لم يتوقع عشاق الرياضة في الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، أن يحتدم التنافس بين قطر والسعودية في ساحات وميادين الرياضة، كما حدث خلال أسبوع واحد، وتحديدًا في الفترة بين 23 من أبريل/نيسان والأول من مايو/أيار 2020.

يتساءل البعض: ماذا حدث؟ وما الصراع الجديد بين الدوحة والرياض؟ وما أدق تفاصيله؟ ببساطة واختصار، تكمن الإجابة بدخول الطرفين بكامل ثقلهما وأوراقهما من أجل نيل شرف استضافة بطولات رياضية كبيرة على مستوى القارة الآسيوية.

قد يكون الأمر بالنسبة للبعض عاديًا، لكن المتابع للشأن الرياضي يُدرك بما لا يدع مجالًا للشك أن النزال الجديد نسخة متطورة من التنافس بين قطر والسعودية في مختلف المجالات، ومن ضمنها الرياضة بمختلف الألعاب.

"آسياد 2030"

برز ذلك بوضوح عندما أعلن المجلس الأولمبي الآسيوي في 23 أبريل/نيسان المنصرم تقدم الدوحة والرياض لاستضافة النسخة الحادية والعشرين من دورة الألعاب الآسيوية، المقرر إقامتها عام 2030.

وتعتبر الألعاب الآسيوية، أكبر حدث رياضي في القارة الصفراء، ويقام مرة كل 4 سنوات، وسبق أن استضافتها قطر في نسخة عام 2006، في حين تُمني السعودية النفس بنيل شرف تنظيمها للمرة الأولى في تاريخها، تزامنًا مع الوصول إلى رؤية 2030 التي تبناها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان منذ صعوده سلم الحكم، صيف 2017.

ورغم أن الحدث يبدو رياضيًا، فإن السياسة كانت حاضرة بامتياز، برسالة دعم حكومية لملفي الدوحة والرياض، ما يؤكد أن الأخيرة دخلت بقوة إلى عالم الاستثمار في المجال الرياضي بعدما كانت بعيدة حتى وقت قريب، تاركة الساحة لهيمنة قطر والإمارات.

كأس آسيا 2027

بعد أسبوع واحد، تجدد التنافس القطري السعودي بتقدم الدوحة بطلب تنظيم بطولة كأس الأمم الآسيوية لكرة القدم، في نسختها ما بعد المقبلة، المقررة عام 2027، مزاحمة الرياض على الاستضافة بعدما تقدمت الأخيرة بطلب مماثل في 4 من فبراير 2020.

وكالعادة فإن قطر تضع عينها على الفوز بسباق تنظيم البطولة الكروية الكبرى على مستوى المنتخبات في القارة، وذلك للمرة الثالثة في تاريخها بعد نسختي 1988 و2011.

في الجهة المقابلة، تأمل السعودية في جلب نسخة 2027 إلى أراضيها، لأول مرة في تاريخها، على الرغم من تتويجها باللقب القاري في 3 مناسبات سابقة، أعوام 1984 و1988 و1996 ولكن بعيدًا عن الديار.

بين مواصلة إرث وبداية حقبة

في هذا الإطار، يقول الصحفي الرياضي الجزائري عبد الناصر البار، إن تقدم قطر لهاتين البطولتين الكبرتين قاريًا، يؤكد مواصلة الإرث التاريخي والكروي، مبينًا أن خطوة الدوحة فندت بذلك ادعاءات ومزاعم كانت تُطرح في الآونة الأخيرة.

ويفسر البار في حديثه الخاص لـ"نون بوست"، أن البعض روج بأن قطر ستغير وجهتها وبوصلتها وستتخلى عن الرياضة بعد نهائيات كأس العالم لكرة القدم التي تستضيفها شتاء عام 2022، لكن ذلك ثبت عدم صحته قطعًا، وبذلك تؤكد الدوحة أنها لن تحيد عن هذا النهج الرياضي باستضافة البطولات والمنافسة الرياضية قاريًا وعالميًا، وفق البار، فيما أكد أن السعودية تحاول السير على خُطى قطر، خاصة مع الانفتاح الذي تشهده في السنوات الأخيرة.

