يعاني لبنان من أزمة مالية واقتصادية خانقة دفعت الناس خريف العام 2019 إلى النزول للشوارع في انتفاضة تخطت الأسوار الطائفية والسياسية، وزادت هذه الأزمة حدةً مع موجة "فيروس كورونا" الذي حجر الناس في منازلهم وعطل عجلة العمل والاقتصاد وفاقم من الأعباء المعيشية للمواطنين.

تزامن ذلك كله مع تخلف الحكومة اللبنانية عن سداد ديون خارجية واستحقاقات مالية بقيمة مليار وتسعمئة مليون دولار كان يجب أن تدفع خلال الشهرين الماضيين، فضلًا عن ستمئة مليون دولار يجب أن تُدفع خلال شهر يونيو/حزيران المقبل، ما جعل التصنيف الائتماني للبنان يتراجع عند مؤسسات التصنيف الدولية، وهو ما انعكس على سعر صرف الليرة اللبنانية التي فقدت الكثير من قيمتها أمام العملات الأجنبية الأخرى خلال الأشهر الأربع الأخيرة. 

خطة الحكومة للإصلاح الاقتصادي

لقد اشترط صندوق النقد الدولي ومجموعة الدول الداعمة للبنان، التي شاركت في مؤتمر باريس (سيدر) مجموعة إصلاحات اقتصادية وإدارية وحتى سياسية من أجل مساعدة لبنان ماليًا على الخروج من أزمته، وقد أرغم ذلك الحكومة على وضع خطة اقتصادية للتماشي مع مطالب الصندوق ومجموعة الدعم، وتضمنت هذه الخطة إجراءات اقتصادية تقوم بشكل أساسي على الاقتراض من الخارج في إطار ساسية مالية تأتي استكمالًا للسياسات المالية السابقة التي قامت على الاقتراض، وأوصلت البلد إلى هذا الوضع من العجز المالي الذي فاق التسعين مليار دولار.

بينما تجاهلت الحكومة ملفات داخلية يمكن أن تشكل موردًا ماليًا لخزينة الدولة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ملف الكهرباء الذي يشكل قرابة 30% من حجم الميزانية، الذي يتفق الجميع في لبنان على أنه يكلف الدولة سنويًا أكثر من ملياري دولار عجز. 

يدرك حزب الله أن الوضع الاقتصادي والمالي الصعب الذي يمر به لبنان يحتاج إلى دعم خارجي كبير وغير متوافر عند حلفاء الحزب في المنطقة

غير أن خطة الحكومة الاقتصادية لم تحظ بموافقة الأطراف الاقتصادية، حيث أبدت جميعة مصارف لبنان والهيئات الاقتصادية، وحتى مصرف لبنان، الكثير من الملاحظات عليها، ولا حتى القوى السياسية، حيث قاطعت قوى سياسية كتيار المستقبل وحزب الكتائب وتيار المردة المشارك أصلًا بالحكومة، والحزب التقدمي الاشتراكي الاجتماع الذي دعا إليه رئيس الجمهورية في القصر الرئاسي لمناقشة الخطة وإبداء أي ملاحظة بشأنها، في محاولة منه لإسباغ نوع من الإجماع الوطني عليها. ولا حتى على مستوى الكتل النيابية، علمًا بأن الخطة ينتظرها نقاش كبير وعميق في المجلس النيابي حتى تتحول إلى قانون نافذ، ولا حتى على مستوى الشارع اللبناني الذي لم يعد يثق بالسلطة الحاكمة، وتحرك بانتفاضة عارمة كادت خلال الأسابيع الماضية أن تتحول إلى ثورة حقيقية لولا الحظر الذي فرضه فيروس كورونا على حركة الناس. 

تخوف حزب الله

يدرك حزب الله أن الوضع الاقتصادي والمالي الصعب الذي يمر به لبنان يحتاج إلى دعم خارجي كبير وغير متوافر عند حلفاء الحزب في المنطقة، فإيران التي يعول عليها الحزب في تمويل نشاطاته وأعماله العسكرية والأمنية تعيش أزمة مالية واقتصادية لا تقل شأنًا عن الأمة التي يعيشها لبنان.

فالعملة الإيرانية (التومان) تتهاوى يوميًا وبشكل دراماتيكي أمام العملات الأجنبية الأخرى بسبب الضائقة الاقتصادية والعقوبات والحصار، وقد دفع ذلك إيران إلى طلب مساعدة صندوق النقد الدولي. 

لقد كان حزب الله يرفض في البداية أي تواصل أو مفاوضات مع صندوق النقد الدولي لتأمين مساعدات أو قروض مالية ميسرة للبنان، والسبب المعلن عنده أن تمكين الصندوق من فرض شروطه والإمساك بالقرار المالي والاقتصادي اللبناني فيه نوع من التعدي على السيادة المالية للدولة اللبنانية.

