منذ ظهورها الأول في القارة الإفريقية عام 1922 متجسدة في فيلم "زهرة" التونسي للمخرج ألبير الشكيلي كانت السينما البديلة ولا تزال وسيلة قوية لمقاومة الديكتاتورية ومرآة عاكسة للجو الخانق الملقي بثقله على المجتمعات العربية التي كانت ضحية لبطش السلطة من جهة وصعود التيارات الدينية المتشددة من جهة أخرى.

وبعيدًا عن الأفلام التجارية تغرد السينما البديلة خارج السرب لتعكس حالة السخط داخل المجتمعات وتكون أداةً لنشر الوعي السياسي، إنها بمثابة قطعة الأحجية الناقصة لفيسفساء المجتمع، وعادة ما تُعرض أفلام السينما البديلة في المهرجات الدولية، ففي فبراير 2019 شهد مهرجان برلين السينمائي عرض العديد من الأفلام أهمها الفيلم الوثائقي "أوفسايد الخرطوم" للمخرجة السودانية مروى زين، حيث حظي باهتمام كبير من المؤسسات والجهات وتُرجم إلى خمس لغات أجنبية لتسهيل وصول رسالة الفيلم لمختلف الجنسيات.

قصة الفيلم 

كثيرًا ما استخدمت كرة القدم النسائية كمعيار للحريات في المجتمعات، فخلال عام 2008 عُرض الفيلم الوثائقي الإيراني "كرة القدم من وراء الحجاب" في مهرجان برلين السينمائي وكان يحكي عن كفاح النساء الإيرانيات من أجل تحقيق حلمهن الخاص كلاعبات لكرة القدم، وفي 2006 عرض أيضًا في مهرجان برلين السينمائي الفيلم الإيراني "أوفسايد" الذي تدور قصته حول منع المنتخب الإيراني النسائي من دخول إستاد كرة القدم.

وعلى الرغم من أن السودان لا يشتهر بكرة القدم على عكس إيران، إذ يحتل المرتبة الـ127 على قائمة التصنيف العالمي لكرة القدم، فإن المخرجة السودانية مروى زين اختارت مقاومة المجتمع السوداني بكل قوة من خلال قصة فيلمها التي تحكي عن تأسيس فريق كرة قدم نسائي وسط حظر مجتمعي وديني، إنه فيلم يسلط الضوء على الحق في الحياة والحرية والعدالة.

KHARTOUM OFFSIDE 'Official Trailer' from Marwa Zein on Vimeo.

تفتتح مروى زين فيلمها برسالة تقول فيها "نحن النساء محرومات من صناعة الأفلام أو لعب كرة القدم في مجتمع تحكمه سلطة (عسكرية) إسلامية"، بعد ذلك تبدأ أحداث الفيلم من خلال مجموعة من الفتيات يقررن رفض سلطة المجتمع ويؤسسن فريقًا احترافيًا لكرة القدم ولكنهن يفشلن في الحصول على تصريح رسمي من الدولة ولكن يصممن على المقاومة.

ينجح الفريق النسائي في تنظيم مباراة محلية يشهدها بعض المتفرجين في ظل استهجان المجتمع السوداني، حيث تتصاعد الأزمة باعتراضات إعلامية تستنكر بشدة تكوين فريق كرة قدم نسائي، وتركز أحداث الفيلم بشكل خاص على اللاعبة سارة إدوارد التي تقود الفريق، حيث تعد تجسيدًا كبيرًا لنضال الشعب السوداني الذي كلما حاول النهوض يتعثر ولكنه مصمم على عدم الاستسلام.

دلالة اسم الفيلم 

في قوانين كرة القدم "أوفسايد" تعني التسلل بمعنى أن اللاعب استلم الكرة أو مررها لزميله في الفريق وكان أقرب إلى خط المرمى من الكرة ومن اللاعب قبل الأخير في الفريق المنافس وقتها يعد اللاعب خارج نطاق اللعب ويتم إلغاء أي هدف يُسجل بعد وقوع مخالفة التسلل، بمعنى آخر ما قصدته المخرجة من هذا الاسم أن عنوان الفيلم مستمد من طبيعته وحتى التصوير كان بطريقة التسلل حيث جرى على هامش الخرطوم.

العنوان إذن يوحي بأن النساء في وضع الهامش بالنسبة للخرطوم، كما أن السودان بأكمله في وضع الهامش بالنسبة لإفريقيا، وبالنسبة لفريق كرة القدم فكل محاولاتهن لتخطي الصراعات لم تحتسب لأنها كانت عن طريق التسلل، فبحسب المجتمع لعبة كرة القدم للسيدات فعل خاطئ وفي قوانين كرة القدم التسلل فعل خاطئ.

