على نحو غير متوقع، قررت السلطات المصرية فرض رسوم ماليّة مقابل إصدار تأشيرات الدخول لمواطني دول مجلس التعاون الخليجي الراغبين في زيارة مصر اعتبارًا من يوم الخميس الموافق 18 من يونيو/حزيران الحاليّ، بعد أن كان مواطنو "السعودية، الإمارات، الكويت، البحرين، سلطنة عمان" يتمتعون بإعفاءٍ كاملٍ من متطلبات تأشيرة الدخول إلى مصر.

القرار الغامض الذي حمل توقيع وزير الداخلية محمود توفيق لم يوضح قيمة الرسوم التي من المفترض أن يدفعها المواطن الخليجي، ولم يوضح كذلك كيفية إصدار التأشيرة، فهل ستكون مسبقة يفترض أخذها من السفارات والقنصليات المصرية بالخارج، أم أنها ستكون تأشيرة فورية يمكن منحها للزائر الخليجي عند وصوله إلى المطارات والمنافذ المصرية.

صورة

إجراء تم اتخاذه مع قطر 

فَرْض السلطات المصرية رسومًا وتأشيرةً على مواطني دول الخليج "السعودية، الإمارات، الكويت، البحرين، سلطنة عمان"، أعاد إلى الأذهان قرارًا مماثلًا صدر عام 2017 بفرض تأشيرة دخول على مواطني دولة قطر عقب تفجر الأزمة الخليجية، حيث قال حينها المتحدث باسم الخارجية المصرية، أحمد أبو زيد، إن أجهزة الدولة المعنية اتخذت قرارًا بفرض تأشيرة دخول مسبقة على مواطني قطر إعمالًا لمبدأ المعاملة بالمثل، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية.

وحاول أبو زيد التبرير بقوله :"ليس من المعقول الاستمرار في منح مزايا واستثناءات لقطر في ظل مواقفها الحاليّة"، إلا أنه استثنى 3 حالات من هذا القرار، وهم، "المواطنون القطريون من أبناء الأم المصرية، وأزواج المصريات، والطلبة القطريون الدارسون بالبلاد بموجب شهادات قيد دراسية معتمدة من جهات تعليمية رسمية مصرية".

فتح المطارات المصرية أمام الرحلات الدولية

قبل صدور قرار تحصيل رسوم التأشيرة من مواطني دول الخليج بأيام قليلة، أعلن وزير الطيران المصري، محمد منار استئناف حركة الطيران بجميع المطارات اعتبارًا من 1 من يوليو/تموز القادم، موضحًا أن عودة الحركة الجوية ستكون بصورة تدريجية مع عدد من الدول.

بالتزامن مع تصريحات منار، كشف وزير السياحة والآثار المصري خالد العناني، استئناف حركة السياحة الوافدة إلى ثلاث محافظات هي جنوب سيناء والبحر الأحمر ومطروح بداية من أول يوليو، مؤكدًا أن قدوم السائحين ليس قرارًا مصريًا فقط، باعتبار أنه لا بد من صدور قرارات مماثلة بفتح مطارات دول العالم المختلفة، والسماح لمواطني تلك الدول بالسفر، وقد بدأت بعض دول الخليج بالفعل فتح المطارات والسماح بحركة السفر وفق ضوابط واشتراطات محددة، ومن بين هذه الدول قطر والإمارات.

اللافت أن مصر استبقت قرار فتح المطارات بإلغاء الحجر الصحي لمواطنيها العائدين من الخارج على الرحلات الاستثنائية التي تنظمها وزارة الطيران المدني والاكتفاء بتوقيع الركاب على الالتزام بالعزل المنزلي لعدة أيام، للتأكد من خلوهم من فيروس كورونا المستجد، وهو ما اعتبره مراقبون تمهيدًا مصريًا لعودة حركة الطيران والسياحة الخارجية، رغم الارتفاع الكبير في أعداد المصابين بالفيروس داخل البلاد.

وتشير التقديرات إلى أن جائحة كورونا تسببت في توقف نشاط قطاع السياحة المصري الذي يسهم بما يتراوح بين 12 إلى 15% من الناتج المحلي الإجمالي، ما أسفر عن خسائر تقدر بنحو 3 مليارات دولار، فضلًا عن فقدان عدد كبير من العاملين بقطاع السياحة والضيافة لوظائفهم مما فاقم معاناة الاقتصاد المصري ودفع الحكومة إلى إصدار توجيه بفتح المطارات واستقبال السياح رغم استمرار خطورة فيروس كورونا.

قرار حكومة السيسي بفرض رسوم على دخول مواطني دول الخليج غير مفهوم ويثير عدة استفهامات، خاصة أنه صدر في وقتٍ تسعى فيه الدولة إلى إنعاش قطاع السياحة رغم مخاطر فيروس كورونا

ضوابط لاستئناف السياحة 

السلطات المصرية فرضت شروطًا وضوابط على فتح البلاد أمام حركة السياح في مطلع يوليو/تموز وفق إجراءات تضمنت التأكد من تعقيم المطارات بشكل مستمر، بالإضافة إلى تقديم الوجبات الجافة والمشروبات المعلبة فقط، وحظر توزيع المطبوعات والمجلدات على الطائرة، كما ألزمت المسافرين القادمين من دول تفشى فيها الفيروس بتقديم فحص يثبت خلوهم من الفيروس قبل موعد السفر بـ48 ساعة كحد أقصى.

