تصريحات "عنصرية" للفنانة الكويتية حياة الفهد كانت الشرارة الأولى لنشوب الأزمة الأخيرة

معركة حامية الوطيس تشهدها منصات السوشيال ميديا بين المصريين والكويتيين الأيام الأخيرة، جراء السجال والتراشق الإعلامي بين عدد من الشخصيات العامة هنا وهناك، الأمر الذي تفاعل معه الكثيرون من الطرفين، حتى تحول العالم الافتراضي وكأنه ساحة حرب حقيقية، السباب والمعايرة سلاحها الأبرز.

فلم تكد حدة الانتقادات والغضب من تصريحات الفنانة الكويتية حياة الفهد عن الوافدين بالكويت تهدأ، إلا عادت واشتعلت من جديد، مع تصريحات للنائبة في مجلس الأمة الكويتي صفاء الهاشم، ومقطع فيديو لإعلامية كويتية أظهر ازدراءً للوافدين، فيما تصدر هاشتاغ ضد الهاشم قائمة التغريدات الأكثر تداولًا بمصر.

سجال ليس الأول من نوعه، في ظل صمت الأجهزة الرسمية في البلدين وعدم التدخل لوقف هذه المعركة، إلا أنه يعمق حالة الاحتقان بين الشعبين جراء العديد من الممارسات الأخيرة التي فسرها كل طرف وفق أجنداته الخاصة، وهو ما يخشى أن ينعكس في نهاية الأمر على العلاقات بين البلدين، التي رغم تباين وجهات النظر بينهما في العديد من الملفات، فإنهما يحافظان على نقطة التوازن في مسارها.

الفهد.. تشعل فتيل الأزمة

كانت الشرارة الأولى لنشوب الأزمة الأخيرة تلك التصريحات الصادرة عن الفنانة الكويتية حياة الفهد (71 عامًا)، التي دعت من خلالها إلى طرد من وصفتهم بـ"العمالة السائبة" من الوافدين في بلدها، معتبرةً أن استمرار وجودهم في الكويت سيمثل خطرًا كبيرًا، جاء ذلك خلال مداخلة لها في برنامج "أزمة وتعدي" على قناة A-TV الكويتية، في 31 من مارس الماضي، هاجمت خلالها من وصفتهم "تجار الإقامات" والعمالة التي ملأت أرجاء بلادها "إلى حد جعل الأمور أكبر من القدرة على التحمّل"، بحسب تعبيرها.

وبحسب تصريحاتها فإن ما أثار غضب الفنانة الكويتية صعوبة حصولها على كيس من البصل، وقالت إنها أرسلت سائقها للحصول على البصل ولم يجده في السوق، وأضافت أن شخصًا عرض عليه الحصول على كيس صغير مقابل 12 دينارًا، ملمّحةً إلى أن المكان الذي ذهب إليه السائق للشراء فيه مقيمين من "خلال الأرقام الموجودة على لوحات السيارات هناك".

نبرة الصوت العالية التي تحدثت بها الفهد وكان يغلفها الغضب، أثارت موجة من الجدل على منصات السوشيال ميديا، لا سيما حين تحدثت عن أن بعض المنازل تعجّ بعدد كبير من العاملين، وقالت: "الكويتيون لو مرضوا فلا توجد مستشفيات تستقبلهم"، وتساءلت: "لماذا تستضيف الكويت العمالة بينما ترفضهم بلدانهم".

وأضافت معلقة على انتشار كورونا الجديد في الكويت "ألا يوجد قانون دولي يقول في الأزمات إنه من المفترض أن يخرجوا (العمالة)، أطلعهم وأقطهم (ارميهم) برا، أقطهم في البر (وهي كلمة مُستخدمة بالخليج للدلالة إلى الصحراء).. أكلوا الخير ولعبوا واستأنسوا بس يروحون (يخرجون)"، وفق وصفها.

ولم تمر ساعات قليلة على تصريحات الفهد المثيرة للجدل حتى دعت النائبة في مجلس الأمة الكويتي صفاء الهاشم الحكومة إلى اتخاذ قرار "عاجل" بترحيل وافدين، حيث كتبت على حسابها على فيسبوك، قائلة "بعد أن وصلت الإصابات بكورونا لهذا العدد الكبير والتقصي الوبائي بازدياد فإن على الحكومة الدفع بقرار عاجل ومن دون تردد بترحيل كل الوافدين الذين لا يعملون ويعتبرون عمالة هامشية".

