أن تزور بلدًا عربيًا لغرض السياحة فلن يتطلب الأمر كثيرًا من الجهد والعناء، رغم بعض التعطيلات، فقط تحقق من رصيدك البنكي ومن سمعة وكالة الأسفار، أما إذا كان الأمر يتعلق بالعمل فهذا أمر آخر يحتاج إلى التحدي وطول النفس فأنت لست أوروبيًا أشقر حتى تُفتح لك بوابات الدخول وتُرسم على وجوه أعوان الجمارك بسمات الاستقبال والترحاب، أو حتى عربي حامل لجواز أجنبي يسري عليك ما يسري على مواطني تلك الجنسية، إذن فلتكن على استعداد لرفض طلب التأشيرة، وإن قُبلت فتأهب للرحيل مباشرة متى قرر الكفيل ذلك، أو مُنعت من الحصول على الإقامة أو تجديدها، والأسباب والمبررات كثيرة منها السياسي وغير السياسي.

في تونس كما في باقي البلدان العربية، نظام الإقامة يحتكم إلى شروط قانونية وكذلك إلى تعقيدات إدارية ناجمة عن بيروقراطية عهدتها الدول النامية في التعامل مع هذا الملف، ولئن كانت الدولة الواقعة في شمال إفريقيا لا تفرض التأشيرة على دول الجوار (المغرب العربي)، فإنها تفرضها على أغلب البلدان العربية الأخرى، وهي أيضًا تتأثر مباشرة بالعلاقات السياسية بينها وبين أي بلد آخر.

المصريون في تونس الذين قدموا بغية العمل والإقامة يُعانون من طول الإجراءات الإدارية لتسوية وضعياتهم القانونية والحصول على إقامة تمكنهم من التحرك بحرية وتُجنبهم مضايقات الأمن، والأهم من ذلك تُساعدهم على الحصول على فرص عمل خاصة أنهم اختاروا البقاء والاندماج في المجتمع بزواجهم من تونسيات.

الإقامة

السعي بين وزارة الخارجية ووزارة الداخلية التونسية (الحدود والأجانب)، أضنى المصريين طالبي الإقامة لأسباب عائلية، فمنهم من انتظر لسنوات وآخرون اختاروا العودة إلى بلادهم تاركين وراءهم زوجات وأبناء إلى أن تتبدل القوانين وتخف قيود السفر وتلكؤ السفارات في إسناد التأشيرات.

في حواره مع "نون بوست" قال محمد المنشاوي مشرف صفحة "الجالية المصرية بتونس" على فيسبوك، التي تهتم بأخبار الوافدين وطالبي الإقامة: "المصريون كانوا يحصلون في وقت سابق على التأشيرة (الفيزا) مجانًا، إلا أن الأمر تغير من بعد الثورة فأصبح على القادمين إلى البلاد دفع مبلغ مالي يقارب 600 جنيه، إضافة إلى القيود الأخرى التي تفرضها السلطات التونسية ومنها شروط مجحفة وتعجيزية كعقد العمل والحال أن أغلب المصريين طالبي الإقامة متزوجون من تونسيات ولهم أبناء".

وأوضح محمد أن التعقيدات الإدارية والإجراءات الطويلة عقدت وضعية بعض المصريين في تونس، فهم لا يستطيعون العمل في الشركات الكبرى لعدم حصولهم على الإقامة التي يصعب نيلها رغم زواجهم من تونسيات وإنجابهم للأولاد، مضيفًا "نحن نتحدث عن الإقامة فقط أما الحصول على الجنسية فهذا أمر آخر يُعاني منه الجميع رغم أن الدستور التونسي يُعطي الحق للأجانب التجنيس بعد انقضاء مدة 5 سنوات"، مبينًا أن القانون لم يوضح إن كانت الجنسية تُمنح بشرط قضاء تلك المدة دون انقطاع أو يمكنه السفر خلالها.