كما حددت السلطات المصرية ضوابط عمل للمنشآت الفندقية، منها عدم فتح أي فندق إلا بعد الحصول على ترخيص من وزارتي السياحة والصحة، وحظرت الحفلات الجماعية وتقديم "الشيشة" داخل الفنادق، إلى جانب زيادة المسافات بين الكراسي في مطاعم الفنادق، وقياس درجة الحرارة لروادها قبل الدخول، وتقديم المأكولات في أطباق بلاستيكية.

قرار فرض الرسوم لم يعرض على البرلمان المصري

مدحت الشريف عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب المصري (البرلمان)، اعترف بأنّ قرار فرض رسوم على تأشيرات دخول مواطني دول مجلس التعاون الخليجي لم يُعرض على مجلس النواب سواء في اللجان الفرعية أم العامة، لكنّه، برر قائلًا لـ"إندبندنت عربية": "القرار سياديّ، أصدرته جهة سيادية يحق لها فرضه من دون الرجوع إلى مجلس النواب"، موضحًا "يحق للسلطات المصرية تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل إذا كانت تلك فرضت قرارًا مماثلًا على زائريها من مواطني مصر، أو يُجرى فرضها إذا ارتأت السلطات ذلك من دون المعاملة بالمثل".

إلا أن قرار حكومة السيسي بفرض رسوم على دخول مواطني دول الخليج غير مفهوم ويثير عدة استفهامات، خاصة أنه صدر في وقتٍ تسعى فيه الدولة إلى إنعاش قطاع السياحة رغم مخاطر الكورونا، بيد أنّ المتابع لتطورات المشهد السياسي يلاحظ توقف الدعم السعودي الإماراتي المباشر لنظام السيسي منذ فترة ليست بالقليلة رغم متانة العلاقة والتحالف الذي يجمع الجانبين، مما دفع حكومة السيسي إلى اللجوء لخيار الاقتراض من المؤسسات الدولية، حيث بلغ إجمالي ما حصلت عليه خلال 20 يومًا فقط قرابة 17 مليار دولار، ما بين قروض مباشرة أو عائدات بيع سندات دولية أو من خلال الموافقات المبدئية من المؤسسات المالية الدولية على قروض جديدة.

إلى الآن لم يصدر أي تعليق من حكومات الدول الخليجية الخمسة على فرض السلطات المصرية رسوم تأشيرة على مواطني هذه الدول

تأثيرات سلبية على تصنيف جوازات السفر الخليجية 

الملاحظة الأهم في القرار المصري بتحصيل رسوم الدخول من الخليجيين، أنه لم يوضح آلية إصدار التأشيرات وتحصيل الرسوم التي لم يبيّن مقدارها أيضًا، وبالتأكيد ستكون له نتائج سلبية على تصنيف جوازات الدول الخليجية الخمسة، فقد كانت الإمارات - على سبيل المثال - تروج لقوة جواز سفرها وأنه يمكّن حامله من السفر إلى وجهات عديدة دولية من دون الحاجة إلى تأشيرة دخول مسبقة.

فحتى لو قررت السلطات المصرية منح مواطني الدول الخليجية تأشيرات فورية عند وصولهم إلى مصر، فإن ذلك يؤثر سلبًا على تصنيف قوة جوازات هذه الدول عالميًا وفق المؤشرات المتخصصة في تصنيف جوازات السفر خصوصًا مؤشر "هينلي" الذي يعتمده الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا)، وإن كان تأثير منح الخليجيين تأشيرة عند الوصول إلى مصر سيكون أخف قدرًا من إلزامهم بأخذ التأشيرة المصرية من سفارات الدولة وممثلياتها الخارجية أو حتى السماح لهم بالتقديم على التأشيرة الإلكترونية التي أعلنتها حكومة مصر العام الماضي لمواطني عدد من دول العالم ذات الاقتصاد القوي.

إلى الآن لم يصدر أي تعليق من حكومات الدول الخليجية الخمسة على فرض السلطات المصرية رسوم تأشيرة على مواطني هذه الدول، بل إن صحيفة سبق الإلكترونية السعودية المقربة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كذّبت صحة الخبر رغم أنه منشور بالجريدة الرسمية المصرية.

عدم استبعاد الدوافع السياسية

ما لم تتراجع القاهرة عن القرار، فإن السبب الراجح سيكون محاولة الحصول على موارد مالية تساعد حكومة السيسي في مجابهة التحديات التي تحيط بها، رغم أن قيمة المبالغ التي يتوقع تحصيلها من رسوم تأشيرة دخول الخليجيين لن تكون كبيرة على أي حال، فإذا طبّقت وزارة الداخلية المصرية الرسوم ذاتها التي تفرضها على تأشيرات السياحة لمواطني الدول غير الخليجية التي تبلغ 25 دولارًا مقابل التأشيرة السياحية الواحدة، وإذا افترضنا كذلك نجاح مصر في استقطاب نحو مليون سائح خليجي أو مليوني في هذا الموسم الصيفي، فإن ذلك يعني الحصول على 25 مليون دولار أو 50 مليون على الحد الأقصى وهو ليس بالمبلغ الذي يمكن أن يؤثر على ميزانية الدولة أو يساهم في إنعاش الاقتصاد.

والملاحظة الأخيرة هذه تدفعنا إلى عدم استبعاد فرضية الدوافع السياسية التي قد تكون وراء قرار فرض التأشيرة المصرية بغرض توجيه رسائل محددة في بريد حكومات دول الخليج، في ظل توقف الدعم السعودي والإماراتي، إلى جانب إعادة السلطات الكويتية آلاف المغتربين المصريين إلى بلادهم، مما ينذر بمزيد من الضغوط الاقتصادية على حكومة السيسي.