تزايد أعداد المصابين بكورونا في إفريقيا

تتزايد أعداد المصابين بفيروس كورونا في القارة الإفريقية يومًا بعد يوم، رغم بعدها في الأسابيع الأولى لتفشي الوباء عن دائرة الخطر، الأمر الذي تتصاعد معه توقعات حدوث طفرة بنسبة الإصابة في ظل فقدان معظم دول القارة للأنظمة الصحية المؤهلة لمواجهة الفيروس والتعامل معه.

لم يكن كورونا الفيروس الوحيد الذي أصاب القارة التي لها تجارب قاسية مع الفيروسات بصفة عامة، لعل أبرزها في 2014-2016 حين تفشى فيروس إيبولا في غرب القارة، ما أظهر وقتها ضعف الدول أمام الأوبئة الفتاكة، ومن قبله وباء إنفلونزا الخنازير H1N1 عام 2009، الذي أثر بشكل غير متناسب على السكان الذين يعيشون في المناطق الأكثر فقرًا بالقارة.

وبينما يعاني الاقتصاد العالمي من هزة عنيفة جراء تداعيات الفيروس الفتاك التي ربما تجاوزت الأزمة العالمية في 2008، فيما قد تكون - حال استمر الوضع على ما هو عليه - أسوأ من أزمة الركود العالمي الكبير الذي ضرب العالم في 1929، يتعرض الاقتصاد الإفريقي هو الآخر لخسائر فادحة.

فوفق دراسة للاتحاد الإفريقي من المتوقع أن يفقد ما يقرب من 20 مليوني إفريقي وظائفهم حال استمرار تفشي وباء كورونا، وسط تزايد التشاؤم بشأن مستقبل اقتصادات دول القارة خاصة أن البنك الإفريقي للتنمية كان قد توقع - قبل تفشي الفيروس - أن يصل الناتج المحلي الإجمالي على مستوى القارة إلى 3.4%.

270 مليار دولار خسائر متوقعة

الدراسة التي حملت عنوان "تأثير فيروس كورونا على اقتصاد إفريقيا"، تناولت سيناريوهين من المتوقع أن يشهدهما الاقتصاد الإفريقي، ويتمحورا حول انكماش الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما ينعكس بالطبع على العديد من القطاعات والمجالات شديدة الصلة بحياة المواطن.

السيناريو الأكثر واقعية للباحثين الذين أعدوا الدراسة، يتمثل في انكماش اقتصاد إفريقيا 0.8% بينما يتوقع السيناريو المتشائم انكماشًا بنسبة 1.1%، مع الوضع في الاعتبار أن ما يصل إلى 15% من الاستثمار الأجنبي المباشر قد يختفي، وفق نتائج الدراسة.

تراجع الصادرات والواردات بنسبة 35% على الأقل من مستويات 2019، لتؤدي إلى خسارة في قيمة التجارة بنحو 270 مليار دولار

كما وجد الباحثون كذلك أن الحكومات الإفريقية قد تخسر ما يتراوح بين 30:20% من إيراداتها المالية، التي تفيد التقديرات أنها بلغت 500 مليار دولار في 2019، بينما توقعت تراجع الصادرات والواردات بنسبة 35% على الأقل من مستويات 2019، لتؤدي إلى خسارة في قيمة التجارة بنحو 270 مليار دولار، وسيكون هذا في وقت تؤدي فيه مكافحة انتشار الفيروس إلى زيادة الإنفاق العام بمقدار 130 مليار دولار على الأقل.

كما أشارت إلى أن منتجي النفط بالقارة، الذين شهدوا تراجع قيمة صادراتهم من الخام خلال الأسابيع الماضية، سيكونون من بين الأكثر تضررًا، وبحسب الدراسة قد تخسر نيجيريا وأنغولا، وهما أكبر بلدين منتجين للنفط في منطقة جنوب الصحراء الكبرى، 65 مليار دولار من الإيرادات وحدهما. ومن المتوقع أن تشهد الدول المصدرة للنفط بالقارة تضاعف عجز ميزانياتها هذا العام بينما تنكمش اقتصاداتها 3% في المتوسط.

من جانب آخر ستعاني الدول التي تشكل السياحة جزءًا كبيرًا من ناتجها المحلي الإجمالي من انكماش اقتصاداتها بنسبة 3.3% في المتوسط هذا العام، ما يقترب من 50 مليار دولار، لكن يُتوقع أن تنكمش اقتصادات سيشل والرأس الأخضر وموريشيوس وجامبيا، وهي مراكز سياحية رئيسية في إفريقيا، 7%.

جهود لاحتواء كورونا في إفريقيا

تداعيات أكثر تأثيرًا

القارة الإفريقية ربما تكون الأكثر تضررًا من حالة الشلل التي أصابت الاقتصاد العالمي، إذ إن الوضع بطبيعته يعاني من تشوهات كبيرة على أكثر من مجال، حيث كان متوسط النمو السنوي المنخفض في إفريقيا، والبالغ 3.3% في الفترة ما بين 2014 و2019، في الأساس، نتيجة لإستراتيجيات التنمية الخاطئة التي ركزت على الصناعات غير القابلة للحياة التي تعتمد على كثافة رأس المال (غالبًا في قطاعات السلع الأساسية)، بدلاً من تعزيز القطاعات التنافسية كثيفة العمالة.

