عربات عسكرية أذربيجانية جرى استهدافها من قبل قوات أرمينيا أمس الأحد

رغم عمقها التاريخي، من الخطأ اعتبار الأزمة الحاليّة بين أذربيجان وأرمينيا نزاعًا حدوديًا كلاسيكيًا، فخلف الكواليس يوجد الروس والأتراك، وهناك مجموعة مينسك أيضًا "فرنسا والولايات المتحدة"، وما يحصل في المنطقة من توافقات وصدامات بين هذه الأطراف، لا بد أن يؤثر في الملفات الأخرى مثل سوريا وليبيا، خاصة في حالة استمرار الصراع - وهو أمر تريده روسيا بالذات لتحقيق مكاسب اقتصادية، لكن قبل هذا كله، ما أسباب الخلاف بالأساس؟ 

ناغورنو كاراباخ

لا يوجد شيء بين البلدين تقريبًا إلا ويثير المشاكل والخلافات، بدءًا من التاريخ المليء بالعداوة، مرورًا بالديمغرافية المسلمة لأذربيجان والمسيحية لأرمينيا، وانتهاءً بالجغرافيا! فبالنظر لخريطة البلدين، يلعب موقعهما دورًا أساسيًا في إذكاء الصراع الدائم، فخريطة أرمينيا تقطع بالأساس أراضي أذربيجان إلى قسمين، ثم يأتي إقليم ناغورنو كاراباخ.  

 

photo

يعود الخلاف على الإقليم إلى الأيام الأولى للاتحاد السوفيتي، ففي عام 1923 حول جوزيف ستالين، المفوض السوفيتي وقتها للقوميات، منطقة ناغورنو كاراباخ المتمتعة بالحكم الذاتي إلى جيب مستقل داخل أذربيجان رغم أن 90% من السكان من أصل أرمني.

على مدار الـ60 عامًا التالية، أثارت جمهورية أرمينيا الاشتراكية السوفياتية القضية بشكل دوري، ورغم ذلك، بقيت الأمور هادئة ولم تنفجر حتى أيام احتضار الاتحاد السوفيتي، وفي فبراير 1988، مع تصاعد القومية في جميع أنحاء الاتحاد السوفيتي، خرجت مظاهرات حاشدة في العاصمة الأرمينية، يريفان، تطالب بفصل كاراباخ عن أذربيجان وجعلها جزءًا من أرمينيا، اندلع الاقتتال العرقي بعدها بين الأذربيجانيين والأرمن في كلتا الجمهوريتين، بما في ذلك أحداث مثل مذبحة سومجايت الشهيرة التي شهدت طرد الأرمن من بلدة لهم بالقرب من باكو.

صوتت السلطات المحلية في كاراباخ بعد فترة وجيزة للانضمام إلى أرمينيا، بينما أمضت قوات الأمن السوفيتية السنوات الثلاثة التالية في شن حملات قمع عنيفة وعشوائية في جميع أنحاء أرمينيا وأذربيجان في محاولة عقيمة لوقف العنف المتصاعد، ومع انهيار الاتحاد السوفيتي في أواخر عام 1991، أعلنت ناغورني كاراباخ استقلالها، وانفجر الصراع في حرب واسعة النطاق: أرمينيا وجمهورية ناغورنو كاراباخ الجديدة من جهة، وأذربيجان من جهة أخرى.

رغم تجميد إطلاق النار، كان التصعيد المتقطع سمة الوضع الرئيسية

عندما تم التوصل إلى وقف إطلاق النار أخيرًا عام 1994، كان 20 ألف شخص قد فارقوا الحياة وتشرد مليون شخص، وقفت ناغورنو كاراباخ كجمهورية غير معترف بها: بحكم الواقع مستقلة وخارج السيطرة الأذربيجانية تمامًا لكنها تقع بحكم القانون داخل حدود ذلك البلد المعترف به دوليًا.. يبدو أن الأطراف الدولية كانت تريد قنبلة موقوتة في القوقاز! 

رغم تجميد إطلاق النار، كان التصعيد المتقطع سمة الوضع الرئيسية، تتبعت مجموعة الأزمات الدولية ما يقرب من 300 انتهاك لوقف إطلاق النار في المنطقة منذ يناير 2015. هذا لا يشمل ما يسمى بحرب الأيام الأربع في أبريل 2016، التي شهدت مقتل ما يقرب من 100 جندي من كل جانب في أسوأ قتال منذ انتهاء الصراع الأول عام 1994. أدى اتفاق وقف إطلاق النار في ذلك العام إلى وقف العمليات القتالية الرئيسية، لكنه لم يحسم وضع المنطقة، الذي بدأ بالانفجار رويدًا رويدًا في أغسطس، ليستمر بالصعود وصولًا لإعلان الرئاسة الأذرية الحرب على أرمينيا بدءًا من منتصف ليلة 27-28 من سبتمبر/أيلول. 

موازين جديدة

تغيرت أمور كثيرة في الجانبين منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، فقد مالت الكفة العسكرية كثيرًا نحو أذربيجان بفضل عائداتها النفطية التي رفعت الإنفاق الدفاعي في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فقد أظهر تقرير صادر عام 2018 عن مركز تحليل الإستراتيجيات والتقنيات ومقره موسكو أن الإنفاق الدفاعي السنوي ارتفع من 700 مليون دولار عام 2007 إلى 3.7 مليار دولار عام 2013، وشمل ذلك ما يقرب من 5 مليارات دولار لمشتريات الأسلحة الروسية، فقد اشترت باكو دبابات من طراز T-90C Battle وناقلات جند مدرعة نوع BTR-82A وطائرات هليكوبتر طراز Mi-35M وغيرها من المعدات.