وعزز محلل قنوات "بي إن سبورت"، كلامه بقوله إن الدلائل والوقائع تؤكد ذلك من خلال قرب استحواذ صندوق الاستثمار السعودي على ملكية نيوكاسل يونايتد أحد أندية الدوري الإنجليزي الممتاز واستضافة سوبر إيطاليا وإسبانيا لمرات متتالية، وهي خطوات كانت الدوحة سباقة في فعلها منذ سنوات طويلة.

وبسؤاله عن سبب دخول السعودية هذا المجال مؤخرًا ومزاحمة دول خليجية أخرى قال البار: "المملكة تحاول أن تغير النظرة والصورة الخارجية عنها في ظل تراجع حقوق الإنسان، لذا تعمل بقوة للخروج من هذه القوقعة باستضافة البطولات الرياضية".

وعن الأقرب لنيل الاستضافة، بيّن المحلل الرياضي الجزائري أنه من ناحية الإمكانات والخبرة والقدرة على التنظيم فإن الملف القطري هو الأوفر حظًا باعتبار أن البطولة القارية ستأتي بعد مونديال 2022، حيث ستكون الملاعب والمرافق الرياضية جاهزة ومتوافرة ووفق تصاميم عالمية.

صورة

التبييض الرياضي

هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" نشرت تقريرًا موسعًا في 23 من نوفمبر/تشرين الثاني 2019، عن "التبييض الرياضي"، قالت فيه إن السعودية متهمة بممارسته على نطاق واسع في الآونة الأخيرة، بحسب منظمات حقوقية دولية.

و"التبييض الرياضي" يعني أن يتم ربط اسم دولة ما بأحداث رياضية كبيرة بدلًا من ربطه بانتهاكات حقوق الإنسان والتعذيب، وصعد هذا المصطلح إلى السطح عام 2015، عندما ارتبط بدولة أذربيجان التي تمتلك ثروة نفطية كبيرة، لكن لديها تاريخًا وسجلًا حافلين في الانتهاكات الحقوقية، وأرادت أذربيجان من استضافة سلسلة بطولات رياضية ورعاية أندية عالمية، تصدير وجهها الرياضي وتحسين سمعتها العالمية بهدف إبعاد الأنظار عن سجلها في مجال حقوق الإنسان وتداول اسمها بكثافة على محركات البحث.

وبحسب "بي بي سي" أيضًا، تأمل السلطات السعودية من خلال الرياضة، أن يفكر الناس بشكل أقل في الانتهاكات والمخالفات التي ترصدها المنظمات الحقوقية، وصب تركيزهم بشكل أكبر على الأحداث الرياضية، قائلة "عندما يذكر اسم الدولة في الأخبار، فإنه عادة ما يقترن سماعه كثيرًا بالأحداث الرياضية الكبيرة والجذابة التي ظهرت فيها شخصيات بارزة".

وبناءً على ذلك، تهدف سلطات الدول المتهمة بـ"التبييض الرياضي" لبعث رسالة في كل اتجاه مفادها أن الأمور ليست سيئة للغاية، من خلال ربطها بأحداث رياضية عملاقة بدلًا من الحديث عن السجل الحقوقي الحافل بالانتهاكات.

وتضررت صورة السعودية كثيرًا عقب اغتيال مواطنها الصحفي جمال خاشقجي في قنصليتها بمدينة إسطنبول التركية في 2 من أكتوبر 2018، وعرضتها لضغوط دولية كبيرة بضرورة محاسبة المتورطين وتقديمهم إلى العدالة، كما أن الحرب الدائرة في اليمن منذ مارس 2015، التي تعد المملكة طرفًا رئيسيًا فيها، استنزفتها في ظل سقوط عشرات الآلاف بين قتيل وجريح ونازح، فضلًا عن أزمة إنسانية خانقة وصفتها الأمم المتحدة بأنها "الأسوأ في العالم".

