تاريخ دموي للروس في آسيا

واصل الروس التنكيل بكل ما يتعارض مع توجهاتهم الاستعمارية، وكان للمسلمين النصيب الأكبر من تلك الجرائم التي وثقتها صحف التاريخ بأنها الأبشع في تاريخ الإنسانية خلال القرون الثلاث الأخيرة، حيث أذاق السوفيت، قياصرة كانوا أو شيوعيون، مسلمي آسيا العذاب كؤوسًا وألوانًا.

فبعد أن أطاحوا بما يزيد على 4 ملايين مسلم في شبه جزيرة القرم في مجازر خلفت وراءها صورًا بشعة من الانتهاكات وصلت إلى درجة أن الجثث لم تجد من يدفنها، وانتشرت الأوبئة التي أودت بحياة القتلة الروس أنفسهم، انكبوا على شعب تركستان، وكلما قامت ثورة إسلامية أو حركة قومية تطالب بالاستقلال انقضوا عليها وأخمدوها بأقسى الطرق.

115عامًا كاملة وقعت فيها تركستان أسيرة الغزو السوفيتي (1967 - 1991) عاش شعبها خلال هذه الفترة تحت حكم القياصرة الروس وسطوة كنيستهم الأرثوذكسية، دفعوا فيها ثمنًا باهظًا من حياتهم ودمائهم ومعاشهم، لسياسات همجية استهدفت كل ما له علاقة بالإسلام والمسلمين.

حتى بعد استقلال تركستان في أعقاب سقوط الاتحاد السوفيتي وانقسامها إلى خمس جمهوريات إسلامية (كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان وقيرغيزستان) لا تزال تعاني من هذا الميراث الشيوعي الدموي الذي أجهض حلم الملايين من سكان تلك المنطقة وحول حياتهم إلى مأساة تتوارثها الأجيال تلو الأخرى.

وتحد تركستان الغربية (تركستان الشرقية تحت سيطرة الصينيين) جبال أورال في الشمال وجبال هندكوش وبامير في الجنوب وجبال تيان شان في الشرق وبحر الخزر "قزوين" في الغرب، وتسكن هذه المنطقة عدد من القبائل التركية أبرزها: الكازاخ والقيرغيز والتركمان والأوزبك.

مطمع للقياصرة

يضرب الإسلام بجذوره العميقة في تركستان، فهي بلد إسلامي من الطراز الأول، منذ الفتح الإسلامي لها على يد القائد قتيبة بن مسلم الباهلي 88-96 هـ، الذي أدخل الإسلام للجانب الشرقي من البلاد حتى انتقل إلى جانبها الغربي، وفتح بعض أجزائها ومن بعده بدأت ثمار الاتصال الحضاري بين الإسلام والحضارات الأخرى الموجودة بالمنطقة.

وبقدوم عام 943 أدان شعب تركستان بالكامل بدين الإسلام تحت قيادة زعيمهم ستوق بغراخان خاقان الإمبراطورية القراخانية، الذي كان إسلامه فاتحة خير على البلاد، إذ أسلم معه أكثر من مئتي ألف عائلة، أي ما يقارب مليون نسمة، لتتحول هذه المنطقة بعدها إلى أحد أبرز منارات الإسلام وأكثرها ضياءً.

وفي عهد هارون بوغراخان حفيد ستوق بغراخان توسعت رقعة البلاد فشملت أجزاءً من تركستان الغربية، بجانب التطور التي شملها في العديد من المجالات الحضارية، وكتبت اللغة التركستانية باللهجة الإيغورية لأول مرة بالحرف العربي وكانت أوقاف المدارس تشكل خمس الأرض الزراعية، وقد تلقب هارون بن موسى هذا بلقب شهاب الدولة وظهير الدعوة ونقش هذا اللقب على النقود التي سكت في عهده سنة 332هـ - 992م.

