الملفات، مما جعله بمثابة قائمة من المحتوى الإعلامي الذي يتراوح بين الميمات غير المؤذية وصولا إلى المواد الإباحية المتطرفة.

بالنظر إلى أن الموقع كان بمثابة نسخة مشابهة تقريبا لموقع فيسبوك، فقد كان بمثابة تحدي واضح للشركة الأمريكية وقانون حقوق التأليف والنشر الغربي. اعتنى نيكولاي بالجهة الخلفية للتشفير في حين تقمص بافيل دور رجل أعمال رهيب وشقي وقائد عملاق. 

أضحى تلغرام (ودوروف نفسه) من الرموز العصرية للمعارضة الروسية، ومن رموز مقاومة الاستبداد بشكل عام

في الحقيقة، كان هذا في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أي قبل عهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي نصّب نفسه قوة استبدادية تضغط على القوانين من أجل سيادة الإنترنت، وفرض الرقابة الحكومية وعقوبات ضد "الدعاية الجنسية المثلية". كانت روسيا على وشك تخطي عتبة التسعينيات من القرن الماضي، وهو عقد اتسم بإلغاء الضوابط التنظيمية العنيفة التي صوّرت البلاد على أنها "براري الشرق"، حيث كان رواد الأعمال يشاركون في مسابقات يظفر فيها الفائز بكل شيء، وعلى الرغم من أن الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها البلاد كانت هائلة، إلا أنها مثلت أرضية خصبة مواتية لظهور التقنيين الشباب الأذكياء مثل دوروف في العقد القادم.

منذ قدوم بوتين إلى السلطة سنة 2011، تغيرت الكثير من المعطيات. بعودته إلى الرئاسة بعد أن تبادل المنصب مع رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف (الذي أطيح به الشهر الماضي)، تخلى بوتين عن التقارب مع الغرب وصاغ نهجا يتسم بالاستبدادية على نحو متزايد. وجد دوروف، الذي كان راضيا حتى ذلك الحين ويسخر من كثرة القواعد التنظيمية الغربية، نفسه يؤكد تفضيلاته الليبرالية للحرية مرة أخرى، لكن هذه المرة ضد حكومته.

نتيجة لذلك، استبعد دوروف من فكونتاكتي، فيما أسماه خطوة من تدبير هيئات رسمية، وربما أجهزة المخابرات الروسية. منذ ذلك الحين، عاش هو ونيكولاي في المنفى الفاخر، وهما يقسمان الوقت بين برلين ودبي ويستعملان جوازات السفر التي تحصّلا عليها من سانت كيتس ونيفيس، وهي دولة تدعم الميول الاجتماعية السلطوية وتقدم فرصة لرجال الأعمال لشراء الجنسية.

أثناء إقامته في الخارج، أسس تطبيق تلغرام الناجح، باستخدام أدوات التشفير التي استخدمها النشطاء المدنيون والإرهابيون على حد سواء. جذب هذا التطبيق انتباه دول مثل إيران وروسيا، التي حاولت حظر التطبيق بعد رفض دوروف تسليم مفاتيح تشفير رسائلها أو إنشاء باب خلفي، وكانت هذه الخطوة فاشلة إلى حد كبير نظرًا لأن تطبيق تلغرام كان متجذرًا في هياكل الإنترنت لدرجة أن محاولات الكرملين لإغلاقه قد انتهى بها الأمر إلى حظر صفحات من أمازون وغوغل وحتى خدماته الحكومية.

تبعًا لذلك، أضحى تلغرام (ودوروف نفسه) من الرموز العصرية للمعارضة الروسية، ومن رموز مقاومة الاستبداد بشكل عام. وساهم ذلك في جلب شراكات غريبة من التحرريين والناشطين الليبراليين الذين رأوا أن بعض الأنظمة تعد ضرورية لحماية حقوق الإنسان الأساسية، ولكن مع تنامي الأصوات المدافعة عن حرية التعبير، انتقل دوروف بسرعة إلى عالم المالية.

تون مقابل ليبرا

أُعلن عن شبكة التلغرام المفتوحة (تون) في أواخر سنة 2017، بعد أشهر من محاولة موسكو الفاشلة لحظر تطبيق المراسلة التلغرام، حيث كانت عملتها تتباهى بتحررها من الأنظمة المصرفية التي جعلت من الصعب إرسال الأموال عبر الحدود. وتسمح عملة غرام الرقمية، التي تعدّ جزءا لا يتجزأ من النظام البيئي الجديد لتطبيق المراسلة تلغرام والمعززة بواسطة قاعدة البلوكشين، بإجراء تحويلات بسهولة تامة مع اختيار الرموز التعبيرية، وعموما، كان المستثمرون على استعداد لشرائها. 

