بعد عشر سنوات تقريبًا من إغلاق الجزائر ملف مقترح تجريم الاستعمار الفرنسي بعد أن فجر جدلًا واسعًا بينها وبين باريس، فتح نواب المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان الجزائري)، الملف من جديد بعد أن بقي حبيس أدراج الحكومات المتعاقبة في حقبة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، حيث وضع نائب عن جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم سابقًا) بدعم نواب من مختلف التشكيلات السياسية، مبادرة جديدة على طاولة البرلمان الجزائري ما سيضع الحكومة أمام امتحان صعب للغاية.

ويؤكد نص المبادرة التي حظيت بتوقيع 50 نائبًا من أحزاب وطنية وأخرى محسوبة على التيار الإسلامي، أن: "طلب اعتراف فرنسا بجرائمها وأفعالها إبان احتلالها للجزائر من سنة 1930 إلى 1962، والاعتذار عنها حق مشروع للشعب الجزائري وغير قابل للتنازل".

وتعتبر المادة (3) من نص مبادرة القانون، أن أشد الجرائم خطورة هي الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وتؤكد المادة (5) أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم.

وتحمّل مبادرة القانون، الدولة الفرنسية مسؤولية كل الجرائم التي ارتكبتها جيوشها بحق الشعب الجزائري إبان فترة الاحتلال، وتنص على أن "الشعب الجزائري تعرض إلى أبشع أنواع وأخطر أنواع الجرائم خلال فترة الاحتلال، ما زالت آثارها وتأثيراتها إلى يومنا هذا".

واستدل أصحاب هذه المبادرة، باعترافات عن تلك الأفعال والممارسات وردت على لسان مجرمي حرب فرنسيين، كانوا "يتباهون ويتفاخرون بجرائم إبادة قبائل بأكملها، وحرق قرى ومداشر برمّتها، والقضاء على عائلات بأكملها بنسائها وأطفالها وشيوخها في جميع أنحاء البلاد".

احتوى مشروع القانون، بنودًا تطالب فرنسا بالاعتذار وتحمّل مؤسسات الدولة الجزائرية مسؤولية تحصيل حقوق الجزائريين التاريخية والسياسية والمالية من الدولة الفرنسية

محاولة جديدة لإحياء المشروع

منذ 2009، لم يثر البرلمان الجزائري ضرورة إحياء هذا المقترح، على الرغم من بقاء قطاع عريض من النواب خاصة المحسوبين على التيار الإسلامي على الموقف المتشدد في التعاطي مع ملفات مشتركة مع فرنسا الرسمية.

ويروي النائب البرلماني السابق عن حركة النهضة وأحد المبادرين بمشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، محمد حديبي لـ"نون بوست" قائلًا: "أطراف محسوبة على فرنسا كانت نافذة داخل مؤسسات الدولة الجزائرية هي من أجهضت المشروع على مستوى البرلمان الجزائري سنة 2009 رغم أن المقترح الذي يتضمن 19 مادةً حظي بدعم من 152 نائبًا من مختلف التشكيلات السياسية وهي سابقة في تاريخ الهيئة التشريعية".

واحتوى مشروع القانون، بنودًا تطالب فرنسا بالاعتذار وتحمّل مؤسسات الدولة الجزائرية مسؤولية تحصيل حقوق الجزائريين التاريخية والسياسية والمالية من الدولة الفرنسية.

ويضيف: "المقترح أسقط رؤوسًا كبيرةً من حزبي السلطة (جبهة التحرير الوطني الحاكم آنذاك وحزب التجمع الوطني الديمقراطي)، فقطاع عريض من نواب الحزبين رفضوا المضي قدمًا والضغط على السلطة لتمرير المشروع ردًا على قانون البرلمان الفرنسي الذي يمجد الاستعمار الذي تم التصديق عليه عام 2005".

ويتابع المتحدث أن فرنسا ضغطت بكل قوة على نظام بوتفليقة آنذاك لقطع الطريق أمام نواب برلمانيين من حزب جبهة التحرير الوطني أو ما يعرف اختصارًا بـ"الأفلان" وآخرين محسوبين على التيار الإسلامي وعدم تمرير مقترح "تجريم الاستعمار"، وفعلًا تم توقيف المقترح وتجميده نهائيًا وبقي حبيس أدراج الغرفة الأولى للبرلمان لسنوات طويلة.

ومن جهته يقول الإعلامي الجزائري أحسن خلاص، لـ"نون بوست": "المشروع تم إيقافه في أول محاولة من أعلى مستوى، حيث رفضه مكتب البرلمان وعلى رأسه عبد العزيز زياري بإيعاز من الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة لدواعٍ دبلوماسية".

