اشتعلت حرب الألغاز الدائرة في الساحة السياسية اللبنانية من جديد، وهذه المرة لا يتعلق الأمر بصراعات الطوائف، ولكن بين الشقيقين سعد وبهاء الحريري، فالأخير ظهر فجأة وألقى بيانًا ناريًا ينتقد فيه كل مسارات الطبقة السياسية بما فيهم شقيقه الذي يحيا أحلك وأسوأ فترات حياته بسبب تعرضه للطعن والتشكيك من الجميع بعد موقفه المتصلب من الحراك اللبناني ورغبته في إقصاء منافسيه استغلالًا للمطالب الشعبية بتفكيك الطبقة السياسية التي ساندها ودعمها حتى يستكمل المسار وحده دون منافسه، بحسب ادعاءت معارضيه. 

بهاء الحريري.. ماذا يريد؟ 

بهاء الدين رفيق الحريري، مواليد عام 1966، رجل أعمال لبناني، والابن الأكبر لرئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري من زوجته الأولى نضال بستاني، وحتى الآن يدير قسمًا من أعمال عائلته الموزعة في مختلف القطاعات الاستثمارية وفي عدة بلدان حول العالم.

التحق بجامعة بوسطن الأمريكية وبعد تخرجه طار إلى السعودية وعمل في مجال الهندسة والعمارة، وبعد فترة ترك المملكة ليتفرغ لأعماله الخاصة وأسس شركة العبدلي في الأردن التي ساهمت بقوة في إعادة إحياء عمان وتحديثها، خاصة أنها دخلت في شراكة مع الحكومة الأردنية برأس مال يبلغ نحو 5 مليارات دولار، كما نشرت فروعها في أكثر من 100 دولة حول العالم، وبسببها دخل بهاء الحريري قائمة فوربس للمليارديرات بثروة تبلغ نحو ملياري دولار.

أسس الحريري أيضًا شركة هورايزون للمشاريع الإعمارية في لبنان وهي الراعي الفخري للنادي الرياضي اللبناني، كما عمل في إدارة مصرفين مهمين تابعين لعائلته (البنك العربي وبنك البحر المتوسط)، ورغم ابتعاده عن السياسة، كان يشارك في رئاسة جريدة المستقبل اللبنانية ذائعة الصيت وواسعة الانتشار في المنطقة كلها وليس لبنان فقط. 

قبل البحث في العودة المفاجئة للشقيق الأكبر إلى الساحة وطعنه لأخيه سعد الحريري من الخلف، يجب السير أولًا خلف روايات خروجه من الساحة السياسية رغم أنه الأخ الأكبر للعائلة والأكثر اطلاعًا وقتها وجدارة بخلافة والده الزعيم اللبناني رفيق الحريري الذي تسببت عملية اغتياله في هزة كبرى للمنطقة، خلفت وراءها ثورة الأرز التي أخرجت الجيش السوري من لبنان وذهبت بأسماء سياسية كبرى إلى المحكمة الدولية للاشتباه بهم في اغتياله.

وبالتالى عودته تنسف ادعاءات التوازن المتعارف عليه في الأسرة، حيث ينفرد سعد بإدارة الإرث السياسي للعائلة منذ 2005 بعد اغتيال والده وحتى العام الماضي واستقالته من رئاسة الحكومة على خلفية الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في البلاد منذ  أكتوبر 2019، بينما يبقى الملف الاقتصادي مع بهاء. 

كان أول ظهور لبهاء الحريري يوم وفاة والده عام 2005، وهو يحاول تهدئة الجموع الغاضبة والمشيعة لوالده للصلاة عليه، وتصدر الأخ الأكبر كل مشاهد العزاء وتوديع الجثمان وسلطت عليه أضواء وكالات الأنباء العالمية بشدة، وبدا كما لو أن هناك استعدادًا ذهنيًا لدى الجميع، أن هذه المشاهد معناها تصدرًا محتملًا لمن سيصبح الوريث السياسي لوالده، لكنه اختفى فجأة، وخرجت تقارير تؤكد أنه يفضل المال والاقتصاد على الانخراط المباشر في السياسة.

