يطيب لنا في المعزل الصحي الإجباري أن نحلم، فالحلم الآن تعزية جميلة تخفف بؤس التلصص من النافذة على موقف السيارات الرابضة، فقد صار السلام على الجيران جريمة إلا برفع الأيدي من مسافة آمنة، أن يقف المرء في طابور وهو يخشى الواقف أمامه وخلفه ويخشى على نفسه من نفسه فلا يضع يده على شيء أو شجرة أو عمود كهرباء، فرصة للتأسف على حرية صغيرة لذيذة لم نكن نعرف أنها عزيزة إلا بعد فقدها، فقد كانت هناك صيغة وحيدة لفقد الحرية يعبر عنها بالاحتجاج على الديكتاتورية، ونحن الآن نتألم لفقد ذلك المشهد البسيط، أن يتكئ المرء على عمود كهرباء في الطريق ويقرأ جريدة في انتظار الحافلة. 

ونفكر في أن العالم يحتاج ثورة أخلاقية ليعيد تريب أولوياته وتقديم حق الحياة على حق الشركة، من سيقوم بهذه الثورة ونحن ندخل قريبًا مرحلة تقسيط الغذاء، فالحجر الصحي يوشك أن يمتد لنهاية السنة، فإما أن نخرج للعمل ونواجه العدوى أو أن نواصل الاختفاء في جحورنا كجرذان مذعورة ونتوقف عن إنتاج قوتنا. خياران مرعبان يتضحان مع أول الصيف، لنحلم الآن بثورة أخلاقية تعدل مسار رأس المال المتوحش، فالحلم تعزية مفيدة في الحصار.

هل ساءت أخلاق العالم؟

بل السؤال الأجدى هو: هل بقيت في العالم أخلاق وقيم يعاد إليها؟ وما مشروعية أن نتحدث عن الأخلاق الكونية ونحن نرى منذ عقود الأموال الطائلة ترصد لغزو الفضاء واكتشاف المريخ وعطارد وما لا أسمي من الكواكب (لن أشير إلى صناعة السلاح) في حين يموت نصف الكرة الأرضية من الطواعين والمجاعات؟ كان هذا التناقض يظهر دومًا مع صور المجاعات خاصة في إفريقيا، لكنه كان يختفي بسرعة وراء صور قوافل الإعانة الدولية ونمر إلى الملاهي لننسى ألم الصور وألم الفضائح التي يصنعها الإنسان.

يكتب علماء التاريخ والاجتماع والاقتصاد أسباب الأزمات وجذورها ويفضحون اللامساواة الكونية، لكن الشركات صانعة الأزمات تستمر في تجميع الأرباح وتقدم لنا وجبات اللهو اليومية، فننسى جذور المشكل ونظهر التعاطف مع الصور لإراحة الضمائر من وقرها. 

هناك/هنا انهارت أخلاق العالم حتى صار اكتشاف المريخ مطلبًا حيويًا للفقراء كأنهم يسافرون إليه في نزهة، فنحن نقف على لحظة مفصلية، لقد انحرف الكون عن حد أدنى من التعايش الإنساني فمات البعض جوعًا وصعد آخرون إلى القمر، هذا الفيروس يذكرنا لقد أخطانا الطريق لأننا ضحينا بالإنسان، لكن ماذا بعد إراحة ضمائرنا الرخوة بهذا التقريع المغرق في المثالية؟

العقل الأخلاقي المطلوب

كم حجم الإنفاق على صحة الإنسان مقابل الإنفاق على اللهو في بلد فقير مثل تونس؟ أن يكتشف بلد مستقل منذ 70 سنة أن لديه فقط 200 سرير صالح لعلاج مريض الكورونا في حين أنه ينفق على لهو مواطنيه ومتعتهم العابرة أكثر مما ينفق على صحتهم، لهو الفساد الأخلاقي الذي لا شفاء منه.

