كانت القوى الاستعمارية الأوروبية قبل ثلاثة قرون من الأن تعربد شرقًا وغربًا في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، في الوقت الذي كانت تعاني فيه الدول العربية والإسلامية من ضعف مذري على كافة المستويات، الأمر الذي جعلها فريسة سهلة للسقوط بين فكي الاستعمار الغاشم.

فما أن لبث الأسبان في إخراج المسلمين من الأندلس إلا وأحتلوا مدينة مليلية بالمغرب عام 1497م، زاملهم في مخططهم الاستعماري الدولة الفرنسية التي بدأت تتحرش بالشرق فأحكمت قبضتها على مصر، فيما كانت الإمبراطورية البريطانية تسيطر على الهند ودول أخرى في القارة الأسيوية.

وفي 1904 جلس المستعمرون الأوروبيون يقسمون تورتة الثروات، إذ عقدت القوتان العظميان بريطانيا وفرنسا اتفاقاً يقضي بتنازل فرنسا لبريطانيا عن “حقوقها” في مصر، مقابل اعتراف بريطانيا بحماية فرنسا للمغرب، وعلى الجانب الأخر كانت هناك اتفاقية أخرى تتشكل بين فرنسا والمحتل الإسباني، تتعلق بتقسيم مناطق النفوذ في المغرب، فكان الشمال وأقصى الجنوب من نصيب الإسبان، في حين كان الوسط من نصيب الفرنسيين.

غير أن تلك الوضعية لم ترضي المغاربة الذين هبًوا من أجل التصدي لهذا المخطط، فقامت عدة انتفاضات وهبّات شعبية ضد المحتل، لكن نظرًا لتواضع مستوى تسليح المقاومين، جاءت تلك المحاولات بنتائج عكسية، حيث مارس المحتل مزيدًا من القمع، فتوسعت القوات الإسبانية في منطقة الريف، في حين توسعت فرنسا بالوسط.

لم يرفع سكان الريف المغاربة الراية البيضاء كما كان متوقع في ظل الفروق القوية في القدرات العسكرية بين الجيش الإسباني والمقاومة، إذ خرج من بين أصلابهم زعماء يشار لهم بالبنان في النضال ضد المحتل، منهم الشريف محمد أمزيان في الفترة من (1909-1912م)، وكذلك الشريف أحمد الريسوني في الفترة من (1912-1925)، ثم جاء دور محمد عبدالكريم الخطابي، الذي لقن القوات الإسبانية درسًا قاسيًا في فنون القتال في معركة أنوال الشهيرة، التي كسر فيها أنفق القوى الاستعمارية الأبرز في أوروبا في هذا الوقت.

تعد معركة أنوال من أهم المعارك التي شهدها العالم الحديث في القرن العشرين، وكان الانتصار فيها تاريخيًا، وكان لنتائجها صدى كبير على الصعيد المحلي والوطني والعربي والدولي، كما كانت بمثابة زلزال مدو هز عرش الإمبراطورية الإسبانية فأطاح بحكومتها ووضع سمعة جيشها على المحك.

سنوات من المقاومة

عشرات المواجهات نشبت بين القوات الإسبانية والمقاومة في منطقة الريف الشرقي، بدءًا من العام 1906 حين حمل الشريف أمزيان لواء الدفاع المنطقة مرتكزًا في مواجهته على عرقلة تغلغل الإسبان في أزغنغان بعد مده للسكة الحديدية لاستغلال مناجم الحديد في منطقتي أفرا وجبل إكسان.

خاض جيش الخطابي المتواضع في العدد والإمكانيات مواجهات حامية الوطيس مع القوات الإسبانية

وعلى مدار 6 سنوات كاملة من المواهات كبد أمزيان الإسبان هسائر مادية وبشرية، إلى أن توفى عام 1912 ليأتي من بعده الريسوني الذي قاد هو الأخر سنوات من النضال،  في مواجهة أطماع الحكام الإسبان والطبقة الأرستقراطية المناصرة لسياسة الحرب وأطماع الحزب الحاكم.

الفارق في مستوى العدة والعتاد كان لصالح الأسبان بالفعل، حيث أحتلوا الحسيمة وحصلوا على خيرات الريف واستغلوا معادنها بعد استيلائها على الناظور وتطوان، وفي هذه الأثناء كانت أسرة عبد الكريم الخطابي تواصل هي الأخرى النضال المستميت ضد المستعمر الإسباني.

