مر 60 عامًا تقريبًا منذ آخر مرة طلبت فيها إيران قرضًا ماليًا من صندوق النقد الدولي، إلا أننا شهدنا الأسبوع الماضي إرسال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف رسالة إلى صندوق النقد الدولي يطلب فيها قرضًا بقيمة 5 مليارات دولار، كمساعدة سريعة للتعامل مع أزمة فيروس كورونا، ومن غير الواضح ما الذي سينتج عنه الطلب الإيراني، فحتى في حالة موافقة صندوق النقد الدولي على القرض، يمكن للولايات المتحدة الاعتراض عليه.

لا ينوي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تخفيف العقوبات على إيران في الوقت الحاضر أو تخفيف سياسة الضغط الأقصى الذي يأمل في الحصول خلالها على تنازلات إيرانية بشأن الاتفاق النووي والصواريخ الباليستية، ولكن حتى لو أزال هذا الطلب كل العقبات، فإن إيران ستظل مضطرة للخضوع لإملاءات صندوق النقد الدولي، فبالإضافة إلى الإشراف على برامجها لمحاربة فيروس كورونا، يتضمن أيضًا طلبًا للإصلاح الاقتصادي، وهو ما قد يشكل عقبة كبيرة أمام إيران للمضي قدمًا بهذه الطلبات.

وعلى الرغم من أن الظروف اليوم مختلفة نوعًا ما، لأن الطلب الإيراني نابع من أزمة إنسانية حادة، والحاجة الدولية إلى وقف الوباء الذي تعد فيه إيران إحدى النقاط الساخنة الرئيسة، قد يعيد النظر ببعض الشروط الصارمة التي يضعها صندوق النقد الدولي في منحه لهذه القروض المالية، فإن المخاوف ما زالت مستمرة، خصوصًا أن صندوق النقد الدولي رفض طلبًا مماثلًا تقدمت به فنزويلا في وقت سابق، بحجة عدم تمتع الحكومة الفنزويلية بالشرعية الدولية الكافية.

ونتيجة للوفيات والإصابات المتصاعدة في إيران جراء انتشار فيروس كورونا على نطاق واسع، أصبحت إيران معزولة سياسيًا وشعبيًا بدرجة فاقت ما أنتجته العقوبات الأمريكية من تداعيات، إذ تم إغلاق حدودها مع العديد من الدول المجاورة التي ترتبط معها بعلاقات تجارية واسعة النطاق.

فقد منعت تركيا دخول المواطنين الإيرانيين إلى أراضيها، وحذت حذوها كل من باكستان والهند وأفغانستان، وتوقفت عملية استيراد الأدوية والمعدات الطبية بشكل شبه كامل، بالصورة التي جعلت الحكومة الإيرانية تواجه الفيروس عبر إجراءات غير فعالة منها: عزل المدن وتعفيرها وفرض حظر التجول، وهي إجراءات لم تضع حدًا لانتشار الفيروس في العديد من المدن الإيرانية، إذ وصل عدد الوفيات حتى لحظة كتابة هذه السطور إلى 1566، في حين بلغ عدد الإصابات 20650 إصابة. 

تجربة إيران مع الفيروس ستؤثر على سياستها الخارجية وعلاقاتها مع الولايات المتحدة

وفي مقابل ذلك، تصف العديد من الصحف الإيرانية حركة المستهلكين بالقليلة للغاية، مع انخفاض بنسبة 50-70% في مبيعات المواد الأساسية، وعدم وجود مبيعات للمنتجات الفاخرة، ففي كل عام تمتلئ المتاجر ومراكز التسوق بجميع أنواع البضائع، لكن الحصار الذي فرضه فيروس كورونا، إلى جانب العقوبات الأمريكية المستمرة، تسبب في انخفاض النمو بأكثر من 7.5%، ويحاصر الإيرانيين الذين يواجهون بالفعل نقصًا في السيولة المالية، ناهيك عن طريقة التصرف بالعملة الصعبة التي تخضع لقيود الحكومة الإيرانية.

نشر وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على صفحته الشخصية في تويتر، قائمة طويلة بالمواضيع الطبية التي تمس الحاجة إليها في إيران، وتشمل أجهزة التهوية وأكثر من 160 مليون قناع للوجه و100 مليون قفازات طبية وملايين من أجهزة التشخيص و10 ملايين بذلة واقية للموظفين والكوادر الصحية، ولا تعكس هذه القائمة الطويلة احتياجات إيران العاجلة فحسب، بل أيضًا عدم الاستعداد للتعامل مع الفيروس على نطاق أصغر من الأزمة.

صورة

وبالإضافة إلى ما تقدم، تشير القائمة التي نشرها الوزير ظريف إلى ثغرات كبيرة في تصريحات مسؤولي النظام السياسي بشأن سبل التعاطي مع الفيروس، ففي الوقت الذي تؤكد بعض التصريحات توافر الفرص الممكنة للقضاء على الفيروس، لكن في المقابل هناك تصريحات أخرى تكشف عجز النظام عن مواجهة الفيروس، وقد يؤدي نشر مثل هذه القائمة من الطلبات إلى اندلاع احتجاجات عامة واسعة النطاق في إيران، ولكن ما قد ينقذ النظام بالوقت الحاليّ، هو امتناع الناس عن النزول إلى الشوارع والتظاهر خوفًا من الإصابة، ويدركون أيضًا بأن الاحتجاج لن يساعد في السيطرة على الفيروس.

والسؤال الآن هو ما إذا كانت تجربة إيران مع الفيروس ستؤثر على سياستها الخارجية وعلاقاتها مع الولايات المتحدة؟ وكيف؟ من المبكر القول كيف سيؤثر الفيروس على الأولويات الدبلوماسية للنظام، ولكن بتطبيق بعض الافتراضات السياسية على أرض الواقع، يمكن القول إنه إذا استمر الفيروس لعدة أسابيع أخرى، فسيتعين على إيران إعلان حالة الطوارئ، وهو ما يعني تجميد الإنتاج وفرض حظر التجول وإغلاق جميع الخدمات العامة تقريبًا.

مثل هذا الوضع سيعطي قوات الأمن الإيرانية والحرس الثوري السيطرة الكاملة على البلاد، في هذه الظروف، ستكافح إيران لمواصلة تمويل نشاطها العسكري في سوريا واليمن ولبنان، لكن هذا لا يعني أنها ستتخلى عن تلك الساحات تمامًا، فطريقها الرئيسي للخلاص من الأزمة الاقتصادية الحاليّة يكمن في اتفاق نووي جديد، وفي تنازلات مقنعة للمطالب الأمريكية.