مناشدات بفرض حظر التجوال في مصر لمواجهة كورونا

"حظر التجوال وارد والناس هي من تطالبنا به"، تصريح أدلى به وزير الإعلام المصري، أسامة هيكل، أثار حالة من الجدل داخل الشارع المصري الذي لأول مرة في تاريخه يطالب الدولة بهذا الإجراء الذي طالما كان مثار انتقاد واتهام للسلطات الحاكمة منذ عهد جمال عبد الناصر وحتى عبد الفتاح السيسي.

ظهر اليوم الثلاثاء، أصدر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، عددًا من القرارات، على رأسها  حظر حركة المواطنين على الطرق العامة من 7 مساءً حتى 6 صباح اليوم التالي، وإيقاف كل وسائل النقل الجماعي العام والخاص، وإغلاق المحال التجارية ومحلات السلع والمراكز التجارية، ابتداءً من 5 مساءً حتى 6 صباحًا، وغلق كامل يومي الجمعة والسبت، مع استثناء المخابز ومحال البقالة والسوبرماركت.

وقد شملت القرارات إغلاق جميع المقاهي والكافيهات والملاهي والنوادي الليلية وأي محال ومنشآت تقدم أنشطة ترفيهية، وغلق جميع المطاعم وما يماثلها من محال للمأكولات ويقتصر العمل بها على خدمة توصيل الطلبات للمنازل فقط، وتعلق كذلك تقديم جميع الخدمات التي تقدمها الوزارات للمواطنين مثل التراخيص ورخص البناء والجوازات ويستثنى مكاتب الصحة، مع غلق كل النوادي الرياضية والشعبية وصالات الألعاب الرياضية.

بالإضافة إلى تعليق الدراسة في كل المدارس والجامعات لمدة 15 يومًا إضافية، واستثناء المستشفيات والمراكز الطبية والعاملين بهم من القرارات السابقة، فيما تطبق العقوبات المذكورة في قانون الطوارئ للمخالفين تبدأ بعقوبات مالية قدرها 4000 جنيه وتنتهي بالحبس.

خطوة يرى فيها قطاع كبير من المصريين أنها أصبحت ضرورة حتمية لمواجهة حالة اللامبالاة التي باتت عليها الغالبية العظمى من الشعب الذي ضرب بالإجراءات الاحترازية - التي اتخذتها الحكومة لمواجهة فيروس كورونا الجديد - عرض الحائط، حتى أضحى اللجوء إلى الخيارات المرفوضة في الأوقات العادية مطلبًا جماهيريًا تتلكأ بشأن اتخاذه السلطات.

ورغم ما يمكن أن يحمله هذا الإجراء من تبعات ربما تؤثر على حياة الملايين من محدودي الدخل وأصحاب الأعمال الحرفية اليومية التي تضررت بشكل كبير بسبب تلك القرارات، فإن المزاج العام يذهب في هذا الاتجاه، وهو ما دفع الكثير من المتابعين للسؤال عن الدوافع الحقيقية التي أوصلت المصريين إلى هذه الحالة رغم رسائل الطمأنة التي تحاول أن تبعث بها الحكومة إلى حد ما بين الحين والآخر؟

الفيروس يضرب الجيش

شهدت الساعات الـ24 الماضية تطورات في خريطة الإصابة بالفيروس زادت من قلق الشارع المصري بصورة كبيرة، خاصة بعد إعلان الجيش وفاة اثنين من كبار ضباطه متأثرين بالفيروس، بينما تحدثت معلومات أخرى عن تفشي المرض بين الضباط والمهندسين العاملين في العاصمة الإدارية الجديدة.

فبعد ساعات قليلة من إعلان وفاة اللواء أركان حرب خالد شلتوت مدير إدارة المياه بالهيئة الهندسية، نتيجة إصابته بالكورونا، خلال اشتراكه في أعمال مكافحة انتشار الفيروس في البلاد، أعلنت القوات المسلحة وفاة اللواء أركان حرب شفيع عبد العليم داود، مدير إدارة المشروعات الكبرى بالقوات المسلحة لذات السبب.