ولما استقر في يقين الخطابي النوايا السئية للأسبان قرر تشكيل إمارة جهادية هدفها مقاومة المحتل ودفعه للخروج من تراب الوطن، فقام أولا بتوحيد  قبائل الريف مثل: كزناية وبني ورياغل وبني توزين وتمسمان، وأسس إمارته على أحكام شريعة الله وأنظمة الإدارة الحديثة، وأبعد الريفيين عن الفوضى والثأر، وأجبرهم على الاحتكام إلى عدالة الشرع والقضاء الإسلامي.

خاض جيش الخطابي المتواضع في العدد والإمكانيات مواجهات حامية الوطيس مع القوات الإسبانية كان أبرزها ما حدث في يونيو 1921، حيث كانت تتمركز القوات الإسبانية في منطقة أبران، لتهاجمها قوّة من الريفيين تتكوّن من 300 مقاتل، وتنجح في تحرير المنطقة والاستيلاء على سلاح الجنود.

فتح النصر في هذه المعركة الباب على مصراعية لدعم وتأييد الخطابي من شيوخ القبائل الريفية، حيث انهالت التأييدات والمبايعات له، وانضم إليه ما يناهز 3 ألاف مقاتل، فضلا عن المساعدات والمنح المادية التي استطاع أن يقوي بها جيشه استعدادًا للمعركة الكبرى في أنوال، مقر القوات الإسبانية الرئيسي.

 وفي الجهة الأخرى أثارت الهزيمة في أبران حفيظة الإسبان، الذين عززوا من تجييش قوتهم العسكرية ودعمها بكبار القادة، فكان اختيار الجنرال سلفستري من أجل القضاء على المقاومة الريفيّة، وبالفعل نجحوا في تحقيق بعض المكاسب، منها احتلال منطقة أغريبا، التي تبعد ستّة كيلومترات عن منطقة أنوال.

لكن الخطابي كان يتمتع بذكاء حاد، إذ أصدر أوامره لقادة الريف بحصار أغريبا، الأمر الذي وضع القوات الأسبانية في مأزق حقيقي، حيث كانت هذه المنطقة هي الممر الرئيسي لوصول المؤونة للجنود، وهو ما أضر بمعنوياتهم وجاهزيتهم بصورة كبيرة، وفي العشرين من يوليو من العام ذاته تسقط إغريبا في يد الجيش الريفي.

معركة أنوال

دوما ما تكون المعركة الفاصلة تلك التي تستهدف المقر الرئيسي للعدو والتي يتخذ منها حصنا له، كونها الرمزية العسكرية والسياسية له وبسقوطها يسدل الستار بصورة كبيرة على حلبة الصراع، وهو ما فطن إليه الريفيون، فرغم الانتصارات التي حققوها على الجيش الإسباني إلا أنها كانت على الأطراف والهامش بعيدًا عن القلب والمركز.

تحولت المعركة من مجرد نزهة للجيش الأوروبي المغرور إلى مستنقع عميق لأسطورة الجيش الأوروبي ذو الشهرة الواسعة

وهنا لم يجد الخطابي وجيشه سوى الإعداد المحكم للمعركة الفاصلة، معركة أنوال، لكن كيف يكون ذلك والفرق كبير بين القوتين، فبينما كان عدد الريفيين لا يتجاوز 4 ألاف بأسلحة تقليدية، كان الإسبان يتخطون حاجز الـ 22 ألف جندي مدجّجين بالأسلحة الثقيلة والمدفعية المتطورة.

وهنا ظهرت حنكة القائد العربي، الذي نجح في تخدير العدو بخطة استراتيجية مخادعة، أوهمه من خلالها بضعف الجيش الريفي وعدم قدرته على النزال، وأن المعركة محسومة قبل أن تبدأ، مستغلا في ذلك غرور وكبرياء سلفستر الذي ظن في هذه الحالة أن جيشه لا يمكن إلا أن يكون النصر حليفه في ظل الفارق الكبير بينه وبين الجيش العربي.

وقبيل الاستعداد للمعركة نجح الخطابي في اسستدراج الجيش الإسباني إلى مناطق الجبال الوعرة، تلك المناطق التي يجيد  تضاريسها جيدًا أبناء البلد ويعلمون خباياها وكيفية التعامل معها، وبالفعل ابتلع سلفستري الطعم بصورة شبه كاملة وتحول بجيشه إلى تلك المناطق التي لا يتعامل معها إلا من خرج من بطنها.

وفي 21 يوليو 1921، فوجئ الجيش الأسباني بهجوم عاصف من قوات الخطابي من كل اتجاه، فكان عنصر المفاجأة السلاح الأنجع لحسم المعركة، إذ أسقط كل محاولات الاستعداد التي كان من الممكن أن يستعين بها الأسبان، كما اعتمد الريفيون على الارتكاز في الأماكن الاستراتيجية الحيوية التي يصيدون بها جنود الاستعمار بسهولة.