المشروع سيكون له تأثيرات على ثلاثة مجالات رئيسية ويتعلق الأمر بالمجال الاقتصادي، ففرنسا تستفيد من 70% من مداخيل الجزائر والثقافي والتربوي

اختبار صعب أمام السلطة الجديدة وتحمل المبادرة البرلمانية، محاولة "استغلال المرحلة السياسية الجديدة" التي تشهد فيها علاقات الجزائر بباريس فتورًا ملحوظًا برزت معالمه بشكل كبير بعد سقوط نظام بوتفليقة وبروز نظام جديد، وكذلك تضع السلطة الحاليّة أمام اختبار فعليّ بخصوص قدرتها على الوفاء بالوعود التي أطلقتها بشأن تعزيز دور الهيئة التشريعية في المسائل المتعلقة بالتشريع، ومدى التزامها بتجسيد طلب اعتراف فرنسي بالاعتذار والتجاوب مع بقية المطالب الأخرى المتعلقة بتعويض ضحايا التفجيرات النووية، وهي تجارب نووية أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية بين 1960 و1966 لتعزيز قدراتها النووية وتمكنت بفضلها من دخول الدول النووية بعد الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي وبريطانيا، إضافة إلى خرائط الألغام التي زرعها الجيش الفرنسي خلال الحرب واسترجاع جماجم المقاومين الموجودة في متحف الإنسان بباريس.

يقول في الموضوع النائب البرلماني السابق عن حركة النهضة، محمد حديبي، لـ"نون بوست" إنه وفي حالة تمرير هذا المشروع فإنه سيقلب العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا رأسًا على عقب لأن له تأثيرات وانعكاسات دبلوماسية وقضائية دولية كاعتراف بالجرائم المرتكبة وتعويضات مادية ومعنوية للضحايا، خاصة أن المبادرة جاءت في وقت تشهد فيه العلاقات الجزائرية الفرنسية فتورًا ملحوظًا.

ويؤكد المتحدث أن المشروع سيكون له تأثيرات على ثلاثة مجالات رئيسية ويتعلق الأمر بالمجال الاقتصادي، ففرنسا تستفيد من 70% من مداخيل الجزائر والثقافي والتربوي.

ويطالب النائب البرلماني السابق عن حركة النهضة، بإعادة النظر في العلاقات القائمة مع فرنسا، ووضع حد لهيمنتها بعد أكثر من 57 سنة من الاستقلال، ويستدل المتحدث باستياء سفراء عدد من الدول الأوروبية من هذه الهيمنة على غرار ألمانيا وروسيا إضافة إلى اليابان، حيث عبروا عن امتعاضهم من طريقة منح الصفقات وسيطرة اللوبي الفرنسي عليها.

العلاقات الفرنسية الجزائرية خلال عهد ماكرون لم تفض إلى أي اتفاقيات اقتصادية مهمة ولم تفتح أي مشاريع جديدة

صمت فرنسي

شهد ملف الذاكرة منذ وصول إيمانويل ماكرون إلى سدة الحكم، جمودًا كبيرًا، رغم أن هذا الأخير أطلق تصريحات إيجابية بشأن الذاكرة خلال زيارته إلى الجزائر خلال حملته الانتخابية، وقال "الاستعمار جريمة ضد الإنسانية"، حيث إنه المرشح الوحيد للرئاسيات الفرنسية الذي تناول هذا الموضوع، لكنها بقيت مجرد حبر على ورق.

وفتح الموضوع مجددًا خلال مشاركته في احتفالات الذكرى الـ75 لـ"المحرقة النازية" التي نظمت شهر يناير/كانون الثاني الماضي، حيث شبه الجرائم التي ارتكبتها بلاده خلال احتلالها الجزائر بما حدث في "المحرقة النازية".

وقال ماكرون، وهو على متن الطائرة التي أقلته من الكيان الإسرائيلي: "مقتنع بأن على فرنسا إعادة النظر في ذكرى حرب الجزائر وذلك لوضع حد لصراع الذاكرة الذي يعقد الأمور داخل فرنسا"، وتابع: "أنا واضح جدًا بشأن التحديات التي تواجهني كرئيس من منظور الذاكرة، وهي تحديات سياسية، الحرب الجزائرية هي بلا شكّ أكثرها دراماتيكية، أنا أعرف هذا الأمر منذ حملتي الرئاسية، وهو تحدٍّ ماثل أمامنا، ويتمتّع بالأهمية نفسها التي كان ينظر بها شيراك عام 1995 لمسألة المحرقة النازية".

وفي تعليقه على هذا الموضوع يقول الإعلامي الجزائري أحسن خلاص، في تصريح لـ"نون بوست": "فرنسا في عهد ماكرون تعتمد على سياسية "هذه بهذه"، أي كلما طرحت الجزائر ملفًا تطرح فرنسا ملفًا آخر بالمقابل"، ويستدل المتحدث بالمرحلة التي قررت فيها الجزائر فتح ملف جماجم المقاومين المحتجزة في متحف الإنسانية بباريس، طرحت فرنسا بالمقابل ملف الحركى ومباشرة بعدها فتحت الجزائر ملف التجارب النووية لتطرح فرنسا بالمقابل ملف المفقودين الفرنسيين.  

"العلاقات الفرنسية الجزائرية خلال عهد ماكرون لم تفض إلى أي اتفاقيات اقتصادية مهمة ولم تفتح أي مشاريع جديدة، لعدة أسباب أبرزها أن الرئيس الفرنسي الحاليّ يفسر التاريخ للصالح الفرنسي ويخدم فرنسا بطريقته، أي أنه لم يغير شيئًا في سياسة فرنسا تجاه الجزائر"، طبقًا لـ أحسن خلاص.