وبعد ذلك بدقائق معدودة تناقلت بعض المصادر خبر وفاة اللواء محمود شاهين، رئيس أركان إدارة المهندسين العسكريين، بمستشفى الحميات العسكري بألماظة في القاهرة، متأثرًا بإصابته بالفيروس، فيما ذهب آخرون إلى أن هناك تكتمًا رسميًا على نبأ وفاته داخل أروقة القوات المسلحة، حيث من المقرر عدم الإعلان عن الوفاة بشكل رسمي قبل يوم أو اثنين على أقصى تقدير، بعد الإعلان سابقًا عن وفاة قياديين كبيرين.

هذا بخلاف ما أثير بشأن خضوع مدير جهاز المخابرات العامة، اللواء عباس كامل، للعزل وإجراءات الحجر الصحي، بعد الاشتباه بإصابته بالفيروس، وذلك في أعقاب اجتماع حضره اللواء شلتوت الذي وافته المنية، هذا بخلاف خضوع اللواء إيهاب الفار رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، للعزل وإجراءات الحجر الصحي هو وعدد من أفراد أسرته ومدير مكتبه.

رغم عدم الإعلان رسميًا إلا عن وفاة لواءين فقط، فإن الأنباء المتداولة أثارت هلع الكثير من المصريين

وقد تناقلت بعض المصادر على منصات السوشيال ميديا قائمة تضم عددًا من العسكريين الذين ثبت إيجابية عيناتهم معمليًا، على رأسهم بجانب اللوءات الثلاث، مساعد مدير إدارة المشروعات في الهيئة الهندسية محمد السيد فاضل الزلاط، فضلًا عن 11 آخرين من كبار العسكريين المشتبه في إصابتهم، من المخالطين للحالات الإيجابية.

وألمحت تلك المصادر إلى توسيع دائرة الاشتباه، وإخضاع كل التابعين للهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالعاصمة الإدارية الجديدة للفحوص الطبية، وذلك بسبب لقاءات جرت لمسؤولين مع وفد صيني من الشركة التي تنفذ الأبراج هناك في وقت مبكر قبل الإعلان الرسمي عن انتشار الفيروس.

ورغم عدم الإعلان رسميًا إلا عن وفاة لواءين فقط، فإن الأنباء المتداولة أثارت هلع الكثير من المصريين، خاصة أن الجميع يعلم أن حجم الرعاية التي توفر لتلك القيادات مقارنة بغيرهم من المواطنين العاديين ممن باتت حياتهم هي الأخرى على المحك، هذا بخلاف مخاوف توسعة رقعة المصابين في ظل حالات الاختلاط الهائلة بين قيادات الجيش والقطاعات الأخرى داخل المؤسسة العسكرية، الأمر الذي ربما ينذر بكارثة إن لم يتم تطويقه بأسرع وقت ممكن.

زيادة معدلات الإصابة

التصاعد الواضح لمنحنى معدلات الإصابة بالفيروس كان له دور محوري في زيادة حالة القلق لدى المصريين، فالبداية كانت بالاكتفاء بدور المتفرج لما يحدث في الصين، والتأكيد أن الوضع في مصر تحت السيطرة والأجواء إلى حد ما بعيدة عن احتمالية الإصابة، شأنها شأن النظرة الأوروبية بداية الأزمة.

ثم تصاعدت الأمور مع إعلان أول إصابة لمواطن مصري قادم من صربيا، ثم تطورت بشكل متسارع، وصولًا إلى النقطة الآمنة قبل يومين حين تم التأكيد على تراجع أعداد المصابين من 33 حالة جديدة قبل ثلاثة أيام إلى 9 حالات فقط قبل يومين، وهو ما أثار حالة من الاطمئنان النسبي لدى الكثيرين.

لكن ما حدث بالأمس قلب الوضع رأسًا على عقب، حيث زاد العدد بنسبة كبيرة، فيما حققت الوفيات أعلى معدل لها منذ بداية انتشار الفيروس، وهو ما كشفه مستشار وزيرة الصحة والسكان لشؤون الإعلام والمتحدث الرسمي للوزارة، خالد مجاهد، في بيانه اليومي الصادر مساء أمس.