لكن هذه الروايات لا تكفي لتحليل المشهد إذا تتبعنا خيوطه منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، مرورًا باغتيال رفيق الحريري، واتجاه الطائفة السنية اللبنانية بمراكز ثقلها نحو السعودية لإدارة الأزمة، وكان الوقت مناسبًا للغاية، فلا توجد أي دولة سنية أخرى يمكنها مزاحمة السعودية ولعب دور مضاد كما هو الحال حاليًّا، خاصة أن المملكة كانت وما زالت تقدم نفسها باعتبارها أحرص البلدان والقوى الإقليمية الإسلامية على مكانة وكرامة الطائفة السنية اللبنانية.

تقارير عدة تؤكد أن تصعيد سعد الحريري ليلتحف بعباءة والده، كان قرارًا من الملك عبد الله بن عبد العزيز، بمساعدة الرئيس الفرنسي جاك شيراك، واعتبروا آنذاك أن الشقيق الأصغر أكثر مرونةً وأقل في القوة والحدة من بهاء الذي يتمتع بشخصية قوية وعنيدة، ستجعل هناك صعوبة في التعامل الدبلوماسي معه.

الرهان السعودي على "سعد"

"لو حفر سعد الحريري كل شهرٍ بئرًا في عكّار أو العرقوب أو البقاع الغربي بأقل من مليون دولار من الملايين التي قبضها بين 2005 و2008 من السعودية لما هزمه شيء في لبنان"، يقول أحد المسؤولين السابقين في السفارة السعودية ببيروت، اختصارًا لمجمل مرحلة الحريري الأصغر، رغم كل المراهنات عليه.  

عوّل السعوديون على سعد الحريري، ولهذا امتنعوا عن التعامل المباشر مع القضايا اللبنانية كما كان الحال أيام والده، وتخلوا عن دعم المؤسسات الخيرية والدينية وعن الشخصيات القيادية المقربة منهم، وتركوا الحريري الابن يخوض غمار التجربة، وخاصة بعد اشتعال ثورات الربيع العربي وصعود الإخوان للحكم ووصول الثورات إلى البحرين واليمن وهي ملفات كانت في حاجة إلى تفرغ تام لمواجهتها.

في هذه الأجواء المشحونة ظهرت لمسات بهاء في المشهد، بعدما سرب مقربون من سعد الأزمات المادية الطاحنة التي يعيشها الأخير في ظل عدم اهتمام المملكة بمساندته بسبب تحفظها الشديد على طريقة عمله، بجانب سحب السيولة منه بواسطة شقيقه الذي انسحب بحصته من شركة سعودي أوجيه المملوكة للعائلة وتركها تعاني من مشكلات مالية ضخمة أوصلتها لمرحلة الإفلاس.

انقطعت علاقة الشقيقين، وسط أنباء عن انقسام في الموقف السعودي، جناح يؤيد تصعيد بهاء ويؤيد تصدره الساحة الآن لأنه الأفضل والأقوى على تطبيق المنهج السعودي الراغب في التصعيد مع إيران وأذرعها في المنطقة، وفريق آخر يصر على التمسك بسعد ودبلوماسيته الهادئة حتى لا تعود البلاد إلى الحرب الأهلية من جديد، ووقتها سيكون الدور السعودي المتهم الأول.  

عام 2017 زار بهاء الحريري السعودية، دون كشف مضمون الزيارة وأسبابها، قبل أن يوضح لاحقًا أنها جاءت بطلب من المملكة وبدعوة شخصية منها، وهو ما اعتبره خبراء محاولة صريحة منه للانقضاض على شقيقه الأصغر، خاصة أنها جاءت في أعقاب توقيف سعد في الرياض، خلال زيارة مأزومة شهدت توقيع استقالته من رئاسة الحكومة هناك، ما أحدث صخبًا شديدًا داخل لبنان وخارجه واستدعى غضبًا رسميًا، عبر عنه وزير الخارجية آنذاك جبران باسيل بإصدار بيان يطالب بعودة رئيس الوزراء إلى بلاده، كما طالبت القوى السياسية المختلفة بإعادة رأس الحكومة إلى بلاده.

قدم بهاء نفسه على أنه الوجه المشرق للعائلة، وفُسرت الزيارة على أنها محاولة لتسويق نفسه عبر عدة قنوات دولية ومحلية لشغل منصب شقيقه، وبحسب تحليلات مختلفة كاد الأمر أن يتحقق لولا معارضة أفراد العائلة وقيادات تيار المستقبل، وظل بهاء يتحين الفرص حتى استقال سعد وتعقد مستقبله السياسي، ليظهر قبل أسبوع بأفكار جديدة محاولًا تسويق نفسه في الشارع السياسي.