ومع مرور الوقت تحولت تركستان إلى إحدى قواعد المعرفة والعلم في العالم الإسلامي، وأخرجت علماء في مختلف العلوم والفنون، وكانت منطقة الشاش مقر العلماء، وهي اليوم طشقند، ومنها أبو بكر القفال الشاشي ومحمد بن علي بن إسماعيل الشاشي، المولود سنة 291 والمتوفي سنة 365، من أكابر علماء عصره بالفقه والحديث واللغة والأدب، وهو أول من صنف الجدل الحسن من الفقهاء، وعنه انتشر مذهب الشافعي في بلاده.

ونظرًا لكون هذه البلاد من أغنى بقاع المنطقة بالموارد والثروات الطبيعية، فهي تمتلك الكثير من احتياطي البترول والغاز الطبيعي والذهب واليورانيوم والأحجار الكريمة والنفط خفيف الكثافة، وهو من أجود أنواع النفط، وما تتمتع به من خصوبة الأرض وتنوع الطقس والثروات الزراعية، إلى جانب الثروات في بحر قزوين، فضلًا عما تتمتع به من أهمية إستراتيجية، تتمثل في كونها عقدة الوصل بين الصين وشرق آسيا شرقًا، وبحار الجنوب والمنافذ لمنطقة الخليج والنفط، فكانت مطمعًا لقياصرة السوفيت في هذا الوقت وما لبثوا أن أحكموا قبضتهم عليها.

إمبراطور روسيا، نيقولا الثاني

نيقولا الثاني إمبراطور روسيا

الغزو السوفيتي

في القرنين الـ18 والـ19، وبعدما نجحت تركستان في فرض نفسها حضاريًا، داخل آسيا وخارجها، وقعت تحت سيطرة الإمبراطورية الروسية، وذلك حين أعلن قياصرة روسيا إنشاء ولاية تركستان الروسية في مدينة طشقند (العاصمة)، يوليو 1867، وذلك بعد حرب دامت سنوات طوال، احتل فيها الروس مدن ومناطق البلاد واحدة تلو الأخرى.

ورغم التوثيق التاريخي لغزو السوفيت لتركستان في 1867، فإن مساعي الاستعمار تعود إلى مئتي عام قبل هذا التاريخ، وبالتحديد عام 1587 حين بنى الروس حصنًا على نهر الإرتيش الذي ينبع من الصين ويتجه شمالًا داخل روسيا، وذلك بهدف حماية الطريق التجاري بين الصين وروسيا.

لكن المحاولات الجادة لعملية الغزو بدأت بالفعل في عهد القيصر بطرس الأكبر (1682-1725) الذي جلس على عرش روسيا، وهو في العاشرة، حيث أرسل عام 1714 قوة عسكرية كبيرة حاولت إنشاء قاعدة لها على نهر الإرتيش في مناطق الجونغار، وهم إحدى قبائل المغول البوذية، إلا أنهم طُرودا، ليعيدوا المحاولة مرة أخرى بعد 6 سنوات، حيث كان الجونغار قد دخلوا في نزاع مع الصين أضعفهم كثيرًا، فلم يتعرضوا للروس الذين استغلوا ذلك وبنواعدة حصون على النهر.

عام 1934 قتل الشيوعيون في تركستان مئة ألف مسلم من أعضاء الحكومة المحلية والعلماء والمثقفين والتجار والمزارعين، فيما ألقى الروس القبض على 500 ألف مسلم

وبعد عشرات المحاولات الاستعمارية لاحتلال مناطق متفرقة من البلاد، تعرضت فيها القوات الروسية لخسائر وهزائم متعددة، إلا أنها في نهاية الأمر استطاعت إحكام قبضتها على العديد من المدن المهمة التي معها فرضت قبضتها بصورة شبه كاملة على مقدرات الدولة التركستانية.

