قبور القتلى خلال الحرب السورية في مدينة القامشلي شمال شرق سوريا

ترجمة وتحرير نون بوست

عندما توفي والدي في نيسان/ أبريل الماضي في بالتيمور، كان قد تخلى أخيرًا عن رغبته في أن يدفن بجانب والديه في مقبرة في دمشق في سوريا. كان لديه الوقت للتفكير في مكان دفنه وهو عبء تحمله لعدة سنوات منذ عرف أنه سيواري الثرى. من الترف أن يظل أمام شخص سوريّ خيار بشأن مكان دفنه.

من الوقاحة أن نذكر فقط موت سوري واحد ورغبات لم تتحقق، في وقت أصبح فيه الموت طريقة الحياة السورية وأصبحت الرغبات غير المحققة وعد الحياة للسوريين. لم يعد أحد محميًا، وحتى المنتصرون خسروا. وبينما يقترب الرئيس السوري بشار الأسد، بمساعدة حلفائه الروس، من الاستيلاء بالكامل على البلاد بشكل وحشي أو بالأحرى باهظ الثمن عن طريق الاقتراب من إدلب، لا يزال هناك طريقة جديدة للموت في صفوف السوريين. ففي الشهر الماضي، أدت برودة الشتاء المريرة إلى مقتل أطفال سوريين نازحين في المنطقة الفاصلة على الحدود التركية. لقد أصبح اليقين بأن السوري سيموت اليوم أو غدًا أو ما بعد غد إيذانا لنشيح بالنظر بعيدًا.

خضع أبي للتشخيص في ربيع 2013، أي قبل الهجمات الكيميائية وقبل التدخل العسكري الروسي والحصار وقبل تجويع مدن بأكملها. حينها لم يكن الاعتقاد بمستقبل سوريا الواعد فكرة ساذجة. كان توقع تطور المرض لا ينذر بخير، لدرجة أننا لم نتوقع أن يتغير وضع سوريا كثيرًا في الوقت الذي غادر فيه. كما أن فكرة دفنه في الأراضي السورية لم تبدو حينها فكرة حمقاء.

لكن أبي تمكن من تجاوز توقعاته تطور المرض في بداية الأمر، من أشهر إلى سنة ثم سنوات. وكلما انتشر المرض في جسده، ساء الوضع في سوريا، وزادت وحشية حكومة الأسد. وقع تهجير السوريين بالملايين داخل البلاد وخارجها، وتحققت الكوابيس مثل كابوس الدولة الإسلامية.

كانت حسابات والدي عن المكان الذي سيُدفن فيه في مراجعة مستمرة، حيث ارتبط   ذلك بحظوظ سوريا المتغيرة. بدأت رغبته في عيش المزيد من الوقت تشمل الأمل في أنه قد يعيش طويلًا بما يكفي ليموت في لحظة يمكن أن يتمكن فيها من أن يُدفن في موطنه الأصلي.

  انتظر والدي أن تتغير بعض المعطيات. عندما لم يحدث ذلك، خطط لتقسيم وقته بين الولايات المتحدة وسوريا بمجرد أن يتقاعد بشكل جزئي ويتطوع كطبيب إذا لم يحدث أي شيء آخر

قبل وقت طويل من كارثة سوريا الحالية، كان والدي يقلص باستمرار من حجم أحلامه المتعلقة بسوريا. لقد غادر بلاده قبل عام من قيام حافظ الأسد بالانقلاب الذي ترتب عنه إرساء النظام الحالي، الذي ظلّ في السلطة منذ ما يقارب عن 50 سنة. مع ذلك، بقيت خطة والدي، على الرغم من تعديلها، لاستكمال تدريبه الطبي في الولايات المتحدة والعودة إلى سوريا لفتح عيادة حديثة والتدريس قائمةً.

في سنواته الأولى في أمريكا، كان يعمل نهارًا في بالتيمور وفي الليل على بعد 100 ميل في ريف ماريلاند من أجل توفير المال لشراء معدات جراحية باهظة الثمن. صعد نظام الأسد، وعزز سلطته من خلال الحملات الشرسة التي كان ينظمها. كان والدي على وشك الحصول على منصب في حلب، لكن قيل له إن عليه الانضمام إلى حزب البعث، الحزب السياسي الوحيد في سوريا، في حال أراد الحصول على الوظيفة.

شرع النظام الجديد في هندسة شعب خاضع قدر المستطاع ونزع الشرعية عن أي معارضة تحت ذراع من قبيل أنها متعصبة دينيا أو ممولة من الخارج أو صهيونية أو إمبريالية. لم يُسمح بتأسيس أي حزب سياسي ولا صحافة حرة ولا مبادرات مستقلة للمجتمع المدني. كان هناك جهاز أمن داخلي واسع النطاق يتجسس على الجميع ويروّعهم. في نهاية المطاف، عارضت والدتي، التي كانت في سوريا في السنوات الأولى من حكم نظام الأسد، أي فكرة متعلقة بالعودة إلى هناك.

