رئيس الحكومة السودانية عبد الله حمدوك

في خطاب متلفز بثه التليفزيون الرسمي للدولة، أطلق رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، مبادرة شعبية تحث السودانيين في الداخل والخارج على التبرّع من أجل إنقاذ الاقتصاد الذي يقبع في غرفة الإنعاش منذ سنوات، وإعادة بناء البلد وإعماره، وقد حملت المبادرة اسم "القومة للسودان".

حمدوك أشار إلى أن الهدف من المبادرة استكمال الثورة الشعبية لإصلاح وبناء الدولة بعد عقود من الخراب والدمار، داعيًا كل سوداني وسودانية إلى المساهمة في الحملة التي ذكر أنها ستُخرج السودان من ظروفه الصعبة التي يواجهها منذ سقوط نظام الرئيس المعزول عمر البشير، التي خلفت وراءها إرثًا من الأزمات الاقتصادية، ومنها ندرة الخبز والوقود وغلاء فاحش في السلع الضرورية وتدهور مستمر في سعر الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية.

المبادرة لا تتوقف عند حاجز القضايا الملحة والطارئة التي فرضتها الظروف الراهنة وفي مقدمتها تفشي فيروس كورونا الجديد الذي أصاب اقتصاديات الدول بالشلل التام، إلا أنها - وبحسب رئيس الوزراء - سوف تتجه نحو تأسيس المشاريع الإستراتيجية القومية طويلة الأجل في مجال الزراعة والصناعة وتأهيل السكك الحديدية والسدود وغيرها من المشروعات.

الخطوة لاقت تأييدًا من تجمع المهنيين السودانيين الذي اعتبرها "جاءت في إطار تدابير متنوعة ناقشتها قوى الحرية والتغيير مع الحكومة من أجل استقطاب الدعم الشعبي لتمويل الموازنة العامة، وهي خطوة إلى جانب إسهامها الكبير في دعم الموازنة، تجعل التعامل مع تحديات البلاد الاقتصادية وقضايا الأمن القومي شأنًا وطنيًا وهمًّا نتشارك جميعًا في تدابير تجاوزه".

التجمع في بيان له على صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" دعا الشعب السوداني في الداخل والخارج والأجسام المكونة له والشركاء في قوى الحرية والتغيير إلى "دعم الحملة والانخراط فيها حتى يتجاوز السودان التحدي الاقتصادي والوباء الماثل".

وقد بلغ إجمالي إصابات السودان بفيروس كورونا قرابة 85 حالة ووفاة شخصين، حتى الأمس، فيما اتخذت السلطات جملة من التدابير الاحترازية أبرزها إغلاق الحدود السودانية برًا وجوًا وبحرًا، وتعليق الدراسة في الجامعات والمدارس، بجانب حظر التجمّعات والتجمهر وفرض حظر تجول ليلي قابل للتمديد حتى ساعات النهار، مع تدشين حملة توعية إعلامية واسعة شملت وسائل الإعلام كافة.

الدعم الدولي.. رهان خاسر

اللجوء إلى الشعب للمشاركة في مواجهة التحديات التي تواجهها البلاد لم يكن الخيار الأول على قائمة الحكومة، لكن خريطة الأوضاع الإقليمية والدولية بعد 5 أشهر تقريبًا من تسلم السلطة دفعت بحمدوك ورفاقه إلى التيقن أن الرهان على حصان الدعم الدولي رهان خاسر.

الموقف يتأزم رويدًا رويدًا أمام السلطة الجديدة، في ظل اتساع رقعة المطالب الشعبية في مقابل الفشل في التعاطي مع حدودها الدنيا، وهو الأمر الذي أدى خلال الأيام الأخيرة إلى تصاعد الاحتقان الشعبي الذي تجسد في عدد من المسيرات التي خرج أصحابها للتنديد بفشل الحكومة في تلبية متطلباتهم الحياتية الرئيسية وفي مقدمتها الخبز والوقود.