يب

اندفاع سعودي

بالنظر إلى كل ما سبق، يجد مراقبون تفسيرًا للاندفاع السعودي صوب طلب تنظيم بطولات رياضية مختلفة على أراضيها وفي مختلف الألعاب، ونظير أموال كبيرة، نجحت السعودية في استضافة كأس السوبر الإيطالي لكرة القدم في مناسبتين متتاليتين، عامي 2018 و2019، كما احتضنت في يناير 2020 النسخة الأولى من كأس السوبر الإسباني من أصل 3 مقررة على الملاعب السعودية.

ونظمت الهيئة العامة للرياضة التي تحولت لاحقًا إلى وزارة الرياضة بأمر ملكي، "سوبر كلاسيكو" جمع بين منتخبي البرازيل والأرجنتين، المدججين بكوكبة من نجوم الساحرة المستديرة، وسط حضور جماهيري غفير لمشاهدة أبطال "السيليساو" و"راقصي التانغو".

ولم يقتصر الأمر على كرة القدم فحسب، إذ سبق ذلك إبرام عقد حصري بين السعودية واتحاد "WWE" لإقامة عروض المصارعة الحرة في المملكة مدة 10 سنوات، وبالفعل احتضنت الأخيرة عدة عروض في مدينتي الرياض وجدة.

كما احتضنت السعودية "سباق الفورمولا إي" لرياضة السيارات الكهربائية، واستضافت "رالي داكار" الصحراوي، في إطار شراكة بين الاتحاد السعودي للسيارات والدراجات النارية والشركة المالكة للسباق، مدتها 10 أعوام، إضافة إلى فعاليات مختلفة في رياضات الملاكمة والتنس وغيرها.

خبرة قطرية

في الجهة المقابلة، تولي قطر وقيادتها أهمية كبيرة للرياضة والاستثمار فيها، وهو ما يتجلى بوضوح في امتلاك أندية أوروبية وباقة قنوات رياضية تمتلك عقودًا حصرية لبث بطولات وفعاليات رياضية رائدة، مرورًا باستضافة جزء ليس ببسيط منها، متسلحة بالبنية التحتية الرياضية التي يصنفها خبراء من ضمن الأفضل على الساحة العالمية.

ولدى قطر أكاديمية أسباير للتفوق الرياضي ومستشفى "سبيتار" الرائد عالميًا في مجال الطب الرياضي وجراحة العظام، إضافة إلى "أسباير لوجستيكس" المتخصصة بإدارة المنشآت والفعاليات الرياضية وفقًا لأعلى المعايير العالمية.

ومع بدء العد التنازلي لتنظيم كأس العالم لكرة القدم، للمرة الأولى على أراضٍ عربية، ستكون الدولة الخليجية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مع ثمانية ملاعب عالمية، افتتح اثنان منها، وتسير نحو تدشين ثلاثة إستادات أخرى هذا العام، قبل أن يكتمل النصاب نهاية العام المقبل.

أما على صعيد الاستضافة، فقد نظمت الدوحة بطولات قارية وعالمية منها كأس الخليج العربي وكأس السوبر الإيطالي وكأس السوبر الإفريقي، في أكثر من مناسبة، كما أنها سوف تحتضن نهاية هذا العام كأس العالم للأندية للمرة الثانية تواليًا، واستضافت دولة قطر كذلك، دورة الألعاب الآسيوية عام 2006، وبطولة كأس أمم آسيا لكرة القدم عام 2011، كما احتضنت كأس العالم لكرة اليد نسخة 2015، وكأس العالم لألعاب القوى نسخة 2019، إلى جانب نيل شرف تنظيم مونديال 2022 وبطولة العالم للرياضات المائية عام 2023.