في يوليو/تموز 2019، نشر موقع الرئاسة التركية، صورة للرئيس رجب طيب أردوغان، وهو يقف أمام خريطة تبدو عادية للوهلة الأولى، لكنها أثارت جدلًا واسعًا لدى دول الجوار التي تخشى تصاعد الطموحات التركية.

تظهر الخريطة ما أطلق عليه "الوطن الأزرق" الذي يجسد حلم تركيا في تعزيز السيادة البحرية في البحار المحيطة بها وهي: المتوسط وإيجة ومرمرة والأسود، لتصبح مساحة هذا الوطن بيابسه وبحاره نحو مليون وربع المليون كيلومتر مربع.

ت

بحر مرمرة: 12 ألف كيلومتر.

بحر إيجة: 89 ألف كيلومتر.

البحر المتوسط: 189 ألف كيلومتر.

البحر الأسود: 172 ألف كيلومتر.

وفي المنتصف توجد مساحة تركيا، ومساحة الوطن الأزرق

بجانب الخريطة، كُتب الرقم 462 ألف كيلومتر مربع في إشارة إلى المساحة التي تمثلها المياه الإقليمية التركية، وهي نصف مساحة البر التركي تقريبًا، وقد أثارت جدلًا لأنها شملت عددًا من الجزر المتنازع عليها مع اليونان.

متى ظهرت فكرة "الوطن الأزرق"؟

الفكرة بدأت كمصطلح أطلقه الأدميرال المتقاعد، جيم غوردنيز عام 2006 عندما كان رئيس الوحدة المسؤولة عن خطط وسياسات أنقرة البحرية، وذلك بهدف الإشارة إلى مناطق السيادة البحرية التركية المعلنة وغير المعلنة، لكنها ارتبطت مع الوقت بمساعي تركيا لتأمين مصادر للطاقة والغاز في البحار المحيطة بها.

وتحول المتوسط إلى واحد من ساحات معارك فرض سيادتها الرئيسية مؤخرًا مع توقيعها اتفاقيات مع حكومة طرابلس الليبية، حيث تتداخل الحدود المائية الليبية مع حدود الوطن الأزرق، وفق التصور التركي.

زاد من حدة التشنج الدولي، المناورات التي أطلقتها أنقرة عام 2019، وحملت أيضًا اسم "الوطن الأزرق"، وكانت هذه أكبر مناورات عسكرية تركية في التاريخ، واستخدمت فيها أكثر من 100 قطعة حربية بحرية من الفرقاطات والغواصات، واعتبرها البعض رسالة تركية بأنها تحولت إلى قوة بحرية لا يمكن تجاهلها.

فهل تريد تركيا حماية مصالحها وسيادتها في "الوطن الأزرق" أم الانطلاق منه لتحقيق أهداف توسعية خارج أراضيها ومياهها الإقليمية؟

أزمة السيادة

يقول محمود الرنتيسي، الباحث في مركز سيتا للدراسات بأنقرة: "كل دولة تسعى بالدرجة الأولى لحماية مصالحها وبسط قوتها ونفوذها على مناطقها المعترف بها قانونيًا، لكن تركيا تواجه مشكلة حقيقية في التعريف القانوني لمناطق سيادتها البحرية، خاصة في الخلاف التاريخي مع اليونان في بحر إيجة والخلاف بشأن الاعتراف بقبرص التركية".

ويرى الرنتيسي في حديث لـ"نون بوست" أن "تركيا معنية بالدرجة الأولى بتحقيق الاستقرار في المنطقة، وبالتالي هدفها الأساسي بسط نفوذها على مناطق سيادتها والمناطق التي تدعي أنها تخضع لسيادتها البحرية وحاليًّا تنقب عن الغاز فيها".

وتشهد منطقة شرق المتوسط استعدادات عسكرية لوحت بها كل من تركيا من جهة، واليونان وفرنسا من جهة أخرى، بعد أن بدأت تركيا التنقيب عن الغاز الطبيعي قبالة جزر يونانية.

وتقع العديد من الجزر اليونانية في بحر إيجة وشرق المتوسط على مرمى البصر من الساحل التركي، وبالتالي فإن قضايا المياه الإقليمية معقدة، حيث اتهمت أثينا أنقرة بالتنقيب بشكل غير مشروع، فيما ترد الأخيرة بأنها تنقب في مناطق تنتمي إلى جرفها القاري.

وبدأ الجيش التركي وقوات شمال قبرص في 6 من سبتمبر/أيلول الحاليّ، مناورات عسكرية بعنوان "عاصفة البحر الأبيض المتوسط"، التي تنظم سنويًا حتى العاشر من ذات الشهر، بهدف تطوير التدريب المتبادل والتعاون والعمل المشترك.

تركيا تتبع تكتيك "افرض نفسك في الميدان ثم طالب بحقوقك"، وهو ما فعلته في ليبيا

ومن وجهة نظر الرنتيسي، فإن "كل ما نراه يبدو أنها محاولات توسعية تركية عبر إجراء مناورات من أجل فرض أنقرة نفسها بقوة على طاولة المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي وخصوصًا اليونان، حتى تقر هذه الدول التي باتت لا تقتنع إلا بمنطق القوة، بحقوق تركيا".

وأوضح أن تركيا تتبع تكتيك "افرض نفسك في الميدان ثم طالب بحقوقك"، وهو ما فعلته في ليبيا، حيث كانت تدعو لوقف إطلاق النار هناك منذ أن بدأ الجنرال المنقلب خليفة حفتر بحصار طرابلس، لكن الأمر لم يتحقق إلا بعد أن دعمت أنقرة حكومة الوفاق عسكريًا.