كانت الحكومة الجديدة تعول وبشكل كبير على الدعم الدولي وتعهدات العديد من الدول الإقليمية التي صرحت بوقوفها إلى جانب الشعب السوداني ومساندته في مساره الثوري حتى الوصول إلى بر الأمان، وعليه كانت المنح والمعونات المقدمة للسلطة، لكن سرعان ما تبخرت تلك المساعدات.

وقد أوقفت دول مثل السعودية والإمارات، ما بدأت بتقديمه للبلد أيام المجلس العسكري الانتقالي الذي استلم السلطة من البشير المعزول، أبريل العام الماضي، وجاء الإيقاف بعد تشكيل الحكومة المدنية، فيما لم يجد السودان الدعم المالي المناسب من الولايات المتحدة وأوروبا رغم التعهدات المستمرة.

السودانيون كانوا يراهنون كثيرًا على المؤتمر الذي كان من المقرر أن يُعقد في يونيو القادم في العاصمة الخرطوم للمانحين لمساعدة السودان، لكن في ظل الوضعية الحاليّة، وغلق المجالات والحدود بين الدول بسبب أزمة كورونا التي لا يعلم أحد متى تنقشع غمتها، بات مصير المؤتمر غير معروف، ومن جانب آخر فإن الكلفة الاقتصادية العالية لمواجهة هذا الوباء ربما تدفع الكثيرين إلى إعادة النظر في أي توجهات لدعم حكومات دول أخرى.

انقسام في الشارع السوداني

انقسم الشارع السوداني حيال مبادرة حمدوك إلى قسمين: الأول يراها خطوة إيجابية لإشراك الشعب السوداني في نهضة بلاده من عثرتها، لافتين إلى أن هذا حق الدولة على مواطنيها، وأنه قد آن الأوان ليثبت كل مواطن صدق حبه وانتمائه للوطن، فيما اعتبرها الفريق الآخر دليل فشل واضح للحكومة وأن الأمر لا يعدو كونه تأجيلًا لسقطوها الذي بات حتميًا وفق تعبيرهم.

وبعد ساعات قليلة من إنهاء حمدوك خطابه، أطلق رواد مواقع التواصل الاجتماعي في السودان وعدد من الدول العربية، وسم #القومه_للسودان الذي كان من أكثر الوسوم انتشارًا في السودان، ومتصدرًا قائمة أكثر الوسوم انتشارًا في قطر، وبعض الدول الأخرى التي يوجد بها جالية سودانية كبيرة.

من جهتها قالت أمل أبو عيسى: "المبادرة تهدف إلى زرع حب الوطن في نفوس الأبناء وتربية النشء على سلوك البناء والتعمير، وذلك من منطلق المسؤولية المجتمعية الملقاة على أبناء الوطن في المساهمة بتطوير وتعمير هذا الوطن الغالي، ‏أعز مكان وطني السودان".

فيما ذهب أباذر حسن إلى أن: "القيمة الأساسية من الحملة التوحد حول هدف واحد كما أنجز الشعب ثورته السلمية، ورغم المواقف والتباين في الآراء من وضع الحكومة في إنجاز منجزات الثورة رأينا كيفية التفاعل اللامحدود مع خطاب بث في دقائق لاستنهاض الهمم في خدمة الوطن، نمتلك كنزًا غاليًا وهو الشعب السوداني".

الأمر ذاته أكده الناشط أحمد الفاتح، الذي أوضح أن الهجوم الذي قوبلت به المبادرة إنما يعكس حجم كراهية البعض لهذا الوطن، لافتًا إلى أن الخطوة في ظاهرها جيدة لكنها تحتاج إلى مزيد من التفاصيل والانضباط حتى لا تتحول إلى ظاهرة عامة يعتمد عليها اقتصاد البلاد كما هو الحال في بعض البلدان الشقيقة دون أن يسميها.

وفي الجهة المقابلة، رأى البعض أن الحملة لن تنجح في إنقاذ السودان، بل ستؤجل سقوط الدولة، وهو ما أوضحه إبراهيم غندور بقوله: "فشل حكومة حمدوك يرجع إلى اعتمادها على مؤتمر أصدقاء ‫السودان الذي تأجل ثم ألغي بسبب كورونا وخطاب (القومة للسودان) فقط سيؤجل السقوط".