ووفق مجلة الجنسية التونسية، فإن الفصلين 20 و21 حددا شروط تجنيس الأجانب وتمثلت في:

  • الجنسية التونسية لا يمكن منحها للأجنبي بصفة مبدئية إلا بشرط اعتياد الإقامة في تونس لمدة 5 سنوات سابقة على تقديم طلب التجنس.
  • ثلاثة استثناءات تبيح منح الجنسية دون تحقق الشرط المذكور وهي إثبات الشخص أن جنسيته الأصلية كانت الجنسية التونسية، أو أن يكون الأجنبي متزوج بتونسية والزوجان يقيمان بتونس حين تقديم المطلب، وهما الاستثناءان الواردان في الأمر الرئاسي الأخير.

العودة

من جهة أخرى، يُواجه المصريون خطر عدم العودة إلى تونس مرة أخرى لانعدام فرص حصولهم على تأشيرة جديدة لدخول البلاد بسبب الإجراءات المشددة التي تفرضها سفارة تونس في القاهرة، وبحسب محمد المنشاوي، فإن بعض المصريين علقوا في مصر وتركوا عائلاتهم في تونس وتعذر عليهم العودة بسبب الإجراءات وتعنت السفارة التونسية التي تشترط الإقامة وعقد عمل، متابعًا: "لأكون صريحًا المصريون في تونس يعملون في البيع والشراء وفي أعمال البناء وقطاع الأثاث (الموبيليا)، أي ليسوا من ميسوري الحال وهذه الأعمال لا تتطلب عقود عمل خاصة ونحن نعلم أن جزءًا مهمًا من المواطنين التونسيين لا يعملون بعقود وأن أرباب العمل يتخوفون من قوانين الشغل وتبعاتها القانونية كالأداءات وغيرها من المصاريف، إذًا كيف لنا الحصول عليها؟ نحن نُطالب فقط بمراعاة الحالات الاجتماعية وتطويع القوانين خدمةً للظروف الإنسانية التي يمر بها المصريون المتزوجون من تونسيات".

مشرف صفحة الجالية أشار إلى أن المصريين مطالبون بدفع رسوم حين مغادرتهم تونس لزيارة أهاليهم تصل حد 20 دولارًا في الشهر وهو مبلغ كبير إذا قمنا بعملية حسابية لشخص أقام في تونس سنتين أو أكثر، مضيفًا "هذا الأداء بالإمكان فرضه على من زار تونس سياحةً وليس من أجل العمل والإقامة، لكن في حال فرضها على مصري مقيم ومتزوج وله أبناء فهذا إجراء تعسفي، فنحن لا نعيش في أوروبا أو الخليج للتوفير لسداد هذه المبالغ"، متابعًا القول: "في تونس السلطات لا ترّحل المصريين إلى بلدهم ولكنها تنتظر مغادرتهم لإثقال كاهلهم بالأداءات، لذلك أغلب المقيمين لا يستطيعون زيارة أهاليهم في المناسبات والعطل، ستجد مصري لم يزر بلاده منذ 3 أو 4 أو 7 سنوات، وذلك بسبب عجزه عن دفع معلوم المغادرة من جهة وإمكانية عدم إعطائه تأشيرة للعودة"، مضيفًا "نحن نعيش في ورطة حقيقية جراء التعقيدات الإدارية والقوانين المكبلة".

محمد المنشاوي أكد أن المصريين يعيشون أوضاعًا مزرية بسبب البطالة القهرية جراء وباء كورونا، مشيرًا إلى أن أغلب المصريين المتزوجين مطالبين بدفع إيجار المنزل والحال أنهم في هذه الظروف لا يقدرون على توفير الحاجيات الأساسية اليومية، مضيفًا "لولا النساء اللواتي يعملن لمساعدة أزواجهن لأصبحوا من المشردين في الشوارع، هناك مصريون اختاروا العودة وتركوا زوجاتهم وأبناءهم في تونس بعد أن تعسر عليهم الحصول على الإقامة أو شغل يحفظ لهم كرامتهم".