وفي الصراع مع اليونان، ترغب تركيا أيضًا بالتوصل إلى اتفاق ما، لكنها تدرك أنه لا يمكن تحقيق الأمر إلا من خلال فرض القوة التي باتت تمتلكها، حيث أصبحت هناك 7 شركات عسكرية تركية على الأقل ضمن أفضل 100 في العالم، "ورأينا إمكانات تركيا في التنقيب من خلال سفنها (..) هذا كله يعطيها زخمًا في فرض نفوذها في محيطها"، يخلص الرنتيسي.

حلم الاستقلال

وفي السياق، قالت صحيفة صباح التركية في أغسطس/آب: "تركيا بإمكانها المضي قدمًا في خطواتها نحو الوطن الأزرق الإستراتيجي"، مشيرة إلى أنه "من الصعب التنبؤ كم من الوقت قد يستغرق ذلك وكيف ستكون النتيجة، لكن المؤكد أن الوقت حان، فبعد مئة عام تحولت الأرصدة لصالحها".

وفي مؤشر على تنامي الأهمية التي يوليها للاستقلال في مجال الطاقة، أعلن أردوغان، منتصف أغسطس/آب، أن بلاده قامت بأكبر اكتشاف للغاز الطبيعي في البحر الأسود.

الاكتشاف الجديد لم يسهم كثيرًا في تخفيف رغبة تركيا بالتوسع في مجال الطاقة، بل زاد من نهم التنقيب في البحار الأخرى، حيث أعرب أردوغان نهاية نفس الشهر عن توقعاته بإمكانية اكتشاف بلاده الغاز الطبيعي في المتوسط، بعد اكتشافه في البحر الأسود.

كما لم يخفف الاكتشاف من حدة التوتر، حيث أثار الإعلان حفيظة الاتحاد الأوروبي وخصوصًا اليونان وفرنسا، لترسل باريس المنخرطة في خلاف مع تركيا أساسًا بشأن ليبيا وملفات أخرى في الشرق الأوسط، سفنها إلى المنطقة دعمًا لليونان، ما دفع أردوغان للتحذير من أنه سيرد على أي هجوم، قائلًا إن المسألة لا تقتصر على "القتال من أجل الحقوق، فحسب بل من أجل مستقبل بلادنا".

وفاقم اتفاق بحري وقعته تركيا مع ليبيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، التوتر بعدما أسس لحدود بحرية قالت اليونان إنها تجاوزت جزيرتها كريت، كما يدور صراع غير مباشر بين القاهرة وأنقرة على التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، حيث تدعم مصر كل من اليونان وقبرص، واصطدمت سفينة حربية تركية بأخرى يونانية في وقت سابق من أغسطس/آب.

التوتر مع اليونان سيتواصل بالفترة المقبلة، والأحداث المتتالية قد ترسم العصر المقبل لتركيا

ويعني الترويج لمصطلح "الوطن الأزرق" في رأي ريان جينجراس، الأستاذ بقسم شؤون الأمن القومي في كلية الدراسات العليا البحرية الأمريكية، أن الأمر أكثر من مجرد عمل ذي طابع سياسي، وأنه يشير إلى تحول جذري، إلى حد ما، في العقيدة داخل الدوائر السياسية والعسكرية التركية، وفق ما نقل عنه موقع "أحوال تركية" في يونيو/حزيران.

أما كليمنس هوفمان، أستاذ السياسات الدولية لدى جامعة ستيرلينج في المملكة المتحدة، فيقول في تحليل له على موقع "the conversation": "الوطن الأزرق يتعلق بالهيمنة البحرية، ويعني مراجعة من أنقرة للحدود المتفق عليها في معاهدة لوزان". 

ووسط هذا الشد والجذب، قال صاحب نظرية الوطن الأزرق جيم غوردنيز إن البحرية التركية هي "الأولى" في شرق المتوسط لذلك ينبغي على تركيا أن تكون أكثر طموحًا.

وأضاف "البحر المتوسط لا يشكل إلا 1% من المحيطات والبحار في العالم. يجب أن تذهب تركيا أبعد من نسبة الـ1% هذه"، متابعًا "في البحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الأطلسي ينبغي أن يكون لتركيا حضور هناك، كرمز لنفوذ متزايد".

وكانت تركيا ترى مسألة البحار معضلة بالنسبة لها، وقبل الحرب العالمية الثانية لم تكن قادرة على التعامل مع تلك المشاكل، وبعد الحرب الباردة، تم تجميد جميع القضايا العالقة بالنسبة لها.

ومن شأن تمسك تركيا بالوصول إلى غاياتها في الحصول على "الوطن الأزرق" كاملًا، استمرار هذا التوتر، حيث أكد وزير الدفاع خلوصي أكار في أغسطس/آب أن بلاده لن تسمح لأي مبادرة تهدد أمنها، وتغتصب حقوقها ومصالحها في المياه الإقليمية التركية.

وقالت صحيفة "صباح" التركية منتصف أغسطس/آب إن أنقرة أصبحت أكثر قوة من قبل في المنطقة، لافتة إلى أن التوتر مع اليونان سيتواصل بالفترة المقبلة، وأن الأحداث المتتالية قد ترسم العصر المقبل لتركيا، حيث سيفتح المجال أمامها أو سيغلق على أصعدة عدة، بدءًا من مسألة التبعية للطاقة والعلاقات التي ستبنيها مع دول الجوار.