رغم التحذيرات والإجراءات المتخذة والمناشدات بشأن الالتزام بالإجراءات الوقائية التي اتخذتها الدولة لمواجهة تفشي الفيروس، فإن الشارع المصري شهد العديد من التجاوزات التي أثارت استياء الكثيرين

كما كشف خروج 12 حالة من المصابين، من ضمنهم 10 أجانب و2 مصريين، وذلك بعد تلقيهم الرعاية الطبية اللازمة، ليرتفع إجمالي المتعافين من الفيروس إلى 68 حالة حتى اليوم، من أصل الـ96 حالة التي تحولت نتائجها معمليًا من إيجابية إلى سلبية، لافتًا إلى أن جميع الحالات المسجل إيجابيتها للفيروس بمستشفيات العزل تخضع للرعاية الطبية.

وأوضح أنه تم تسجيل 39 حالة جديدة ثبتت إيجابية تحاليلها معمليًا للفيروس، جميعهم من المصريين المخالطين للحالات الإيجابية التي تم اكتشافها والإعلان عنها مسبقًا، وذلك ضمن إجراءات الترصد والتقصي التي تُجريها الوزارة وفقًا لإرشادات منظمة الصحة العالمية، لافتا إلى وفاة 5 حالات من ضمنها حالة لهندى، و4 حالات من المصريين.

وعليه فإن إجمالي العدد الذي تم تسجيله في مصر بفيروس كورونا حتى أمس الإثنين هو 366 حالة من ضمنها 68 حالة تم شفاؤها وخرجت من مستشفى العزل، و19 حالة وفاة، وفيما يتعلق بالبُعد الجغرافي، فإن 24 محافظة مصرية من إجمالي 27 محافظة شهدت إصابات متباينة.

اللامبالاة الشعبية

رغم التحذيرات والإجراءات المتخذة والمناشدات بشأن الالتزام بالإجراءات الوقائية التي اتخذتها الدولة لمواجهة تفشي الفيروس، فإن الشارع المصري شهد العديد من التجاوزات التي أثارت استياء الكثيرين ممن تصاعدت لديهم مشاعر القلق بشأن الآثار المترتبة على تلك التجاوزات على حياتهم وحياة أبنائهم.

وقد سجلت منصات السوشيال ميديا بعض تلك التجاوزات التي باتت مجال سخرية للبعض، منها لجوء بعض القرى في أقاليم مصر لإقامة الأسواق التجارية ليلًا، هربًا من الرقابة النهارية التي تقوم بها السلطات المحلية والشرطية هناك، رغم التحذير بشأن ما يمكن أن تمثله تلك التجمعات من خطورة كبيرة في تفشي الفيروس.

هذا بخلاف استمرار إقامة الأفراح في الأندية والقاعات المخصصة، حتى بعد إصدار أوامر بإغلاقها من الساعة السابعة مساءً وحتى السادسة صباحًا، تحايل البعض بإقامة تلك الأفراح في الشوارع والمناطق المفتوحة، رغم تضاعف الخطورة في هذه الحالة، ينطبق ذلك على سرادقات العزاء والمآتم كذلك.

أما المثير للعجب ما حدث ليلة أمس في الإسكندرية (شمال)، حيث خرج العشرات في مسيرة جابت بعض شوارع المدينة يرددون فيها شعارات دينية بهدف التضرع لله لإزاحة الغمة، وهي المسيرات التي قوبلت باستهجان كبير كونها تحمل مخاطرة لنقل الفيروس حال إصابة أي من المشاركين فيها.

أمام هذه الوضعية بات الحظر مطلبًا شعبيًا، رغم ضحاياه من المعدمين ومحدودي الدخل، ولعل ما حدث في الإسكندرية أمس يكون نقطة الشرارة التي تدفع الحكومة لاتخاذ هذا الإجراء

وبعيدًا عن التيار الذي يعزف على وتر أن ما حدث في المدينة الساحلية محاولة من جماعة الإخوان المسلمين لاستغلال المشهد للعودة للشارع مرة أخرى، وهو التوجه الذي قوبل باستنكار الكثير ممن يرون أن المزايدة باسم الوطنية ليست أقل من المزايدة باسم الدين، إلا أن الوصول إلى هذه النقطة أثار مخاوف البعض بشأن ما وصلت إليه البلاد.