ومع قيام الثورة البلشفية 1917، وكما حدث في المستعمرات الأخرى، وعد البلاشفة الماركسيون وقائدهم لينين المسلمين بالاستقلال والحرية في حال وقوفهم مع الثورة الشيوعية ضد الحكم القيصري، وقد استجاب المسلمون بالفعل ودعموا الجيش الأحمر حتى انتصاره وتأسيسه الاتحاد السوفيتي.

وحين أراد التركستانيون الاستقلال، تنفيذًا للوعد الذي قطعه البلاشفة على أنفسهم، سرعان ما تم الانقلاب عليهم، فأقام الشيوعيون مذابح بشعة بحق المسلمين، لعل أبرزها ما حدث عام 1920، وزادوا من قبضتهم الحديدية على البلاد فدمّروا المساجد والمدارس الدينية، وأفرطوا في الدعاية لأفكار ماركس في النوادي والمدارس والوسائل الإعلامية.

وما إن وضعت الحرب العالية الثانية أوزارها، اتهم ستالين المسلمين بالتحالف مع النازية والتآمر مع الغرب، فمارس الشيوعيون من جديد كل وسائل التعذيب والتنكيل بالمسلمين، واستمرت الأوضاع في تدهور وانقسم المسلمون في تركستان الغربية إلى جمهوريات اشتراكية تابعة لموسكو تحكم بالنار والحديد، ولم يجد المسلمون طريقة لحفظ دينهم وثقافتهم إلا ببناء مدارس قرآنية تحت الأرض بعيدًا عن أعين الماركسية.

حتى بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991م، خلَّفت الشيوعية في تركستان آثارها الفظيعة، حيث ورَّثت جمهوريات آسيا الوسطى هناك نُظم علمانية متوحشة أسستها الماركسية من قبل، وقد استغلت القوى الغربية زوال سلطان الشيوعية فتدخَّلت في تركستان واستمالت بعض النخب النافذة هناك إلى صفها وتقاسمت البعض الآخر مع الروس، لتبقى تركستان الغربية في معاناتها تحت الهيمنة الغربية والروسية على حد سواء.

ثورة البلاشفة

مذابح لا ينساها التاريخ

في وصفه عن الروس ونزعاتهم الدموية العنصرية يقول الرحالة بن فضلان "بأنهم أكثر خلق الله جهلًا، وهم على عكس جيرانهم من البلغار، فقد ظلوا على الوثنية، وهم سفاكون للدماء، مولعون بالحروب، سرعان ما تنشب بينهم الحروب والنزعات الدموية، وتتفشى فيهم السرقة، ويكثر القتل، حتى أصبح عادة شائعة عندهم، وفي عرفهم أن الحكم النهائي للقوة، فإذا احتكموا إلى ملكهم، ولم يقتنعوا بحكمه يطلب منهم المبارزة بالسيوف".

مارس الشيوعيون في تركستان العديد من صور التعذيب والتنكيل وعشرات المذابح، منها ما وصل لمرحلة الجرائم ضد الإنسانية وأخرى تعدى مراحل الإبادة الجماعية، فيما وقف بعضها عند حاجز التهجير القسري لشعب بأكمله، وهو ما توثقه صفحات التاريخ التي تؤكد كل يوم أن مثل هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم.

ففي عام 1934 قتل الشيوعيون في تركستان مئة ألف مسلم من أعضاء الحكومة المحلية والعلماء والمثقفين والتجار والمزارعين، فيما ألقى الروس القبض على 500 ألف مسلم، وعدد من الذين استخدمتهم في الوظائف الحكومية، ثم أعدمت فريقًا، وأرسلت فريقًا آخر إلى مجاهل سيبيريا بين عامي 1937 - 1939.

بلغ مجموع المساجد التي هُدِّمت أو حُوِّلت إلى غايات أخرى في تركستان وحدها 6682 جامعًا ومسجدًا

وفي 1949هرب ألفان من التركستانيين، ولقي 1200 من هذا الفريق حتفهم وهم في الطريق إلى الهند، وفي 1950 قُتل نحو 7 آلاف مسلم من البلاد فيما تم نفي 300 ألف آخرين، ومنذ 1919 وحتى اليوم تجاوز عدد من تهجر من تركستان قرابة مليونين ونصف من المسلمين.