التراجع الكبير في معدلات النمو أدى بطبيعة الحال إلى ضعف النظم الصحية وضعف الحوكمة والزيادات السريعة في الدين العام والعجز الكبير في البنية التحتية، وفي ظل عدم استقرار المؤسسات الصحية وفقدانها للإمكانات المؤهلة، بجانب نقص الأطباء والعاملين الصحيين والأدوية والإمدادات الطبية، فمن المرجح أن ترتفع أعداد الإصابات، ما سيؤدي إلى أزمة إنسانية من المحتمل ألا يتم الإبلاغ عنها.

ووفق تلك الرؤية قد ينتشر الفيروس بصورة أكبر في المناطق الأفقر التي ليس لها إمدادات مياه أو صرف الصحي، وفي ظل وجود معاول الهدم مثل مستويات التعليم المنخفضة والعادات الاجتماعية السائدة والتشكك تجاه الحكومة، ربما تواجه الجهود المبذولة لاحتواء الوباء تحديات كبيرة تعيقها عن تحقيق أهدافها.

كذلك فإن انخفاض أسعار النفط والغاز الطبيعي والمعادن والفلزات، كنتاج طبيعي للوباء، سيقوض إلى حد كبير الوضع المالي للعديد من الاقتصادات الإفريقية الكبيرة، وخاصة نيجيريا وجنوب إفريقيا والجزائر والكاميرون وأنغولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وغينيا الاستوائية وتشاد والكونغو وتنزانيا، الأمر الذي تضطر معه حكومات تلك الدول إلى إجراء تعديلات مؤلمة على الاقتصاد الكلي في أصعب الأوقات.

يبلغ إجمالي حجم الديون الخارجية والمحلية في القارة حاليًّا، 500 مليار دولار، وارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من 38% عام 2008، إلى 54% عام 2018

وفي الوقت الذي لجأت فيه معظم حكومات العالم إلى تدابير تحفيز قوية وغير مسبوقة غالبًا على المدى القصير، لامتصاص التداعيات السلبية لانتشار الوباء، فإنه في المقابل تفتقر معظم البلدان الإفريقية إلى حيز السياسات والقدرة على القيام بذلك، أو أنها تكون مقيدة بترتيبات نقدية تمنعها من تنفيذ الإستراتيجيات الوطنية.

وتحتاج القارة على المدى القصير تحديدًا إلى مساحة مالية أكبر لتعزيز الإنفاق الصحي، لاحتواء الفيروس ومساعدة القطاعات الأكثر تضررًا وتحفيز الاستهلاك المحلي، في حين يجب على البنوك المركزية في تلك الدول اتخاذ بعض القرارات الحيوية التحفيزية منها خفض أسعار الفائدة وتوجيه السيولة للشركات والأسر.

هذا بخلاف ضرورة اعتماد تدابير على مستوى القارة لتحسين تنسيق السياسات الضريبية الوطنية وزيادة التحصيل وتعزيز النمو الاقتصادي حتى تتمكن جميع البلدان من تعزيز أنظمتها الصحية الوطنية، وسيوفر تسريع تنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، على وجه الخصوص، مساحة مالية إضافية.

أشارت دراسة حديثة إلى حاجة إفريقيا لمرفق تمويل دولي خاص يهدف إلى تعزيز نمو إنتاجيتها في المستقبل، كاشفة أن بعض إجراءات السياسة التجارية التي يمكن تنفيذها بسهولة - مثل إلغاء التعريفات الثنائية الحاليّة وجميع الحواجز غير التعريفية المفروضة على السلع والخدمات داخل القارة وتقليص الوقت الذي يستغرقه عبور الحدود - ستولد 134 مليار دولار أو 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي لإفريقيا.

مع الوضع في الاعتبار ضرورة النظر في خطة جديدة شاملة لتخفيف عبء الديون بالنسبة للبلدان الإفريقية ذات الحكم الرشيد، إذ يبلغ إجمالي حجم الديون الخارجية والمحلية في القارة حاليًّا، 500 مليار دولار، وارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من 38% عام 2008 إلى 54% عام 2018.

موقف صعب تواجهه دول القارة، رغم نظرة التفاؤل التي تخيم على البعض حيال مستقبل الفيروس في بعض المناطق الحارة، فإن المؤشرات تذهب إلى أبعد من ذلك، خاصة في ظل ارتباط اقتصاد القارة باقتصادات الدول التي تعد اليوم حضانات للوباء وعلى رأسها الصين وأوروبا والولايات المتحدة، وهو ما يضع تحديات الاكتفاء الذاتي أمام دول إفريقيا التي ربما تجد في الأزمة الحاليّة فرصة جيدة للتكاتف من أجل إعادة تشكيل خريطة التحالفات الاقتصادية والموارد التي تعتمد عليها اقتصادات تلك الدول، ويبقى السؤال: هل تستغل الدول الإفريقية الفرصة؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.