ليس هذا الوباء الأول في تاريخ البشر ونتمنى أن يكون الأخير والنتائج بحسب عدد الوفيات في العالم بعد ثلاثة أشهر من ظهوره تعتبر هينة مقارنة بالحمى الإسبانية التي ضربت العالم قبل  قرن، لكنه وباء حل في قمة التطور العلمي الذي وصلته الإنسانية. التطور الذي دفع العالم إلى أقصى حدود الغرور المعرفي حتى ظن أن لن يقدر عليه أحد، فقدر عليه جرثوم وفكك مفاصل العالم، فحشر كل قوم في مربعهم وحشر كل فرد في زاويته إلا متنطع جاهل مستهين بالخطر.

أين نحن والكورونا يحاصرنا؟ إننا بصدد إعادة اكتشاف العالم وإعادة موقعة الإنسان في العالم، فالأسئلة التي فرضها الجرثوم على العقل البشري بدأت بعد ولا نرى لها إجابات شافية ونهائية، لكن هشاشة الإنسان لم تعد قابلة للتغطية بالغرور المعرفي.

التجارة في الصحة 

يمكننا لعن الرأسمالية التي حولت الصحة الإنسانية إلى تجارة، هذا أمر شائع قبل الفيروس لكنه صار الآن حقيقة لا مراء فيها، فالجرثوم خرج من مخبر علمي بحسب المتفق عليه في الأخبار. هل كان المخبر يعد لنا دواءً أم يعد لنا مرضًا؟ لقد كان يعبث مع الطبيعة فأفلت الوضع من بين يديه. هل وصل الأمر بتجار الصحة إلى خلق أمراض ثم خلق أدوية لها لتحقيق المزيد من الأرباح؟ لقد سمعنا هذا الحدث يوم انتشر وباء السيدا (الإيدز) وجنحنا إلى التكذيب، ولكن عودة الحديث عن جرثومة مخبر يرفع درجات الشك في سلامة الفعل البشري المتذرعة بالعلم. لسنا بعيدين عن نظرية المؤامرة برغمنا، أما إذا ثبت فعلًا وجود تلاعب بصحة الإنسان فإن تجار الدواء صاروا أخطر على الإنسانية من صناع السلاح.

يقينا أن التجارة في الدواء جائزة، فلكل صنعة ثمن لكننا نكتشف أن الأمر يتجاوز الخيال التجاري التقليدي الذي يجيز لمخترع أن يبيع اختراعه إلى حالة من اختراع المرض للوصول إلى بيع الدواء، وخلف بيع الدواء بخلق المرض أولًا نرى انحطاط الكائن البشري.

هل هو انحطاط عام؟

وجب أن نوجه أصابع اتهام إلى الرأسمالية المتوحشة، فقد حولت الإنسان إلى بضاعة، نحن بضاعة ولقد تورطنا. هل كان يمكن أن لا نقع في فخ الرأسمالية؟  نحتاج إلى تبرير ضعفنا واستسلامنا إلى ماكينة مدمرة فهل سنستفيق بعد الكورونا؟ هناك أفق تفكير في إعادة اكتشاف الإنسان الضحية في أفق تمرد كوني على عالم رأسمالي بلا رحمة، وسنحتاج للبحث عن بداية وعن فاعلين جدد يكتشفون الطريق إلى الإنسانية من جديد.

الكورونا قد يغير العالم نحو الأفضل (توجد هنا رغبة وأماني مقهورة أكثر من قراءة علمية) لواقع لن يستقر قريبًا لنتعرف فيه على أنفسنا المرعوبة من جديد، ما كل الإنسان تاجر ولذلك سنجد فجوة تفكير مختلفة عن هذا الكائن الاستهلاكي الغبي الذي تقوده الشركات إلى حتفه.