وخلال الفترة من 1932م إلى 1934 لقي ثلاثة ملايين تركستاني حتفهم جوعًا، نتيجة استيلاء الروس على محاصيل البلاد وتقديمها إلى الصينيين الذين أدخلوهم إلى تركستان، هذا بخلاف نفي 40000 مسلم إلى أوكرانيا وأواسط روسيا، فاندمجوا في تلك الشعوب وفقدوا وطنهم الأصلي.

وفي سياق التنكيل بالمسلمين هناك، هدم الروس المساجد وحولوها إلى دور للهو بجانب إغلاق المدارس الدينية، حيث بلغ مجموع المساجد التي هُدِّمت أو حُوِّلت إلى غايات أخرى في تركستان وحدها 6682 جامعًا ومسجدًا، منها أعظم المساجد الأثرية مثل (منارة مسجد كالان) في مدينة بخارى و(كته جامع) في مدينة قوقان و(جامع ابن قتيبة) و(جامع الأمير فضل بن يحيى) و(جامع خوجه أحرار) في مدينة طشقند.

علاوة على غلقهم 7052 مدرسة وكتّاب في مختلف مناطق البلاد، منها: (ديوان بيكي مدرسة) في مدينة بخارى، و(بكلريك مدرسة) و(بران حان مدرسة) في مدينة طشقند، وغيرها من المدارس التاريخية التي كانت منهلًا من مناهل العلم والعرفان، وهو ما تسبب في انتشار الجهل والأمية بعد ذلك.

كما لجأ الروس إلى إستراتيجية قتل علماء الدين أو نفيهم، أو الحكم عليهم بالأشغال الشاقة، أو منعهم من الحقوق السياسية، بل والحقوق الإنسانية، وإيجاد أي عقبة أخرى تحول بينهم وبين مزاولتهم لمهنتهم، ومن أبرز العلماء الذين قتلوا هناك، الشيخ برهان البخاري قاضي القضاة والشيخ خان مروان خان مفتي بخارى والشيخ عبد المطلب واملا والشيخ محسوب متولي والشيخ عبدالأحد وادخان والشيخ ملا يعقوب والشيخ ملا عبد الكريم وغيرهم كثيرون.

هذا بجانب استهداف الزعماء والقادة السياسيين، ففي عام 1934 قتل الشيوعيون الحاج خوجه نياز رئيس الجمهورية التركستانية ومولانا ثابت رئيس مجلس الوزراء وشريف حاج قائد مقاطعة (ألتاء) وعثمان أوراز قائد مقاطعة (كاشفر) ويونس بك وزير الدولة والحاج أبو الحسن وزير التجارة وطاهر بك رئيس مجلس النواب وعبد الله داملا وزير الأشغال وغيرهم ممن لا يتسع المقام لذكرهم.

وما إن يتحسس الشيوعيون إرهاصات أي محاولة قومية أو إسلامية للاستقلال والخروج عن السيطرة البلشفية، يصفونها فورًا، من خلال حملات معدة لذلك خصيصًا، حملات تستهدف القضاء على كل من تحدثه نفسه بما قد يخالف تعاليم رموز الشيوعيين الثلاث (ماركس، لينين، ستالين).

وهكذا حول الروس تركستان من إحدى قواعد المعرفة والعلم في العالم الإسلامي وقبلة لتجمع حضارات العالم، إلى أطلال دولة خاوية على عروشها، حتى بعد انهيار الإمبراطورية السوفيتية واستقلال البلاد، خلف هذا الاستعمار وراءه ديكتاتوريات علمانية ورثت أساليبه في قمع واضطهاد كل توجه إسلامي ينادي بالتحرر والاستقلال.