لذلك، انتظر والدي أن تتغير بعض المعطيات. عندما لم يحدث ذلك، خطط لتقسيم وقته بين الولايات المتحدة وسوريا بمجرد أن يتقاعد بشكل جزئي ويتطوع كطبيب إذا لم يحدث أي شيء آخر. كان ذلك في نهاية سنة 2010، في بداية ما يُطلق عليه اسم الربيع العربي، عندما كنت بصدد الانتقال إلى دمشق.

في سنة 2011، بعد قمع الأسد الاحتجاجات السلمية من خلال إطلاق قوات الأمن النار على المتظاهرين وموجة من الاعتقالات والتعذيب، كان والدي ليزورني هناك ويسألني ويقول لي بكل يأس عما توقعت أنه سيحدث. وكنت أود أن أطمئنه على أن المستقبل قد وصل أخيرًا إلى سوريا، وأن الركود الطويل في البلاد وفشلها في تسخير مواهب شعبها ووجودها لمجرد إثراء عائلة واحدة وأعوانها يقترب من نهايته. في الوقت الراهن، أضحى هذا التفاؤل والسذاجة غريبان للغاية، حيث لم تسر الأمور على هذا النحو.

  كان الأسد يعرف ما سينجرّ عن إطلاقه النار على المدنيين العزل وكيف سيثير ذلك استياء الرأي العام الدولي

في الواقع، تنتشر الأمراض وتظهر أعراض جديدة، ولكن هناك سبب يؤكد أن الكثير من المفردات الطبية تتعلق بالسبب والنتيجة على حد سواء. لماذا علاج المرض يخلص الجسم من الأعراض ولكن علاج الأعراض يترك المرض يتفاقم. وبالمثل، أنتجت الآمال والطموحات الجريئة للسوريين من أجل بناء سوريا جديدة أورامًا وطفرات.

خلال الاحتجاجات الأولى في سنة 2011، عندما طلب السوريون من النظام كبح جماح فساده ومحسوبيته، ردّ بالرصاص. أخاف عنف الدولة الكثير من الناس وجعلهم يعودون من جديد إلى الخضوع والإذعان، لاسيما أنه بات واضحًا أن المجتمع الدولي غير مهتم بحمايتهم. وليس من المستغرب أن هذا قاد العديد من السوريين الآخرين إلى حمل السلاح.

في الوقت نفسه، أطلق الأسد سراح المجرمين من سجونه الذين من المرجح أن يرتموا في أحضان العنف من أجل التصدي لنظامه، بينما استهدف نشطاء المجتمع المدني والسوريين باعتقالات جماعية واختفاء قسري. كما هو متوق، فسح الحراك السلمي المجال لتفشي العنف. في الأثناء، سعى تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة إلى استبدال حكم الأسد العنيف بنظامهم الاستبدادي.

من جهة أخرى، قدم المقاتلون الأجانب (رفقة زوجاتهم) من جميع أنحاء العالم لفرض أفكار المدينة الفاسدة على السوريين. وأضحى السوريون الذين حاولوا محاربة الديكتاتورية عسكريا خاضعين لفاعلي خير يغيرون ولاءاتهم بسرعة، والذين اشترطوا تقديم دعمهم للمقاتلين السوريين الذين يتبنون رؤاهم لما يجب أن تكون عليه سوريا فحسب.

في الواقع، راهنت الحكومة السورية على هذه النتائج وبذلت كل ما في وسعها لتحقيقها. كان الأسد يعرف ما سينجرّ عن إطلاقه النار على المدنيين العزل وكيف سيثير ذلك استياء الرأي العام الدولي. في المقابل، كان الأسد يعلم أن الغموض الأخلاقي الذي يحوم حول الانتفاضة المسلحة يقترن بخطاب جاهز يتمحور حول "الحرب على الإرهاب" الذي سوف يدمر الفروق الدقيقة، ويجرّد المعارضة من الشرعية والناس من إنسانيتهم، ويساعده على الاستفادة من خوف الرأي العام الدولي من عنف التنظيمات الإسلامية المسلحة، الذين فقدوا كل إحساس بالتكافؤ على مرّ التاريخ. وسيوفر كل هذا التغطية اللازمة لتبرير ممارساته الوحشية.