الهاشم المعروف بتصريحاتها المثيرة للجدل ضد المصريين أعادت نشر تصريح سابق لها قالت فيه "غالبية الوافدين الآن بهذه الظروف أصبحوا خطرًا على الكويت وضررهم أصبح أكبر من نفعهم، لأنهم أحد الأسباب الرئيسية لانتشار الوباء لذا فإن إعادتهم إلى بلدانهم يحد من خطر الفيروس ويحل بشكل كبير مشكلة التركيبة السكانية"، كما نشرت أيضًا تغريدة للكاتبة خلود الدهيم طالبت فيها "بترحيل مليوني وافد على الأقل".

سجال متبادل

ردود فعل منددة قوبلت بها تصريحات الفنانة الكويتية، وبشكل خاص من المصريين الذين يعتبرون أنهم المستهدفون بتلك التصريحات كونهم الشريحة الأكبر في البلاد، حيث تصدر هاشتاغ #حياة_الفهد قائمة التغريدات الأكثر تداولًا، فيما اتهم المئات من النشطاء الفهد بـ"العنصرية".

حمل السجال المتبادل العزف على أوتار عدة، حيث ركز المصريون على الدور الذي قامت به القوات المسلحة في تحرير الكويت من الاعتداء العراقي في 1990، وكيف دافع المصريون عن أشقائهم وأعادوا لهم دولتهم مرة أخرى بعدما طردوا منها، فيما استنكر الكويتيون الوضع الاقتصادي والسياسي والمجتمعي المتردي الذي بات عليه المصريون هذه الأيام.

الإعلامي المصري محمد زيادة على حسابه على توتر اتهم الفهد بالعنصرية قائلًا إنها نموذج سيئ للفن وللإنسانية، تناست وهي تهين المقيمين على الهواء أن المصور مقيم والمخرج مقيم ومنسق الاتصال الهاتفي مقيم ومن ينظف وجهها أمام الكاميرا مقيم ومن يحرس بيتها مقيم ولو ذهبوا جميعًا لتحولت حياة إلى جيفة ملقاة في بيتها الذي بناه أيضًا المقيم.

أما لمى فكتبت تقول: "لو المصاري سبب غرورك فقبور أجدادنا من الذهب والفضة ومنازلكم من الحصير والقش، لو التاريخ هو سبب غرورك فالتاريخ ذكر أننا أصحاب 10 آلاف عام من الطب والتحنيط والفلك والهندسة والحروب والإمبراطوريات.. التاريخ لم يذكر سوى أنك تسكنين الصحراء".

حساب باسم "هبة"، كتب موجهًا كلامه للفنانة الكويتية: "مع كل الحب والاحترام الذي بقلبي لكِ، حياة الفهد، ولدولة الكويت الشقيقة، إلا أن كلامك بهذه الطريقة والحدة من أكبر وصمات العار التي لن ينساها الكويتي الشهم قبل أي عربي آخر، في الكويت، المُعلم الأردني والطبيب السوري والمهندس الفلسطيني والممرض اللبناني"، مشيرة إلى أن الوافدين يدفعون من الضرائب مثل ما يدفعه الكويتي.

أما حساب باسم "محمد عبد الله" فقال: "سقوووط مدوي للفنانة الكويتية #حياة_الفهد تطالب بعدم علاج الوافدين في مستشفيات بلادها وتقول: لو كان الأمر بيدها ستقوم برميهم في الصحراء، الله المستعان".

وفي سياق متصل أشار نشطاء إلى أن الكويت ليست الفهد ولا الهاشم، فالشعب الكويتي أكبر من هذه الاستثناءات التي تمثل نفسها قبل أن تمثل دولتها، متناولين بعض المقاطع المصورة لمواطنين كويتيين يوجهون الدعم لمقيمين مصريين هناك، حيث أعفوهم من دفع إيجار العقارات التي يقطنونها حتى تنتهي الغمة.

أما الإعلامي تامر المسحال، فوجه رسالة لها قائلًا: "كلامك لن يغير من قناعتنا وحبنا للكويت وأهلها.. هم أهل خير وأياديهم خير ولك في دعمهم المالي قبل أيام لأهل فلسطين بخمسة ملايين ونصف مليون دولار لمواجهة أزمة #كورونا خير دليل.. "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت "صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وفي الجهة الأخرى، شن مواطنون كويتيون هجومًا حادًا على مصر والمصريين، على رأسهم مبارك البغلي الذي بات حديث الشارع المصري خلال الأيام الماضية، إلى الحد الذي طالب البعض بمنع دخوله الأراضي المصرية لما بدر منه من إساءة وتجريح بحق الشعب المصري.