الرأي ذاته اتفاق معه فيه محمد كودي حين قال: "قديمًا قالوا أموال السودان بالخارج ستحل كل أزماته، حينما استلموا السلطة من الكيزان تبخرت تلك الوعود باسترداد المال المنهوب من البنوك الإنجليزية والماليزية والآن يتجهون للشحاذة الحرامي لو أعطيته كل ما تملك لن يقدم خدمة للوطن".

مكاسب سياسية

رب ضارة نافعة.. هذا لسان حال حكومة حمدوك منذ تفشي وباء كورونا الجديد، حيث حصدت الحكومة بعض المكاسب السياسية جراء انشغال السودانيين بالوباء وتداعياته، فيما تناسى المعظم الضائقة المعيشية والاحتقانات السياسية في البلاد التي تعيش واحدة من أكثر اللحظات حرجًا في تاريخها.

قبيل تحول أزمة الفيروس الذي ظهر في الصين نهاية العام الماضي، إلى وباء مرعب، كان الشارع السوداني على صفيح ساخن، احتقان شعبي في مقابل فشل حكومي واضح على أكثر من ملف، الأمر الذي أنذر باحتمالية إسقاط الحكومة الانتقالية لا سيما بعدما فشلت في تلبية الحد الأدنى من المطالب والاحتياجات التي بسببها قام السودانيون بثورتهم.

فعلى المستوى الاقتصادي مثلًا تعاظمت طوابير المواطنين أمام منافذ بيع الخبز وفي محطات الوقود، بجانب تفشي الغلاء المستفحل في أسعار السلع الضرورية والخدمات وأسعار الدواء، تزامن ذلك مع انهيار غير مسبوق في قيمة العملة الوطنية (الجنيه) مقابل العملات الأجنبية خصوصًا الدولار الأمريكي.

أمام تلك الوضعية الحرجة، جاءت جائحة كورونا ليغض الجميع الطرف عن كل تلك الملفات الحساسة، لينصب التركيز على ضرورة التكاتف في مواجهة الوباء الذي بات يمثل كابوسًا يؤرق مضاجع العالم كله

أما سياسيًا، فإن الأوضاع لم تكن بالحال الأفضل من نظيرتها الاقتصادية، إذ لا تزال الضبابية تخيم على المشهد، حيث تتعثر بين الفينة والأخرى مفاوضات السلام مع الحركات المسلحة، التي تجرى منذ أكثر من 6 أشهر في مدينة جوبا، برعاية من حكومة جنوب السودان ودعم إقليمي ودولي، وهو ما ينعكس على الشق الأمني الداخلي.

علاوة على نزيف الشعبية المستمر الذي يفقده تحالف "الحرية والتغيير" الحاكم يومًا بعد يوم، وهو الذي كان قبل عدة أشهر حديث الجميع، في الداخل والخارج، إذ تعرض التحالف لاختبارات صعبة أثرت في وحدته الهيكلية ووحدة مواقفه السياسية، الأمر الذي دفع الشارع للمطالبة بتصحيح المسار والتلويح بورقة الثورة على حكومة الثورة.

وأمام تلك الوضعية الحرجة، جاءت جائحة كورونا ليغض الجميع الطرف عن كل تلك الملفات الحساسة، لينصب التركيز على ضرورة التكاتف في مواجهة الوباء الذي بات يمثل كابوسًا يؤرق مضاجع العالم كله، ليدفع ذلك الجميع إلى تهدئة اللعبة السياسية بما في ذلك الأحزاب المعارضة للنظام الحاليّ وعلى رأسها حزب "المؤتمر الوطني"، حزب البشير، الذي ألغى قبل أسبوع أكبر تظاهرة سياسية دعا لها لإسقاط حكومة حمدوك.

تفاعل متوسط المستوى لاقته مبادرة "القومة للسودان" بعد ساعات من انطلاقها، وهو ما تعكسه ردود الفعل على منصات السوشيال ميديا، لكن من السابق لأوانه الحديث عن مدى نجاحها وقدرتها على عبور المرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد، خاصة أن الوضع يتفاقم يومًا تلو الآخر، وما كان صالحًا اليوم ربما في الغد يفقد تلك الميزة.