 لا تعيش سوريا مأساة لأسبابٍ مجهولةٍ، بيد أنه من قبيل التضليل الفكري أن نقول ذلك لأنه أمر غير صائب من الناحية المرضية

من جهة أخرى، أراد النظام أن يقف كل من الجمهور المحلي والمجتمع الدولي في صفه أو على أقل تقدير أن يغضوا البصر عنه. في المقابل، وجد العالم نفسه مجبرًا على توجيه انتباهه نحو ما يحدث داخل الأراضي السورية، بيد أن أنصار الأسد من صحفيين ومراقبين تمكنوا من تنويم الضمير العالي لبعض الوقت، وقاموا بترويج أفكار، وخاصة للمحاضرين السوريين، تفيد بأن المعارضة كانت في أفضل الأحوال تفتقر للكفاءة وفي أسوأ الأحوال سيئة للغاية. كما لو أن تحلي الصحفي بالموضوعية يشمل فقط وصف الأشجار فحسب وليس كامل الغابة.

في الوقت الذي وقع فيه تشخيص مرض والدي، كان يعاني من السرطان النقيلي في المرحلة الرابعة. لقد بدأ السرطان في عضو واحد وانتشر بالفعل إلى عضوين آخرين. وعندما مات به، كان السرطان منتشرا في كل مكان في جسمه بخلاف العضو الذي نشأ فيه. على المستوى الطبي، كان سبب وفاة أبي هو السرطان الأصلي. تحت المجهر، يرى أخصائيو الأمراض أنسجة العضو الذي اخترقه السرطان في البداية، سواء كان الرئة أو الثدي أو الكبد، في جميع الأماكن الأخرى التي انتشر فيها.

لا تعيش سوريا مأساة لأسبابٍ مجهولةٍ، بيد أنه من قبيل التضليل الفكري أن نقول ذلك لأنه أمر غير صائب من الناحية المرضية. وبعد أن عاش والدي أكثر مما اعتقد الأطباء عند تشخيص حالته، كان حلمه أن يذهب إلى دمشق وبدت فكرة نقل جثمانه إلى هناك حماقةً. لذلك، فكّر في الذهاب إلى سوريا بينما لا يزال على قيد الحياة، ليموت هناك.

نظرًا لأنه كان لا يعلم متى ستحين ساعته، فضّل ألا ينفصل عن عائلته وأحفاده. لذلك، طلب منا مرة أخرى أن ندفنه في سوريا عندما يموت، بجانب والديه اللذين أمضى حياته بعيدًا عنهما في المقبرة بجوار كنيسة القديس بولس في دمشق. استمرت سوريا في الانهيار وواصلت الانحدار نحو الهاوية. خلال العام الأخير من حياته، تخلى والدي عن رغبة دفنه في دمشق تمامًا. لم يرد أن يرقد في قبر لا يمكن لأحد زيارته. نظر إليّ بلوم وتقدير في الوقت ذاته، وقال لي: "لن تتمكني من القدوم. ومن بقي لي من أفراد عائلتي ليزورني هناك".

 من السهل أن ننظر إلى تفكك سوريا ونلقي اللوم على أولئك الذين حلموا بمستقبل أفضل، أولئك الذين أخطأوا في تقدير ما الذي قد يفعله الأسد وما الذي سيسمح العالم بحدوثه

في الحقيقة، يعد هذا المزيج من اللوم والإعجاب معهودا لدى السوريين الآخرين الذين آمنوا بقدرتهم على تحقيق تغيير عندما بدأت الانتفاضة، والذين لم يكونوا مدركين أبدًا لحقيقة أن الأسد وجيشه سيطلق العنان لوحشيته في مكان يفترض أننا جميعًا نحبه، بدلاً من تخليه عن قدر ضئيل من السلطة.

إن العديد من هؤلاء الناس مطلوبون من قبل النظام. وهم إما كتّاب أو شاركوا في احتجاجات أو جمعوا لوازم إنسانية للسوريين المحتاجين أو ببساطة قالوا شيئًا عن مواقع التواصل الاجتماعي. أما الآن، فقد وجدوا أنفسهم غير قادرين على العودة إلى بلادهم ومنفصلين عن أحبائهم، بما في ذلك أولئك الذين يريدون أن يزوروهم في قبورهم. حتى مع إعجاب أقاربنا بالشجاعة التي تحلينا بها للتصرف أو مجرد التحلي بالأمل إما قولا أو كتابة، فإننا نطرح على أنفسنا السؤال التالي، هل كانت التكلفة الشخصية تستحق ذلك؟

من السهل أن ننظر إلى تفكك سوريا ونلقي اللوم على أولئك الذين حلموا بمستقبل أفضل، أولئك الذين أخطأوا في تقدير ما الذي قد يفعله الأسد وما الذي سيسمح العالم بحدوثه. عمومًا، تبدو مواجهة القضية الحقيقية ومحاسبتها مستحيلة في الوقت الراهن، خاصة عندما يكون بقية العالم مستعدًا لتطبيع أساليب النظام وفكرة إفلاته من العقاب.