ومع ذلك، كانت مشتريات باكو الإسرائيلية أكثر وضوحًا في ساحة المعركة، لا سيما طائراتها دون طيار "الدرونز"، فجميع أنواع الطائرات من دون طيار الثمانية الواردة في مخزون أذربيجان تأتي من "إسرائيل" التي ترتبط أذربيجان بعلاقات عسكرية طويلة الأمد معها.

شهد نزاع عام 2016 نشر أذربيجان لطائرة IAI Harop، ما يسمى بطائرة كاميكازي دون طيار، ضد المقاتلين الأرمن، وضرب صاروخ أذربيجاني حافلة تقل متطوعين أرمن إلى الخطوط الأمامية في ذلك العام، مما أسفر عن مقتل 9 وإصابة آخرين بجروح خطيرة.

كانت هذه الطائرات دون طيار عالية التقنية هي التي استخدمتها باكو في اشتباكات يوليو الماضي، ومن بين أكثر تلك المشتريات تطورًا صاروخ سبايك الموجه المضاد للدبابات، وهو نظام أسلحة إسرائيلي من الطراز الأول أظهر العديد من مقاطع فيديو وزارة الدفاع الأذربيجانية وهو يصيب أهدافًا أرمنية، ونموذج Spike الخاص الذي تستخدمه أذربيجان، قادر على ضرب أهداف على مسافة تصل إلى 15 ميلًا وما وراء النطاق المرئي.

كانت مشتريات باكو الإسرائيلية أكثر وضوحًا في ساحة المعركة، لا سيما طائراتها من دون طيار

رغم التفوق العسكري الأذري، ما يزيد الأمر سوءًا في هذه الأزمة أمران آخران: اندفاع الجماهير في كلا البلدين لدفع حكومتيهما نحو شن الحرب، كما فعل الأذريون بمظاهرات منتصف يوليو، والعنصر الثاني هو التوازنات الدولية الجديدة التي لم تكن موجودة في السابق، وبالأخص دخول روسيا وتركيا على الخط، فإعلان تركيا وقوفها إلى جانب أذربيجان قد يدفع أطرافًا أخرى لمساندة أرمينيا، وهو ما قد يصنع نسخة مماثلة من التوتر الجاري في شرق المتوسط داخل القوقاز، ووجود الطائرات من دون طيار التركية وتأثيرها الذي ظهر ساحقًا في ليبيا سيدفع بالتأكيد أطرافًا لتزويد أرمينيا بسلاح مماثل، وهو ما قد يفتح سلسلة من الردود والردود المباشرة تجعل من الأزمة ملفًا جديدًا على طاولة المباحثات المليئة أصلًا بالملفات. 

أكثر من مجرد حرب!

في حال اندلاع نزاع عسكري واسع، يُتوقع أن يُحدث الأمر تأثيرات سياسية واقتصادية داخلية وإقليمية كبيرة، فمثلًا: يمر خطان رئيسيان لأنابيب النفط والغاز من أذربيجان إلى تركيا عبر منطقة توفوز، على بعد أميال قليلة فقط من الحدود، وعلى الجانب الأرمني، يقع طريق يريفان - تبليسي السريع، وهو ممر عبور حاسم لكل من البضائع والأشخاص، ويعبر أحد الحدود الدولية المفتوحة الوحيدة لأرمينيا إلى جورجيا.

قدرت مجموعة دراسة الأزمات Crisis Group أن نحو 150.000 مدني يعيشون على بعد ستة أميال من الحدود، ثلاثة أرباعهم على الجانب الأذربيجاني، في كاراباخ ، يمكن لكل جانب استخدام مدفعية ثقيلة عيار 120 ملم دون مشاكل كبيرة. 

في حين أن المدفعية الثقيلة قد تكون غير مطروحة على الطاولة، إلا أن هناك الكثير من الألعاب الجديدة اللامعة الأخرى التي يمكن لكل جانب أن يستخدمها خاصة أذربيجان التي حصلت بفضل فورة المشتريات الدفاعية الممولة بالنفط، على معدات عسكرية متطورة فى السنوات الأخيرة.

على الجانب الآخر، يبدو الجانب الإقليمي معقدًا للغاية، فروسيا وتركيا لا تريدان ملفًا جديدًا للصدام فيه، كما لا تريد تركيا أن تستعدي أوروبا في ملف آخر فوق ما يحصل مع اليونان، ورغم ذلك، لن يكون من السهل التوافق خاصة أن الأطراف هذه المرة دول تتقاتل وليست فصائل متناحرة كما هو الحال في أماكن أخرى.

ومهما يكن من أمر، لن يكون من الضروري أن تفضي الأزمة الحاليّة إلى حالة يُسلم فيها الطرف الآخر مناطق سيطر عليها سابقًا بالقوة، خاصة مع جغرافيا المنطقة المعقدة، لكن الأكيد، أن ملفًا جديدًا سيخضع لحسابات الدول الإقليمية الداعمة لهذا الطرف أو ذاك، بينما تبقى مبيعات الأسلحة، البند الأهم المربح من تجارة الدم والحرب، خاصة مع طرف مثل روسيا: تبيع لأذربيجان أسلحة هجومية وتبيع مضاداتها لأرمينا.. ثم تنادي بالوقف الفوري لإطلاق النار!