يذكر أن قوات الأمن هاجمت بالأمس الأسواق ذات الجماهيرية الكبيرة في وسط القاهرة لا سيما منطقة العتبة المكتظة بالسكان، حيث أغلقت كل المحال هناك في ظل عدم التزام الباعة بقرارات الدولة، الأمر الذي يعرض حياة الملايين من مرتادي تلك الأسواق للخطر، وهو التحرك الذي ثمنّه الشارع المصري.

إجراءات قاسية

وأمام هذه الوضعية تحول الحظر إلى مطلب شعبي، رغم ضحاياه من المعدمين ومحدودي الدخل، ولعل ما حدث في الإسكندرية أمس يكون نقطة الشرارة التي تدفع الحكومة لاتخاذ هذا الإجراء، وهو ما ألمح إليه البعض ممن لا يستبعدون أن يكون ما حدث أمر مخطط للدفع لاتخاذ هذا الإجراء في الوقت الحاليّ.

وكانت وزارة الداخلية قد نفت بالأمس، ما جرى تداوله بشأن اتخاذ إجراءات حظر التجول ابتداءً من مساء أمس بالبلاد ضمن الإجراءات الاحترازية لمواجهة فيروس كورونا، وقال مسؤول مركز الإعلام الأمني بالوزارة إن ما تم تداوله بإحدى الصفحات المزورة المنسوبة للوزارة بشأن حظر التجوال لا أساس له من الصحة.

فيما نقلت صفحة رئاسة مجلس الوزراء المصري عن المسؤول تأكيده عدم صحة ما تم تداوله في هذا الشأن جملةً وتفصيلًا، مشيرًا إلى "أن مثل تلك التناولات تهدف إلى إثارة البلبلة في أوساط الرأي العام" غير أن الأجواء كلها تشير إلى أن هذا القرار مسألة وقت وهو ما أشار إليه وزير الإعلام المصري عقب لقائه بالسيسي أول أمس.

وعلى صفحته الرسمية على موقع فيس بوك قال الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي صباح اليوم إنه كلف الحكومة والأجهزة التنفيذية المختصة باتخاذ اللازم نحو تطوير الإجراءات الاحترازية المتبعة على مستوي الدولة والمواطن من خلال اتخاذ حزمة إجراءات إضافية تسهم في تحقيق أعلى معدلات الأمان، ووفق محددات ثابتة قائمة على تحقيق سلامة المصريين، وبما لا يؤثر على متطلبات الحياة اليومية للمواطن المصري، وهو ما فسره الكثيرون بإعطاء أوامر لاتخاذ قرار فرض الحظر الذي تم ظهر اليوم.

في تقرير سابق لـ"نون بوست" أُشير إلى أن ضحايا تلك الإجراءات الاحترازية ربما يتجاوز الـ30 مليون مواطن مصري، من أصحاب المحال التجارية والعاملين بالقطاع الخاص، وهو ما دفع إلى ظهور العديد من المبادرات الخيرية الخاصة، الساعية لتقليل تلك الآثار السلبية قدر الإمكان، بعدما فقد الجميع دور المجتمع المدني الذي كان يقوم مكان الدولة في مثل هذه الأوقات العصيبة التي تمر بها البلاد.

ورغم قسوة المشهد وصعوبة تبعاته، فإن الصوت الأكثر حضورًا في الشارع المصري الآن اتخاذ إجراءات أكثر قسوة لمواجهة الوباء قبل أن يفتك بالجميع، ولو جاء ذلك على حساب طعام الناس وشرابهم، لا سيما أن إحصاءات الوفيات وتفاصيل الصورة القادمة من إيطاليا وإسبانيا باتت مرعبة للمصريين بشكل كبير.