نقف بكل بساطة على نهاية فكر يقوم على وهم السيطرة وبداية فكر واقع التعايش

في قمة الألم نولد الأمل ونتوقع أن ستكون ضربة وعي تهز الوجدان العالمي هزًا قويًا، فيطرح الأسئلة إلى متى يصار بالإنسان إلى حتفه، توجد بوادر وعي نعتقد أنها ستتحول إلى رؤية أخرى للعالم، فالنضال من أجل بيئة سليمة نضال أسس لتقاليد جديدة ولكنه لم ينج من الأحابيل السياسوية التي تنظمها الرأسمالية فتخضع بها أقوى أعدائها وتدجنهم، وكان هذا مصير أحزاب الخضر الأوروبية التي ابتدأت كحركات تمرد لإنقاذ الطبيعة من الشركات وانتهت أحزابًا برلمانية تدافع عن حقوق الطير وتنسى الإنسان في العالم.

بوابة حماية الطبيعة ستتسع من جديد لتعمل على حماية الإنسان من جشع رأس المال، متى يكون ذلك؟ قوة الوباء ستكون محددًا للناجين منه ليكون وعيًا جديدًا وخططًا نضالية مختلفة، فيرد على الإنسان التاجر بيد الإنسان صديق الطبيعة. سنتحدث عن ابستيمولوجيا قديمة وضعت الإنسان في عداء مع الطبيعة وأوهمته بألوهية مزيفة لننظر في ابستيمولوجيا جديدة بخلفية كونفشيوسية ربما أو إسلامية لا تضع الإنسان في موضع العداء بل في موضع الاستفادة أو مطاوعة الطبيعة وحمايتها من نفسه أولًا.

نحن نقف بكل بساطة على نهاية فكر يقوم على وهم السيطرة وبداية فكر واقع التعايش، هل هذا تعسف على الوقائع؟ الحرب تغير الأفكار ومعركة الكورونا في تقديري أخطر من حرب عالمية، إنها حرب على الإنسان فرضتها الرأسمالية، والآن ستكون مرحلة الأسئلة الأساسية فالطريق انتهت إلى كارثة، وليس مثل الكوارث في إثارة أسئلة الوجود.

الإنسان الهش

لا أعني هنا فقدان مناعة الجسد فحسب؛ فما من مناعة كاملة خاصة بعد أن صرنا خرفانًا لشركات التغذية المعلبة، بل أشاهد الإنسان المرعوب الذي تعبث بمشاعره وسائل الإعلام التي تستثمر في التخويف ولا تتوقف عن بث الإشهار بين فقرة رعب وأخرى. هشاشة هي نتيجة مباشرة لحالة فقدان الإرادة أمام موجه خارجي يصنع الخوف ويبيع الطمأنينة، فشركات الإعلام مثل شركات الصيدلة مثل شركات السلاح تنتهج القتل البطيء في إنسان بلا إرادة.

قد تكون مثالية تحاول النجاة من الخوف المهمين ولكن الكورونا لحظة وعي بهذه الهشاشة وهذه النافعة التي تلد من الضارة

لقد كشف الكورونا هشاشة لم نسبر عمقها في لحظات السلم الموهومة، لقد فقد الإنسان مناعته النفسية بالتوازي مع فقد مناعته الجسدية، لم يعد بدائيًا في عيشه فهو في قمة الرفاه المادي (بدرجات طبعًا) ولكنه يعود الآن إلى بدائية مشاعر الخوف والانكماش وتصور مشهد لا فرق هنا بين إنسان بريطانيا وإنسان مصر أو أي بلد فقير. الإنسان الهش يشاهد موته المعلن في التليفزيونات، فالتليفزيونات تعلن موتًا جماعيًا تحت غطاء التغطية الإخبارية لتقدم الطاعون، هل يمكن لهذا الإنسان الفرار؟ 

قد تكون مثالية تحاول النجاة من الخوف المهمين ولكن الكورونا لحظة وعي بهذه الهشاشة وهذه النافعة التي تلد من الضارة، من هذا الوعي بالكارثة الصحية يولد وعي بالأسباب ويدفع إلى فعل مضاد ولو بعد حين، فالعالم على أبواب تغيير كبير وعميق وإن كانت الشركات ستستثمر كالعادة وهي عليمة وخبيرة في الأزمة الاقتصادية التي ستعقب الكارثة الصحية. ولكن إلى حين.

لنقل جزى الله الشدائد كل خير وإن كانت تغصّصّني بريقي.