ترجمة وتحرير: نون بوست

بعد الإعلان عن آخر سلسلة من العقوبات الأمريكية المفروضة على روسيا السنة الماضية، حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن روسيا ستنتقم في الوقت والمكان الذي تختاره. قد يبدو إفشال اتفاق أوبك بلس وإثارة حرب لتحطيم الأسعار مع المملكة العربية السعودية، طريقة غريبة ومحيرة للرد، لكن قد تكون هناك استراتيجية وراء هذا الجنون. أعتقد أن الكرملين يراهن على أنه بحلول نهاية السنة، سيكون قادرًا على التصدّي للولايات المتحدة وإعادة بناء شراكته مع السعودية.

بالإضافة إلى ذلك، تتمثل أحد العيوب الرئيسية للسياسيين الأمريكيين في عادتهم السيئة في المجاهرة بالإعلان عن استراتيجياتهم قبل أشهر أو حتى سنوات، مما يوفر لخصومهم الكثير من الوقت للاستعداد. على مدى السنتين الماضيتين، أوضح أعضاء الكونغرس بشكل قاطع أن مشاريع خطوط الأنابيب الروسية العابرة لأوكرانيا، ترك ستريم وخط أنابيب نورد ستريم 2، لا بد أن تخضع لفحص دقيق.

من جهتها، حاولت موسكو الإسراع في إنجاز هذه المشاريع قبل أن تتمكن عملية تشريعيّة أمريكيّة بطيئة من استكمال إقرار سلسلة أخرى من الإجراءات العقابية. يُذكر أنه وقع الانتهاء من بناء خط أنابيب ترك ستريم في الوقت المحدد، وهو ينقل في الوقت الراهن الطاقة الروسية إلى تركيا وجنوب أوروبا. وفي غضون ذلك، كان بناء خط أنابيب نورد ستريم 2 سيكتمل في الوقت المناسب لو لم يتخذ الدنماركيون إجراءات لحماية البيئة، أخّرت العمل على "نورد ستريم" لفترة طويلة كانت كافية لفرض الولايات المتحدة للعقوبات في اللحظات الأخيرة.

حتى مع هذه المساعدة، وبفضل الخلاف مع الدنمارك حول بيع محتمل لجرينلاند، تلقّت موسكو تحذيرا مسبقا يُفيد بضرورة تركيز المتعاقدين الأوروبيين في المقام الأول على الأجزاء التقنية الأكثر صعوبة في الخط. من جهتها، تمتلك شركة غازبروم القدرة التقنية اللازمة لإنهاء الخط، على الرغم من أنها لن تنهي مهامها في وقت متأخر عن الموعد المحدد. ولكن من المرجح أن يكتمل خطّ "نورد ستريم" بحلول نهاية سنة 2020. وعلى الرغم من أن التأخير كان كافيا لإرغام روسيا على الاستمرار في استخدام أوكرانيا في نقل بعض الصادرات، إلا أن موقف موسكو في أسواق الطاقة الأوروبية لا يزال على حاله.

على الرغم من خفض السعودية لتكاليف إنتاج الطاقة، إلا أن الرياض لم تتمكن من الاستمرار في حرب أسعار طويلة الأمد بسبب المطالب الهائلة المفروضة على الميزانية السعودية

في البداية، كانت الاستراتيجية الأمريكية خلال فترة ولاية إدارة أوباما الثانية تتمثل في تشجيع المملكة العربية السعودية على تكرار أدائها خلال الثمانينات باستخدام قدرتها على فرض السيطرة وخفض الأسعار من أجل إعاقة المنتجين الروس وإجبار موسكو على التراجع عن جهودها في أوكرانيا وسوريا. وعلى الرغم من خفض المملكة العربية السعودية لتكاليف إنتاج الطاقة، إلا أن الرياض لم تتمكن من الاستمرار في حرب أسعار طويلة الأمد بسبب المطالب الهائلة المفروضة على الميزانية السعودية. كما تحولت المملكة العربية السعودية بشكل كبير بعيدا عن المنافسة مع روسيا بغية إرساء استراتيجية جديدة للتنسيق معها.

في نهاية المطاف، أصبحت الرياض وموسكو بمثابة المحور الرئيسي لترتيب "أوبك بلس"، الذي كان مصمما لتثبيت استقرار أسواق الطاقة العالمية ووضع "أرضية" محددة لأسعار الطاقة. ومقابل تعاونها، تتوقع موسكو من المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى توجيه التدفقات المالية التي أعاقتها عقوبات أمريكية وأوروبية إلى الاقتصاد الروسي. (كان شراء قطر لحصة صغيرة في شركة روسنفت الروسية المملوكة للدولة مثالا على هذا النهج).

مع ذلك، كان ضعف هذا النهج هو الطبيعة الأساسية لقطاع الطاقة في الولايات المتحدة. بعبارة أخرى، كان المنتجون الأمريكيون على استعداد للاستفادة من ارتفاع الأسعار وسد الفجوات عندما خفضت روسيا والسعودية إنتاجهما. وعندما امتنعت الولايات المتحدة عن المشاركة في ترتيب أوبك بلاس، ستبقى مشاركة روسيا المستمرة معتمدة إلى حد كبير على ما إذا كانت المملكة العربية السعودية ستواصل تحفيز انصياع موسكو.

لقد شهدنا خلال الأشهر القليلة الماضية تشددًا جديدًا في سياسات الكرملين، حيث تبدي روسيا استعدادها للمجازفة بالتصعيد سواء من أجل اكتساب موطئ قدم أو تشويه سمعة الولايات المتحدة. وعموما، شاهد العالم تجلّي هذا النمط في سوريا من خلال المواجهة التي جمعتها بتركيا على مدى الأسابيع القليلة الماضية. لقد ضغط الروس عبر بعض الخطوط الحمراء الخاصة بأنقرة، ثم تركوا تركيا تلاحظ إلى أي مدى يمكنها الاعتماد على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. بعد ذلك، توجّه الرئيس رجب أردوغان إلى موسكو لإعادة فتح المفاوضات مع فلاديمير بوتين.