لا تزال المعدات التي اشتراها والدي في السبعينيات من أجل حلم لم يتحقق أبدًا في سوريا والتي لم تُفتح بعد ولا تزال غير مستخدمة وموضوعة في علبها الأصلية القابلة للنقل مخبئةً في الجزء الخلفي من خزانة في بالتيمور. ولا تزال هذه المعدات جديدة تمامًا، ولكن مرت عليها العديد من السنوات.

في السنوات الأولى من الثورة، حضرت في دمشق (بصفة مراقبة) اجتماعات - عقد بعضها سرًا - مع السوريين الحريصين على الاستعداد لغد جديد، والذين تحدثوا عن المواطنة والدساتير وفكرّوا مليا في توليد التضامن بين الطوائف، وفي الشمولية وبناء مجتمع مدني وتقويته. كما تحدثوا بفرح حول ولادة سوريا جديدة وأفضل. وبعد عقد من الزمن، تظل تلك الاستعدادات والأفكار غير مجربة وغير مستخدمة. (باستثناء بعض المناطق التي ازدهر فيها الحكم الذاتي لفترة وجيزة قبل أن يضع النظام أو المتطرفون حدًا لذلك).

 لم يُدفن والدي في وطنه. لكن أصبحت سوريا الآن بمثابة مقبرة ترقد فيها رؤية طموحة للعالم ولما نحن عليه وما يمكن أن نتسامح معه

كان من المتوقع أن يعلو صوت أولئك الذين اختاروا العنف على صوت أولئك الذين أرادوا أن يشهدوا على سوريا الديمقراطية الشاملة. كما حصل أولئك الذين اختاروا العنف على دعم ملموس من قبل الولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج، من حيث المال والأسلحة والمقاتلين وواضعي الاستراتيجيات العسكرية. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن من الممكن التنبؤ بفشل السوريين النظاميين في هزيمة ديكتاتورية كانت تحظى بدعم عسكري من قبل دولتين قويتين - إيران وروسيا - والتي كانت ترغب في تدمير البلاد للحفاظ على السلطة.

لا يمكن لأفكار عظيمة تدعو إلى تفعيل مواطنة وحقوق ملموسة لجميع الشعوب في دولة ديمقراطية ذات مؤسسات جديدة أن تهزم هذا النوع من القوة العسكرية الوحشية - على الأقل ليس على المدى القصير. كما أن النصر الإقليمي شبه الكامل لبشار الأسد لا يُمثل بيانًا حول قيمة هذه الأفكار أو قوتها أو قدراتها المحتملة على تحقيق النصر. لا يجب أن تُهمل هذه الأفكار أبدا، لكن المأساة في سوريا تمثل بالتأكيد دليلا على مدى التزام العالم بها.

عمومًا، أدت صفقة هشة وواضحة بين تركيا وروسيا إلى وقف الهجوم العسكري للنظام السوري على محافظة إدلب الشمالية الغربية، حيث يواجه ثلاثة ملايين شخص مصيرًا غير مؤكد. لعدة سنوات، احتجز نظام الأسد في إدلب السوريين الذين اعترضوا على حكمه، الذين لم يجدوا مكانًا آخر يذهبون إليه بعد عمليات نزوح متعددة والذين يشتبه النظام بأنهم لن يخضعوا لحكمه بعد ما عانوه. وبناء على ذلك، يمكن أن يتخذ الأسد خطوة نهائية متوقعة منذ فترة طويلة ضد إدلب في أي وقت.

نظرا للاستياء العالمي من الكارثة الإنسانية الجارية في سوريا، فإن تنفس العالم الصعداء يُعد مسموعًا تمامًا. يبدو أن هذا الصراع المرهق الذي يصعب فهمه على وشك الانتهاء. ستُجمع الأموال قريبًا عبر العديد من البلدان مع تحول النظام إلى عملية إعادة الإعمار، التي سيستخدمها لتعزيز مكاسبه وضمان بقائه في السلطة.

في النهاية، لم يُدفن والدي في وطنه. لكن أصبحت سوريا الآن بمثابة مقبرة ترقد فيها رؤية طموحة للعالم ولما نحن عليه وما يمكن أن نتسامح معه. يجب أن ندفن هناك أيضًا أي اعتقادٍ بأننا محصنون اليوم أو غدًا أو بعد غدٍ ضد عواقب فشلنا.

المصدر: نيويورك تايمز