وبحسب عدد من التونسيات اللائي تحدثن إلى "نون بوست"، فإن الإجراءات وتعنت السلطات التونسية في معالجة بعض الملفات، تسببت في تفكك بعض الأسر (طلاق أو انفصال) إثر عودة المصريين إلى بلادهم بعد أن استنفدوا كل المحاولات في الحصول على إقامة تيسر لهم زيارة أهاليهم وتضمن لهم العودة إلى عائلاتهم، وأشرن إلى أنهن في كثير من الأحيان يتعرضن إلى التمييز العنصري والإهانة من قبيل "شو جابك على تونس، إحنا لاقين شغل حتى تيجوا إنتم، أو غليتوا علينا الخبزة".

ووفق السجلات الرسمية يعيش 500 مصري في تونس، إلا أن أعداد غير المسجلين تفوق الألف يتوزعون على مناطق عدة أهمها تونس العاصمة والمدن الساحلية كنابل وسوسة والمنستير والمهدية ومحافظة صفاقس التي ينشط بها حرفيون في قطاع الأثاث والتزويق، قادمون أساسًا من دمياط.

أغلب الذين حاورهم "نون بوست" أجمعوا على أن غياب الجمعيات والهياكل التي تُعنى بالجالية ساهم في تعطيل مصالح المصريين المقيمين في تونس، وأكدوا أن منصب رئيس الجالية المصرية ظل شاغرًا منذ تنحي رجل الأعمال منصور الباشا (ضابط مخابرات سابق) عن منصبه في 2014، وبالتالي لم يعد هناك تنسيق بين الوافدين والسلطات المصرية والتونسية.

أزمة كورونا تُفاقم الأزمة

تضرر العمالة المؤقتة والباعة المتجولين وعمال المقاهي وأصحاب الحرف والصناعات الصغيرة بفعل جائحة كورونا التي ضربت العالم لم يقتصر على التونسيين، فالعمالة المصرية تُعاني من ضيق كبير بعد أن أوصد كورونا أبواب أرزاقهم وعطل مصالحهم، وتعقدت وضعياتهم في الحجر الصحي، فلم يعد أي منهم قادرًا على كسب قوت يومه أو لقمة تسد أفواه الأطفال، وبحسب "علاء" أحد المصريين الذين قدموا إلى تونس منذ 7 سنوات، فإن الوباء فاقم أزمة أبناء بلده المتمثلة في البطالة وعجزهم عن تسديد ضرورات الحياة، مبينًا أن الحجر الصحي منعهم من الخروج طلبًا للرزق.

مضيفًا "في الأيام العادية نعيش أوضاعًا كارثية فما بالك وجميع الأبواب موصدة، حضائر البناء معطلة والمقاهي والمطاعم مغلقة، فمن أين نكسب قوتنا؟ لا إعانات تقدمها الدولة التونسية للمقيمين، ونحن غير معترف بنا نعيش تحت الحائط، وفي هذه الظروف لا سبيل إليك إلا المجازفة (RISK) وهنا لا أقصد الممنوعات، فمثلًا أنا اشتريت آلة لصنع القهوة وأبيعها خلسة في الحي وهذا يعرضني لمخاطر جمة".

حازم هو الآخر مواطن مصري ألقى به المسير في الحي المتاخم للعاصمة تونس (التضامن)، لم يخالف رأي سابقه وأكد لـ"نون بوست"، أنه كان يعمل في مقهى يُنفق من أجرة يومه على زوجته وأطفاله الثلاث، إلا أن وباء كورونا أرغمه على البطالة فعجز عن تسديد الإيجار والإنفاق على عائلته، مضيفًا "لم نتلق الدعم من أي جهة، كثر الحديث عن مساعدة السلطات التونسية للأجانب ولكن ما راعنا إلا أنهم ساعدوا الأفارقة ماديًا ومعنويًا وتركوا العرب، ولكن في مقابل ذلك لا نبخس حق أخوتنا المواطنين الذين قدموا لي شخصيًا مساعدةً ماليةً لدعمي في تجارة الخضر التي أمتهنها في هذا الظرف".