استفاد موقع "فكونتاكتي" من نجاح فيسبوك وأضاف ميزات المشاركة التي لم يسع للشركة الأميركية تقبّلها

في الواقع، جمع عرض العملة الأولي لشبكة التلغرام المفتوحة 1.7 مليار دولار، حيث كان من أنجح العروض الأولية في ذلك الوقت، وكانت الأموال بمثابة علامة على الثقة، حيث كان المستثمرون يتوقّعون من دوروف تغيير المستقبل مرة أخرى.

في المقابل، كانت شركة فيسبوك تخطط لجمع ثورتها الخاصة في الوقت نفسه تقريبًا، وفي شباط/ فبراير سنة 2018، أي بعد أشهر قليلة من الإعلان الخاص لشركة تلغرام، اجتمعت الموظفة في شركة فيسبوك، مورغان بيلر، مع خبراء التشفير لتوضيح الأفكار المتعلقة بالعملة الرقمية التي سيطلق عليها في النهاية اسم ليبرا.

تماما كما تبنى الليبرالي دوروف النزعات المتصيّدة التي دُمجت في رؤية شبكة التلغرام المفتوحة عملات غرام الرقمية الخاصة بها، لم تساعد توجّهات عملاق التكنولوجيا فيسبوك نحو المركزية (بل وحتى الإدارة الجزئية) عملة ليبرا إلا بشكل سطحي، وعلى الرغم من أن شبكة التلغرام المفتوحة ستعمل كسجل حسابات تشفيرية رسمية ومستقلة مُنشأة من قبل مستخدميها، إلا أن قاعدة البلوكشين الخاصة بعملة "ليبرا" ستُطلق تحت إشراف جمعية "ليبرا"، وهي عبارة عن اتحاد يضم 28 شركة مالية كبرى بما في ذلك "باي بال"، و"لايفت"، و"إيباي". في الحقيقة، ستكون لهم السيطرة المطلقة، كما سيقررون الأسئلة التنظيمية في المستقبل. 

في المقابل، لم يكن ذلك سوى التحرك الأخير في الخلاف المستمر بين الشركتين. بعبارة أخرى، استفاد موقع "فكونتاكتي" من نجاح فيسبوك وأضاف ميزات المشاركة التي لم يسع للشركة الأميركية تقبّلها. من جهته، وضع دوروف تطبيق المراسلة الخاص به باعتباره بديلا أكثر أمانًا من تطبيق واتساب التابع لشركة فيسبوك، والذي استمر في انتقاده بعد أن أوقفت شكوى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية مشروع إطلاق شبكة التلغرام المفتوحة في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

من جهة أخرى، إذا كانت شركة فيسبوك جديرة بالثقة، فإن منتجات دوروف كانت متقدّمة بشكل كبير، وعلى الرغم من إعلان عملاق التكنولوجيا الأمريكي في نهاية المطاف عن عملة ليبرا، إلا أنها كانت متخلّفة بشكل ملحوظ في السباق. في المقابل، لا يزال هذا العملاق يتمتع بميزة كبيرة تتمثل في قدرته على استخدام استخدام العملات الرقمية في مواقع التواصل الاجتماعي التي تعود لمليارات المستخدمين، مما سيمكن الشركة من تحديد مستقبل التكنولوجيا. في المقابل، كان الطريق إلى إعلان الإطلاق سلسًا بالنسبة لكلا الطرفين.

الانتكاسات الرئيسية لاستخدام العملات الرقمية

في حين تتباهى كل من الشركتين برؤى مثالية لثورة في عالم التكنولوجيا النهائية، إلا أن كلا الطرفان وقعا في جملة من العقبات التنظيمية خلال مرحلة الإطلاق، ومن المؤكد أن شبكة التلغرام المفتوحة تمر بفترة صعبة، حيث تغيّرت تواريخ الإطلاق من أواخر سنة 2018 إلى ربيع سنة 2019 ثم إلى شهر تشرين الأول/ أكتوبر من تلك السنة، مما دفع بالبعض إلى التساؤل عما إذا كان فريق البرمجة التابع لنيكولاي يملك كل الإمكانيات للتسليم. من جانبه، أودع دوروف كل المصاريف خلال الإطلاق المقرر في شهر تشرين الأول/ أكتوبر، وهو تاريخ سيضطر بعده إلى إعادة الاستثمارات المكتسبة من شبكة التلغرام المفتوحة. ويُذكر أن هذا هو الوقت الذي اتخذت فيه هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية خطوتها للإيقاف.