غير أن الحزب يدرك أن ذلك بقدر ما يشكل تعديًا على السيادة المالية للدولة وخطرًا على الاقتصاد، خاصة لناحية تحرير سعر صرف الليرة اللبنانية أمام العملات الأجنبية، بقدر ما يشكل أيضًا خطرًا عليه وعلى مصالحه، لأن إمساك صندوق النقد بالقرار المالي والاقتصادي سيعني مزيدًا من العقوبات الاقتصادية والعزلة عليه، وهذا ما يقلقه ويخيفه من أي مفاوضات حكومية مع الصندوق، وقد عبر عن ذلك أمينه العام حسن نصر الله في إحدى إطلالاته عندما قال بشكل صريح إنه لم يعطِ موافقة على للحكومة لعقد وإبرام أي اتفاق مع صندوق النقد.

إلا أن إعلان إيران طلب مساعدة الصندوق أحرج الحزب أمام الحكومة اللبنانية، ووضعه في زاوية لم يعد باستطاعته معها أن يرفض مفاوضات الحكومة مع الصندوق لتأمين تلك المساعدات للبنان الذي هو بأمس الحاجة إليها. 

شروط الصندوق ومصير لبنان

اعتبارًا من الأسبوع الماضي بدأت عمليًا مفاوضات الحكومة مع صندوق النقد الدولي عبر دوائر تليفزيوية مغلقة وليس بشكل مباشر، وقد أكد وفد الصندوق على أنها مفاوضات استكشافية لمعرفة مدى التزام الحكومة اللبنانية بمطالب وشروط الصندوق، وفي طليعتها عملية تحرير سعر الصرف، فضلًا عن مطالب أخرى لم يكشفها الصندوق بعد، ولكنه تحدث عن خطط إصلاحية تطال الإدارة والاقتصاد والكهرباء وغيرها. 

الحكومة اللبنانية والقوى التي تقف خلفها، وبشكل أساسي حزب الله، ستكون ملزمة بالاستجابة لمطالب الصندوق لمنع الوضع المالي من الوصول إلى الانهيار الكلي

غير أن الملفت أن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، صرح قبل نحو أسبوع أو أكثر أن لبنان لن يستفيد من صندوق النقد إلا في حال لبى الشروط، وفي مقدمتها مطالب الشعب اللبناني المنتفض في الشارع، وألمح بومبيو إلى أن بلاده ستحجب المساعدات المالية عن لبنان في حال لم يصار إلى تلبية الشروط، وإلى إمكانية ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الليرة مع ما يعنيه ذلك من انهيار مالي واقتصادي إضافي قد يقود لبنان إلى الكارثة.

غير أن بومبيو أشار في مقابل ذلك إلى إمكانية أن تساعد بلاده الحكومة على تأمين المساعدات من خلال مجموعة الدعم الدولية أو الأصدقاء الخليجيين في حال أبدت الحكومة مرونة مع الصندوق والتزمت شروطه، التي يمكن أن يكون من بينها: ملف النفط والغاز في شرق المتوسط، ومنها مسألة صفقة القرن وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ومنها تحجيم دور ونفوذ حزب الله في الإدارة والنظام، فضلًا عن إقرار قوانين وتشريعات تضفي مزيدًا من العلمنة على النظام والدولة، ومثله صرح مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر الذي كان أكثر صراحة في الحديث عن محاصرة حزب الله ودوره سياسيًا واقتصاديًا على المستويات كافة. 

وتجدر الإشارة إلى أن لبنان بحاجة إلى أكثر من عشرة مليارات دولار بشكل فوري لبدء الخروج من الأزمة في حين أن مساهمته في الصندوق لا تسمح له وفق نظام الصندوق بالحصول على أكثر من ثلاثة مليارات وستمئة مليون دولار كحد أقصى، وهي غير كافية للقيام بما يحتاجه البلد كمرحلة أولى، ولذلك فإن ليونة الحكومة أمام الشروط ومطالب بومبيو وحدها الكفيلة بفتح خزائن الصندوق أمام الحاجة اللبنانية. 

وأمام هذا المشهد المتداخل يبدو أن الحكومة اللبنانية والقوى التي تقف خلفها، وبشكل أساسي حزب الله، ستكون ملزمة بالاستجابة لمطالب الصندوق لمنع الوضع المالي من الوصول إلى الانهيار الكلي أو أنها ستمتنع عن الاستجابة، وتاليًا سيكون بالبلد أمام خطر الانهيار، وبالتالي الذهاب إلى الفوضى التي يراهن عليها أطراف يحترفون لعبة حافة الهاوية، لأنهم يدركون أنه لا مصلحة، حتى الآن، لكثيرين في الداخل والخارج بخروج الأمور عن زمام السيطرة والتحكم، ولكل ذلك فإن مصير ومستقبل لبنان خلال المرحلة المقبلة سيتحدد بشكل كبير خلال مفاوضات الحكومة مع صندوق النقد الدولي.