يبدو أن روسيا مستعدة للانخراط في اختبار ضغط مهم حول نهج تصدير الطاقة الذي تعتمده الولايات المتحدة، والذي سيصبح بمثابة حرب أسعار طويلة الأمد

شعر منتجو الطاقة الروس أنهم كانوا الطرف الخاسر منذ إبرام الصفقة بين موسكو والرياض. لقد كانوا يجادلون بصوت عالٍ منذ سنة بأنه يجب على روسيا الخروج من الصفقة. وتجدر الإشارة إلى أن الذعر الناجم عن تفشي فيروس كورونا كان بمثابة فرصة بالنسبة لهم للقول إن المزيد من التخفيضات في أوبك بلاس لن تساعد على منع انهيار أسعار الطاقة، حيث ستواصل روسيا خسارة حصتها في السوق.

في المقابل، ردت المملكة العربية السعودية من خلال خداع روسيا ووعدها بإنتاج المزيد من النفط لكن بأسعار أقل. لكن لا يزال لدى الروس العديد من المزايا، إذ يمكن للميزانية الروسية تحقيق أهدافها بأسعار أقل بكثير مما تسمح به ميزانية المملكة العربية السعودية. كما يمكن لروسيا زيادة صادراتها من خلال خطوط الأنابيب، بينما تستغرق زيادة المملكة العربية السعودية لصادراتها وقتًا أطول نظرا لأن وصولها للأسواق يكون بواسطة الناقلات المنقولة بحرا. والأهم من ذلك، ستُزاحم المناطق التي يريد فيها السعوديون التنافس مع روسيا للحصول على حصتها في السوق، أي السوق الأوروبية، الصادرات الأمريكية من النفط التي يقع إنتاجها بأكثر تكلفة.

يبدو أن روسيا مستعدة للانخراط في اختبار ضغط مهم حول نهج تصدير الطاقة الذي تعتمده الولايات المتحدة، والذي سيصبح بمثابة حرب أسعار طويلة الأمد. وبالنظر إلى أن إدارة ترامب من غير المحتمل أن تشتري كميات كبيرة من الإنتاج الأمريكي بسعر مرتفع مضمون فيما يتعلق باحتياطي النفط الاستراتيجي، سيواجه المنتجون الأمريكيون احتمال انخفاض الإيرادات، بحيث لن يعود من المنطقي أن تظل الأعمال قائمة.

من المحتمل أن تستوعب شركات الطاقة الكبرى بعض المشاريع، التي يمكن أن تجعل اقتصاداتها الكبيرة بعض المشاريع فعالة من حيث التكلفة. في المقابل، من المرجح أن يتراجع الإنتاج الكلي للولايات المتحدة. وفي حال تولّى جو بايدن منصب رئاسة الولايات المتحدة خلال شهر كانون الثاني/ يناير سنة 2021، فيمكن أن يتوقع الأمريكيون عودة الكثير من اللوائح البيئية المتعلقة باستخدام الأراضي التي كانت قائمة في عهد أوباما. وسيساهم ذلك في زيادة الإنتاج وبناء المزيد من البنية التحتية للتصدير. من هذا المنطلق، لسائل أن يسأل هل سيكون السعوديون أكثر ميلاً للعودة إلى المساومة مع موسكو؟ ربما يعتمد إبرام صفقة جيدة على مدى تأثر العلاقات الأمريكية السعودية خلال حرب أسعار الطاقة الطويلة.

دخلت روسيا في حرب أسعار النفط بغية تحقيق هدفين رئيسيين؛ وهما إفلاس المنتجين الأمريكيين وإظهار حدود الدعم الأمريكي للرياض

من المرجح أن يجد الأمير محمد بن سلمان، الذي يتلقى النقد على الصعيد السياسي في واشنطن، صعوبة في متابعة عمليات الشراء السعودية الكبرى للسلع والخدمات الأمريكية في سياق المنافسة على الأسعار. ومن المحتمل أن يجد ولي العهد أن الولايات المتحدة أصبحت أقل استعدادًا لفتح المجال أمام السعوديين.

علاوة على ذلك، إذا فقدت روسيا الدافع لتكون قوة زجرية ضد إيران، ستضع الولايات المتحدة حدودًا فيما يتعلق بالنفوذ الذي ترغب في فرضه على طهران، الأمر الذي يصب في مصلحة الرياض. وفي الحقيقة، لن يؤدي اندلاع أزمة أخرى في الخليج العربي إلى زيادة أسعار الطاقة فحسب، بل سيعزز الموقف الروسي بحيث يكون طريقها الشمالي بمثابة رهان لتصدير منتجات الطاقة بشكل أكثر أمانا.

تبعا لذلك، دخلت روسيا في حرب أسعار النفط بغية تحقيق هدفين رئيسيين؛ وهما إفلاس المنتجين الأمريكيين وإظهار حدود الدعم الأمريكي للرياض. وبفضل فريق موهوب في وزارة المالية في البلاد، تملك روسيا المدخرات اللازمة لتحقيق هذا الهدف. كما تعلّم بوتين درسا من طريقة إدارة ترامب للحروب التجارية يتمثل في أن يكون مستعدًا لتقبل حدوث أضرار قصيرة الأجل إذا ما كنت تعتقد أن خصومك سيضطرون للتنازل. وربما تظل هذه الافتراضات قائمة في الأسابيع والأشهر القادمة.

المصدر: ناشيونال إنترست