البغلي في تغريدة له ساخرًا من الحكومة المصرية قال: الحجر الصحي في الكويت: منتزهات فخمة وفنادق 5 نجوم وبوفيهات فاخرة ورعاية 24 ساعة وتوفير كل شيء للكويتي دون أن يدفع فلسًا واحدًا، الحجر الصحي في (مصر): إما أن تدفع نفقة الحجر أو يتركونك في العراء ومستشفيات متهالكة.. هذه حضارة بلادي التي تعايروني بها يا أصحاب السبعتلاف سنة".

أما محمد النعماني، فأشار إلى أنه رغم الهجوم الحاد على #حياه_الفهد "إلا أن كلامها به منطق، فموارد الدول أولى بها المواطنون، وفي الظروف العادية لم تقصر الدولة مع أي جنسية إلا أن في مثل هذه الأوضاع يجب أن تتحمل كل دولة مواطنيها.. فمثلًا يمكن أن يأتي مليونين شخص من الهند وتنتشر بينهم الإصابة ويكونوا عالة علينا".

صمت رسمي

لم تكن هذه المرة الأولى التي يدخل شعبا البلدين في سجال وتراشق إعلامي على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتادت النائبة صفاء الهاشم استفزاز المصريين بين الحين والآخر بتصريحات مسيئة، ورغم التراجع عنها أكثر من مرة، بدعوى أنه أُسيئ فهمها، فإن ذلك لم يقلل من غضب الشارع المصري.

ففي 2015 على سبيل المثال ترددت شائعة على السوشيال ميديا أثارت جدلًا واسعًا، حيث نشر البعض واقعة مفادها سرقة أيفون وزير كويتي من الوفد المصري المرافق للرئيس عبد الفتاح السيسي خلال زيارته للكويت في هذا التوقيت، وعلى الفور دشن نشطاء هاشتاغ #الوفد المصري يسرق جوال الوزير الكويتي للغرض.

ورغم نفى وزير التجارة والصناعة الكويتي عبد المحسن المدعج، تلك المزاعم، مؤكدًا أنه لم يلتق أصلًا بالوفد الإعلامي المرافق للسيسي، وأن الأمر لا يتعدى كونه "حركة سخيفة" يتولاها من يريد أن يعكر العلاقات بين الشعبين الكويتي والمصري، فإن الواقع الافتراضي شهد معركة حامية الوطيس بين شعبي البلدين.

بالطبع فإن حالة الاحتقان بين شعبي البلدين وتربص كل طرف للآخر، ليست وليدة الصدفة، إذ تخفي تحت رمادها نارًا قابلة للاشتعال بين الحين والآخر، ولعلها تعكس وبشكل نسبي طبيعة العلاقات بين البلدين، رغم التنسيق المعلن بين النظام الحاكم هنا وهناك، وهو ما تترجمه المواقف الأخيرة التي دعمت فيها الحكومة الكويتية نظام السيسي.

الآونة الأخيرة شهدت توترًا بين البلدين بسبب تباين وجهات النظر حيال بعض الملفات، لعل أبرزها الموقف من الأزمة الخليجية، إذ اختارت الكويت القيام بدور الوساطة لتقريب وجهات النظر لحلحلة الأزمة بدلًا من الرضوخ للموقف الخليجي المصري، هذا بخلاف موقفها من جماعة الإخوان المسلمين.

علاوة على ذلك فإن الموقف الأخير الخاص بتعليق الرحلات الجوية القادمة من مصر، كإجراء احترازي لوقف تفشي فيروس كورونا وفرض تحليل إجباري على كل القادمين من الأراضي المصرية، أثار موجة استنكار كبيرة لدى الشارع المصري، الذي طالب بالرد بالمثل.

اللافت للنظر أن الجهات المسؤولة في كلا البلدين لم تحرك ساكنًا حيال هذا السجال - حتى كتابة هذه السطور -، رغم أن المشاركين فيه أعضاء في البرلمان وشخصيات عامة، فلم يصدر بيانات تعلق على ما يدور على منصات التواصل الاجتماعي، تجاهل يراه البعض دبلوماسيًا للحيلولة دون تفاقم الوضع، خاصة أنه ليس الأول من نوعه، فيما اعتبره آخرون انعكاسًا لطبيعة العلاقات التي تعاني من شروخ دفينة رغم التفاهم المعلن.