في مقابل ذلك، يقول صاحب المقهى الذي يعمل فيه محمد: "نحن نعلم أن تداعيات الوباء طالت الجميع وأضرت بكل القطاعات من الشركات الكبرى إلى الصغرى وكذلك بأصحاب المحلات والمقاهي، وبديهي أن ينعكس ذلك سلبًا على العمالة ولكن عن نفسي فإني حاولت قدر المستطاع أن لا أترك من يعمل معي دون مورد يقتات منه، وصراحة لم نوفر المرتب كاملًا، فالكل يعلم أن المقاهي مغلقة لشهرين تقريبًا، لذلك نوزع مبالغ مالية على جميع العمالة في مناسبات كما لم نرد أي منهم إذا احتاج يد المساعدة، المصريون إخواننا سنقتسم معهم رغيف الخبز".

من جانبه، عاضد أحد المواطنين "إلياس الجريبي" ما صرح به صاحب المقهى بالقول: "كورونا عقّد أوضاعنا جميعًا ولكنه أيضًا زاد منسوب التراحم والتآزر بين أفراد المجتمع وأيضًا مع الجاليات العربية وعلى رأسهم الأخوة المصريون"، مضيفًا "هم يعيشون معنا ونحن لا نعتبرهم وافدين أو غرباءً، هم مقيمون في تونس ومتزوجون من تونسيات أي هم أيضًا أبناء هذا البلد وما يضرهم يضرنا، حاولنا جاهدين أن لا نترك فيهم محتاجًا، تواصلنا معهم حين قمنا بحملات توزيع الإعانات وكان لهم نصيبهم".

المصريون الذين التقاهم "نون بوست" لم يخفوا امتعاضهم من سفارة بلادهم في تونس وعدم تدخلها للإحاطة بهم في جائحة كورونا، حيث أكد المنشاوي أن المسؤولين لم يحركوا ساكنًا تجاه صيحات الفزع التي أطلقوها أكثر من مرة ولم يكلفوا أنفسهم عناء التواصل معهم ولو بإرساليات قصيرة، مضيفًا "كل بلدان العالم قدمت خدمات لمواطنيها سواء في الداخل أم الخارج ولا نتحدث فقط عن عمليات الإجلاء، توجد دول أعطت مساعدات عينية وأقامت قنوات تواصل ومتابعة وفتحت خطوط الهاتف 24/24، إلا مصر، نحن لا نعرف إن كانوا يعتبروننا مصريين أم من بلد آخر"، متابعًا القول: "حاولنا العودة إلى القاهرة إلا أن السفارة أعلمتنا بأن الإجلاء يشمل الطلبة ومن قدموا للعلاج والسياحة فقط، وتعللوا بأننا مقيمون في تونس ومتزوجون من تونسيات، نحن نتساءل إن كانت الإقامة في هذا البلد تنفي عنا جنسيتنا المصرية حتى نُعامل بهذه الطريقة؟".

وكانت وزارة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج، قد أصدرت بيانًا جاء فيه أنه فور تلقيها مناشدة من 37 مصريًا عالقًا بدولة تونس، فإن وزير الطيران المصري عمل على التنسيق مع الخطوط الجوية التونسية، لنقلهم، ويشمل الإجلاء من كانوا في زيارات سريعة، والبعض الآخر يعمل في اليونيسيف ومنظمات الأمم المتحدة في ليبيا، فيما لم يشر البيان إلى المصريين المقيمين.

في مقابل ذلك، قال محمد المنشاوي: "الجالية المصرية هنا مترابطة أكثر من أي وقت مضى، لقد أنشأنا صفحة فيسبوك من أجل تقديم الاستشارات القانونية وكذلك من أجل الأعمال الخيرية وتوزيع الإعانات على جميع المحتاجين من أبناء الجالية المصرية".

بالمحصلة، يُمكن القول إن الجدل بشأن التأشيرة بين تونس ومصر ليس وليد أمر عارض كجائحة كورونا بل ناتج عن أزمات دبلوماسية يمكن اعتبارها هزات سياسية أفرزتها أنظمة حكم البلدين المختلفتين إيديولوجيًا خاصة بعد صعود عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم في مصر، ويبدو أن الأمر لن يحل قريبًا في ظل تنافس البلدين على فرض مزيد من إجراءات السفر المشددة، رغم أن الساسة على علم بأن التأشيرة أصبحت اليوم تُفرق بين المرء وزوجه.