رحلة الفيلم الطويلة

بدأت رحلة الفيلم خلال عام 2014 حين انتقلت مروى زين من مصر للإقامة في مدينة الخرطوم، وكانت فكرة الفيلم الأولى أن يُقدم خلال 5 دقائق وذلك بالتعاون مع منظمة "رؤية" المهتمة بالدفاع عن حقوق المرأة السودانية، ولكن حين التقت مروى بلاعبات كرة القدم أيقنت أنه من المستحيل إنجاز العمل في 5 دقائق فقط، وهنا واجهت مروى العقبة الأولى في طريقها، إذ أغلقت مؤسسة رؤية أبوابها وكان على مروى البحث عن منتجين جدد.

بعد رحلة بحث طويلة قررت مروى تأسيس شركة إنتاج سينمائي في السودان وبعدها أنتجت الفيلم مع شركة فرنسية دنماركية ثم بدأت المهمة المستحيلة وهي تصوير الفيلم رغم أنف السلطة السياسية ودون تصريح، فطوال خمس سنوات هي مدة تصوير الفيلم، أُلقي القبض على فريق العمل أكثر من 20 مرةً لأن التصوير كان ممنوعًا، وخلال هذه المدة شككت الفتيات المشاركات في الفيلم بجدوى العمل وهل يستحق كل المعاناة الناتجة عن تصويره ولكنهن أكلمن العمل في النهاية لتوصيل صوتهن إلى كل نساء الدنيا وخاصة النساء السودانيات.

أوفسايد

إشكالية التوافق الاجتماعي في السوادن خارج الملعب

إلى جانب مشكلة فريق كرة القدم النسائي يطرح فيلم "أوفسايد الخرطوم" عدة إشكاليات أخرى سياسية ودينية واجتماعية، تذهب بنا تلك الإشكاليات إلى المهمشين في السودان مثل أبناء إقليم دارفور والقبائل غير العربية والنوبة وكردفان وكذلك غير المتعلمين والبسطاء.

ويمكن القول إن جذور الصراع الاجتماعي وعدم الاستقرار في السودان تعود إلى فترة ما بعد الاستقلال، حيث ورث السودان مؤسسة الدولة الاستعمارية التي ظلت كما هي بل وازدادت تشويهًا على يد السلطة السياسية خاصة تحت حكم جبهة الإنقاذ، فبعد الاستقلال عاش السودان أزمة عامة تجلت مظاهرها في الحروب الأهلية منذ عام 1955 وعدم الاستقرار السياسي وغياب التنمية والتعليم والصحة وفقدان الثقة في الحكومة، وهو الأمر الذي أدى بالتبعية إلى اللجوء للعشرية والقبلية والشعور بالاغتراب تجاه الدولة السودانية.

كل هوية وكل أقلية وكل المهمشين مهمين للمجتمع السوداني، فالهوية السودانية تبلورت بالأساس من رحم التباين والتعدد والتنوع عبر مخاض امتد لقرون

جذور الصراع الاجتماعي في السودان يعود إلى فشل النخب السودانية وقصور أدائها في بناء دولة ما بعد الاستقلال التي ظلت متراكمة ومؤجلة حتى تفاقمت وتعقدت بالمعالجات الخاطئة على أيدي الأنظمة العسكرية التي بدورها لم تركز إلا على كيفية استمرارها وبقائها في السلطة، وامتد الأمر ببعض النظم العسكرية إلى استغلال مختلف الأعراق والإثنيات والمجموعات القومية المكونة للمجتمع السوداني من أجل مصالحها السياسية والاقتصادية.

ومن خلال فيلم "أوفسايد الخرطوم" تخبرنا المخرجة مروى زين أن مشكلة السودان الاجتماعية أكبر من مجرد الصراع على السلطة أو الصراع بين العلمانيين والإسلاميين أو الصراع بين المركز والهامش، ولن تنتهي المشكلة بتغير النظام السياسي فقط، فالصراع في السودان ناتج عن غياب المشروع الوطني الذي لن ينجزه حزب واحد أو طبقة واحدة أو أيدولوجية واحدة بل يتطلب مساهمة جميع أطياف الشعب وعدم إقصاء الآخر، وجوهر هذا المشروع التقاء حراك الهامش مع حراك المركز والتقاء المجتمع المدني مع الحركة السياسية، وترتكز أركان المشروع الوطني على الإصلاح السياسي والتنمية المستدامة والإصلاح الديني والعلم، وربما لهذا السبب جاءت فكرة الفيلم على هيئة لعبة جماعية يجب أن يتحد جميع أبطالها من أجل إحراز الأهداف.

لعبة جماعية لأن كل فرد مهم وبالتالي كل هوية وكل أقلية وكل المهمشين مهمين للمجتمع السوداني، فالهوية السودانية في نهاية الأمر تبلورت بالأساس من رحم التباين والتعدد والتنوع عبر مخاض امتد لقرون، ساهمت فيه الحضارة المروية قبل الميلاد والهجرات إلى السودان ثم المسيحية، فالإسلام والكيانات الإفريقية بمعتقداتها النيلية والنضال الوطني ضد الاستعمار وأخيرًا الهوية السودانية مصدر الثراء الحضاري.