وتحولت المعركة من مجرد نزهة للجيش الأوروبي المغرور إلى مستنقع عميق لأسطورة الجيش الأوروبي ذو الشهرة الواسعة، ليسقط منه في هذه الجولة فقط قرابة 15 ألف جندي وأسر 570 آخرين، فما انتحر الجنرال سيلفستري، ومعه الكولونيل موراليس، مساعده الأبرز.

مكاسب كبيرة

عسكريًا.. غنم الريفيّون الكثير من العتاد العسكريّ الإسبانيّ المقدّر بـ100 مدفع ثقيل و200 مدفع صغير ونحو 1000 رشّاشة و30 ألف بندقية، فيما هرع الجنود الفارين من المعركة إلى منطقة مليلية، وكان من الممكن لجيش الريقين أن يقضوا عليهم تمامًا، غير أن الخطابي قرر عدم اقتحام المدينة تجنبا لحدوث مشكلات دولية، رغم أسفه فيما بعد على عدم دخولها والقضاء عليهم.

سياسيًا.. أحدث هذا الانتصار هزّات سياسيّة كبرى في الداخل الإسبانيّ، إذ استقالت الحكومة وحدثت انقسامات داخل الجيش، أما النخبة السياسية هناك فرأت في تلك الهزيمة وصمة عار في تاريخ إمبراطوريتها، مطالبة  بالجلاء التام عن المغرب لتجنّب مثل هذه الخسارات الفادحة في الأرواح.

رغم مرور مائة عام تقريبًا على تلك المعركة الخالدة، تظل أنوال علامة فارقة في تاريخ الحروب الأوروبية العربية

وعلى الجانب الأخر كان لتلك المعرمة أصداء إيجابية وسط الريفيين، فقد اكتسبوا ثقة في قدرتهم على مجابهة الإسبان وغيرهم من القوات الاستعمارية من خلال حروب العصابات التي اعتمدوها، وعمل هذا النصر على رفع معنويات الجنود وتشجيع المزيد على الانضمام إلى الثورة.

دوليًا.. أعادت معركة أنوال تشكيل خارطة الرأي العالم العالمي حيال الحركة التحريرية الريفية، فبدلا من الانحياز الواضح للتوجه الاستعماري والدفاع عن أجندات ومصالح القوى الكبرى، ظهر على السطح تيار آخر من المؤيدين والمدافعين عن تلك التحركات التي تستهدف انتشال الشعوب من الغزاة والمستعمرين، وهو ما كان نواة حقيقية لتدشين رأي عام عالمي يناصر إرادة الشعوب الرامية إلى الاستقلال والتحلل من ربقة الاستعمار.

ومن نتائج تلك المعركة التاريخية أن أظهرت للعالم قدرة العرب على النزال والمواجهة وما يتمتعون به من عقلية عسكرية متطورة حتى وإن لم تكن الأجواء مهيأة لذلك، ولعل ما قام به الخطابي ورفاقه كان أكبر دليل على هذا التوجه الذي بات يفرض نفسه وبقوة على موائد النقاش في الغرب.

لم تنحصر مؤهلات الخطابي المولود عام 1882م في بلدة أجدير بالريف الشمالي في المغرب، في العمل العسكري وفقط، بل كان يتمتع بمؤهلات علمية ساعدته في مسيرته النضالية، حيث تخرج من جامعة القرويين في فاس ثم التحق بجامعة سلمنكا الإسبانية، فدرس الحقوق وحصل على درجة الدكتوراه، وبعدما عاد أصبح قاضياً في مدينة مليلية التي كانت تحتلها إسبانيا، وأصبح لاحقاً قاضي قضاة.

اعتُقل القائد العربي عام 1915، وسُجن 11 شهراً، حاول خلالها الهرب ففشلت محاولته وكُسرت قدمه، غير أن ذلك لم يثنيه عن الزود عن تراب وطنه، فكان تكوينه لجيشه الشهير، ثم جمع كلمة القبائل على قلب رجل واحد، ليخوض واحدة من أكبر المعارك التي أحدث شروخات كبيرة في التاريخ العسكري التقليدي الذي كان يحتكره الرجل الأوروبي الأبيض فقط.

وهكذا ورغم مرور مائة عام تقريبًا على تلك المعركة الخالدة، تظل أنوال علامة فارقة في تاريخ الحروب الأوروبية العربية، ونقطة مضيئة في سجل المقاومة الإسلامية للمستعمر الأوروبي الذي فقد هيبته وسُحب من تحت أقدامه بساط الهيمنة والتفوق العسكري المطلق الذي دوما ما كان يتشدق به.