في هذا الصدد، عرقل أمر المحكمة الصادر عن المنظمة التنظيمية تحركات دوروف وأوقف الإطلاق بشكل منفصل، وفي حين أن معظم المستثمرين التابعين له أثبتوا ولاءهم (أو فضولهم) بما يكفي لعدم سحب أموالهم، عُرض دوروف على المحكمة للاستجواب في دبي في أوائل كانون الثاني/ يناير. والجدير بالذكر أن جلسة الاستماع المطولة بدأت يوم الأربعاء الماضي ولم تسفر عن أية نتائج، حيث استمر الجانبان، كالمعتاد، في تراشق التهم.

قد يكون لدى الشركات الأصغر والأكثر مرونة ما يلزم لتحديد مستقبل الثورات

كان لفيسبوك سبب للابتهاج وتنفس الصعداء، لكنه واجه مشكلات في الفترة التي سبقت إطلاق العملة الرقمية. لقد بدأ الداعمون الرئيسيون لجمعية ليبرا المكونة من 28 عضوًا في التخلي عن المشروع بسبب مشاكل تنظيمية وغيرها، بما في ذلك شركات مثل فيزا وماستركارد وسترايب.

كما أعلن الساسة الأمريكيون عن تنامي مخاوفهم في ظل فضائح فيسبوك المستمرة، حيث أعلنت ممثلة ولاية كاليفورنيا ماكسين ووترز: "لقد توصلت إلى استنتاج مفاده أنه سيكون من مصلحة الجميع أن يركز فيسبوك على معالجة أوجه القصور والإخفاقات القائمة قبل متابعة مشروع ليبرا". وفي الحقيقة، لا تواجه ليبرا نفس المشاكل القانونية التي تواجهها العملة الرقمية "غرام"، لكنّ هذه الانتكاسات مع ذلك تثبت وجود تهديد وجوديّ.

رغم استمرار بافيل دوروف في التغلب على المشكلة، بعد الفوز في قضية في مواجهة هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية التي طالبته بالإفصاح المالي، وجد نفسه في أوائل شهر كانون الثاني/ يناير مجبرا على إصدار بيان يعد الأول من نوعه يعترف فيه رسميًا بوجود أزمة، معلنا أنه لن يتم إرفاق ميزة المحفظة الرقمية بتطبيق المراسلة عند إطلاقها. وأضاف أنّ هذا الشرط يعتبر مبدئيا فقط مادامت جلسة الاستماع مستمرة، لكن يمكن أن يتراجع عن الابتكار الرئيسي الذي اقترحه في المقام الأول.

منذ ذلك الحين، سعت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية إلى تقويض شرعية عروض العملات الأولية البالغة قيمتها 1.7 مليار دولار، التي تعتمد عليها الشركة.لكن مازال الأمل قائما بالنسبة لشبكة تلغرام المفتوحة، حتى لو اعترضت تلغرام عقبات بشكل متزايد.

في نهاية الأسبوع الماضي، شكّلت مجموعة من الداعمين، بما في ذلك المستثمرون وموظفو تلغرام، مجتمع شبكة تلغرام وهي هيئة مستقلة تهدف إلى تفعيل عناصر من وظائف شبكة تلغرام المفتوحة في حال وقع عرقلة تلغرام من الناحية القانونية، وأصدرت الشركة نسخة جديدة من تقريرها الرسمي تؤكد فيه استقلالها عن المنصة وإمكانية الهيئات الأخرى مواصلة العمل.

يتناقض هذا النوع من المرونة مع مقاربة فيسبوك، وقد يكون في النهاية هذا ما سيسمح لشبكة التلغرام المفتوحة بالانتصار. في عصر أصبحت فيه أكبر الشركات في صناعة تكنولوجيا المعلومات متضخمة على نحو متزايد، ناهيك عن تورطها في مسائل الخصوصية والسيادة الرقمية وضمان مسؤولية البيانات، قد يكون لدى الشركات الأصغر والأكثر مرونة ما يلزم لتحديد مستقبل الثورات مثل تشفير بيانات مواقع التواصل الاجتماعي.

إذا كان الأمر كذلك، فقد تمثل سنة 2020 سنة إحداث التغيير في مجال التكنولوجيا المالية إلى الأبد، وقد تحدد جلسة الاستماع المتعلقة بشبكة التلغرام المفتوحة التي ستعقد هذا الشهر لمن سيسمح بتحديد المستقبل.

المصدر:  فاست كومباني