أصدر الشقيق الأكبر لعائلة الحريري، بيانًا ناريًا استهدف الطبقة السياسية الحاكمة التي حكمت لبنان بعد اغتيال والده، ومنهم تيار المستقبل الذي يتزعمه سعد، كما هاجم "حزب الله" الموالي لإيران، واتهمه بالهيمنة على مفاصل الدولة اللبنانية، وأيد ثورة الشعب ضدهم، وبدا من البيان كما لو أنه يعتبر نفسه القيصر الجديد المناسب لتولي مهمة إشعال المواجهة في لبنان ضد المطامع الإيرانية.

انعكست سخونة البيان وحدته على مواقع التواصل الاجتماعي التي شهدت مشادات شرسة بين أنصار سعد وبهاء بشكل غير مسبوق، ترجمت سريعًا بانتقادات شرسة واتهامات من قيادات تيار المستقبل الذي يقوده سعد، لشقيقه الأكبر، واعتبروها طعنة من الخلف، ونظمت سريعًا مظاهر احتفالية لأنصار المستقبل، بمواكب السيارات، فيما خرجت مظاهر احتفالية مضادة، وتبادل الفريقان التراشق الحاد والاتهامات القاسية.

فرص بهاء لإنجاح مشروعه الجديد

ظهور بهاء الحريري في الصف المضاد لشقيقه يؤكد بلا شك حالة الضعف التي أصبحت تعتري الحريرية السياسية بل وتهدد بزوالها تمامًا، ففي الوقت الذي يلمح فيه بهاء بأنه الأحق بإرث والده، يرفضه تيار المستقبل الذي هو صنيعة الحريري الأب ويسيطر عليه سعد، ويرى أنه لا يوجد أي رابط بين بهاء وإرث أبيه السياسي، حسب رأي مصطفى علوش القيادي البارز بالتيار، ويستكمل: "لم يكن موجودًا في معادلة الإرث السياسي التي تمتد أبعد من آل الحريري داخل تيار المستقبل وبين جمهوره، وبالتالي لا يستطيع التأثير في هذا الإرث سلبًا أو إيجابًا".

ويتحفظ علوش على تفسير الجهة الداعمة لبهاء، خاصة أن السعودية سارعت إلى قطع الطريق على أي تفسيرات خاطئة لبيان بهاء الحريري، وأوفدت سفيرها في بيروت وليد البخاري لزيارة سعد في مقر إقامته ببيت الوسط، بعدما تناثرت الشائعات والتحليلات التي تؤكد تحوّل رهان المملكة إلى الشقيق الأكبر، ولهذا أوفدت سفيرها لنفي أي علاقة لها ببيانه، وفي الوقت ترسل برقيات طمأنة لحليفها الرئيسي في لبنان باستمرار الشراكة معه. 

يعتبر علوش أن بهاء ضعيف سياسيًا ولا يملك قبولًا بشكل عام، سواء على المستوى المحلي أم الخارجي، ويؤكد أن ثروة الشقيق الأكبر هي نقطة الارتكاز الوحيدة في المشروع الذي أعلنه وطالب فيه بإعادة إنتاج دولة قانون قوية تكون لها اليد العليا، ويقلل من تصوراته التي طرحها لإدارة المشهد، ويعتبر أنه لا يحق لمن كان غائبًا تمامًا عن المشهد أن يأتي فجأة ليطرح تقييمه ويتحدث بلسان الناس.

لكن في المقابل، يساهم ظهور جيري ماهر الإعلامي الموالي للسعودية في المشهد، ومساندته القوية للأخ الأكبر والتأكيد أنه يملك مشروعًا حقيقيًا لانتشال لبنان من أزمته السياسية والاقتصادية، في صدارته نزع سلاح "حزب الله" أو أي ميليشيا تسعى لزعزعة أمن لبنان السياسي والاجتماعي ومحاربة من أسماهم الفاسدين ومن يدعمهم في الداخل أو الخارج، ليعيد الشكوك من جديد بشأن الدور الخليجي في تصعيد بهاء.

وتصعيده في هذا الوقت تحديدًا دون أن تتضح ما الآليات والأدوات التي سيستخدمها لتنفيذ برامجه، وما تقديراته بشأن الثمن الذي سيدفعه هو والبلاد إذا انجر وراء العنف خلال أي تصادم مع "حزب الله"، هي تساؤلات ستفصح عنها إجابات الأيام المقبلة!