أن تمر فنانة مبتذلة على مسرح قرطاج فتقبض في ليلة واحدة أجر مئة بروفيسور طبيب في سنة، لهو دليل على تيه سياسي وأخلاقي بل على دمار دولة وشعب، وهذا ليس خاصًا بتونس الفقيرة (العالم ثالثية) إنه وباء كوني/وباء الفساد السياسي الذي ينبني على فساد أخلاقي. 

يمكننا تحديد المسؤوليات بسهولة، نحن ضحية الشركات (نظام رأس المال بكل مراحل تطوره)، فالشركات صنعت فساد العالم حتى وصل فسادها إلى العبث بالطبيعة وتصنيع الفيروسات وفي أحيان كثيرة يكون ذلك بدعوى تطوير الطب والعلاج (لقد شربنا خديعة التطور العلمي مع قهوة الصباح)، فإذا ببعض التطور كارثة ماحقة وإذا نحن محشورون في منازلنا الضيقة كفئران التجارب هل كانوا يعلمون مصيرنا؟ لقد كتب كثيرون محذرين من العبث بمقدرات الأرض وتحويلها إلى مغانم تجارية ووضعوا تنبؤات سوداوية لمصير العالم ولم يصدقهم أصحاب الشركات، وها نحن نقف على صحة التنبؤات السوداء فأين مخارج الإنسانية من عبث الشركات؟ 

إعادة ترتيب العالم على أسس أخلاقية جديدة تقدم الحياة على الربح أو تستثمر في البقاء لا في الفناء.

الحلم القادم أو التعزية الأخيرة 

أن نؤسس لعصر أنوار جديد يقدس الإنسان لا الربح الوفير، أن نعود إلى فلاسفة الأنوار الذين بشروا بالعلم وسلطانه ولكنهم لم يفلحوا في توظيف المعرفة في صناعة الرفاه الفردي، ربما وجب تثمين الفلسفة المؤسسة والانتباه إلى الانحراف في التطبيق؟ لكن ما الضمانات لعدم العودة إلى انحراف آخر بعد انقشاع الكابوس (ما زلنا نتحدث عن انقشاع قريب للكابوس).

ثورة إنسانية أخرى ممكنة؟ يزدهر الآن خطاب التقريع الديني للإنسان الذي انحرف عن أمر ربه (لدى أتباع كل الديانات)، فهل الصلاح في توبة إلى الله؟ لم نكفر لنتوب بل عجزنا دون نهم الشركات واستمرأنا اللذة القصيرة الأمد حيث الفرد يسعى في لذته متخليًا عن الإنسان بجواره، لقد حولتنا الشركات إلى حيوانات استهلاكية وهذا كفر آخر. 

هل نراجع الفرادنية التي نمتها فينا الشركات لنسعد فرادى فيما جار لنا يموت جوعًا. من هنا قد يبدأ الحل في تخليق العلم لتوفير صحة جماعية وغذاء سليم ورفاه مشترك ولو بسيط لكل سكان البسيطة، هل هو مثال معلق في سماء الأحلام؟ نعم  نحن نستعيد مثالًا أخلاقيًا كتب فيه الكثير وعجز دونه الجميع. وهو باب خلاص لم يعد لنا غيره. أن يوضع العلم في خدمة الإنسان لا في خدمة الشركات النهمة التي لا تكتفي أبدًا. 

الحل أن نرد على شيطان الإنسان هنري كيسنجر الذي اقترح منذ السبعينيات أن نفني ثلثي سكان العالم لكي يسعد الثلث الباقي بمنتجات المعرفة فلا يضايقه فقراء الكوكب الكسالى، هذه الروح الشيطانية هي روح الشركة الرأسمالية التي وضعتنا وجهًا لوجه أمام عجز الإنسان وجشعه وانحراف عقله عن صنع السعادة الجماعية وهي إمكان لا خيال.

ها نحن نطل من الكوة الصغيرة على موقف السيارات ونحيي جيراننا من بعيد ونقف فرادى ملثمين مرتبكين نتجاهل بعضنا بعضا في طابور الخبز خشية أن نمس دربوز السلم فنميت ونموت.