أطفال يقفون لالتقاط صورة أثناء بحثهم عن الخشب في ملصقات المرشحين للبرلمان يوم 12 تشرين الثاني/ نوفمبر بعد إعلان نتائج انتخابات مجلس النواب في عمان، الأردن.

ترجمة وتحرير: نون بوست

في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر، أجرت المملكة الأردنية الهاشمية انتخابات برلمانية. وعلى الرغم من الأعداد المتزايدة لحالات الإصابة لكوفيد -19 في البلاد، لم يُعرض على الأردنيين فرصة التصويت مبكرا أو عن بُعد. نتيجة لذلك، تساءل الكثيرون عما إذا كان التصويت يستحق مخاطر الإصابة بالفيروس. وقبل الإدلاء بأصوات الاقتراع، كانت الوسوم على وسائل التواصل الاجتماعي التي تقول "قاطع الانتخابات من أجل حياتك"، شائعة في المملكة.

لقد تسبب الوباء بأكثر من تعريض سلامة الناخبين للخطر، فقد قوض نزاهة الانتخابات. في الواقع، انخفضت نسبة المشاركة من 36 بالمئة في الانتخابات السابقة إلى 29 بالمئة هذه المرة. كذلك، كان المرشحون غير متأكدين مما إذا كانت الانتخابات ستجرى وبالتالي ما إذا كان ينبغي عليهم إطلاق حملاتهم. بالإضافة إلى ذلك، خلق الوباء فرصا جديدة للفساد والتلاعب بالانتخابات. ونتيجة لذلك، كانت هذه واحدة من أقل الانتخابات ديمقراطية في تاريخ الأردن الحديث.

لماذا وقع إجراء الانتخابات خلال جائحة؟

قامت حوالي 60 دولة أخرى أو نحو ذلك بتأجيل انتخاباتها بدلا من جعل الناس ينتقلون للتصويت أثناء الوباء. لم توضح الحكومة الأردنية بشكل واضح لماذا لم تفعل الشيء نفسه. في المقابل، أشار رئيس الهيئة المستقلة للانتخاب إلى أنه نظرا لأن فيروس كوفيدـ 19 لن يختفي قريبا، فلا فائدة من تأخير الانتخابات. ولكن بسبب تزايد عدم اليقين الاقتصادي وتأثيراته المحتملة على الثقة في الحكومة، ربما شعر النظام أيضا أنه بحاجة إلى الانتخابات لإظهار فعاليته وتعزيز احترام مؤسسات الدولة وتعميم الاستقرار. وحسب قول وزير الداخلية، فإن إجراء الانتخابات كما هو مخطط لها سيثبت للجميع "قوة" الدولة الأردنية.

الدوائر الانتخابية القبلية الموالية للنظام الملكي ممثلة بصفة مبالغ فيها، ودائما ما تتمتع مقاطعاتها بأعلى نسبة إقبال على التصويت

لا يتمتع المجلس التشريعي بسلطات اتخاذ القرار الرئيسية. في الواقع، اتخذت الحكومة جميع قراراتها بشأن فيروس كورونا دون استشارة المؤسسة. وبدلا من ذلك، يركز البرلمانيون على مكانتهم وعلى الوصول إلى الموارد التي تأتي مع المنصب. يمكنهم إقامة علاقات بارزة والحفاظ عليها وتأمين عقود عامة مربحة لأصدقائهم وتوجيه مشاريع التنمية المحلية إلى دوائرهم الانتخابية. 

إن الدوائر الانتخابية القبلية الموالية للنظام الملكي ممثلة بصفة مبالغ فيها، ودائما ما تتمتع مقاطعاتها بأعلى نسبة إقبال على التصويت. حتى أن البعض يتناوب على شغل المناصب بين الفروع القبلية، حيث تشبه العملية لعبة الكراسي الموسيقية التي يمكن أن تكون محفوفة بالمخاطر سياسيا على النظام إذا قرر إيقافها.

الطريق إلى الانتخابات في خضم أزمة كوفيد -19

أبقى الأردن الوباء تحت السيطرة لأشهر من خلال فرض بعض أكثر إجراءات الصحة العامة صرامة في العالم. عندما وقع الإعلان عن الانتخابات في نهاية تموز/ يوليو، كان في البلاد حوالي 1200 حالة إصابة بفيروس كوفيد -19 من بين 10 ملايين نسمة. ومع ذلك، قدمت الهيئة المستقلة للانتخاب عددا من تدابير السلامة للتصويت، بما في ذلك الأقنعة والقفازات الإلزامية والقيود المفروضة على عدد الأشخاص الذين يمكنهم دخول مراكز الاقتراع في وقت واحد.

عندما وصفت هذه التدابير لأول مرة في آب/ أغسطس، كانت مناسبة. ولكن بحلول اليوم السابق للانتخابات، ارتفع عدد الإصابات بصفة ملحوظة إلى 104658 حالة نشطة. كان النظام يتأرجح بين مجموعة مربكة من الردود، بين السماح بمواصلة العمل كالمعتاد وفرض حظر التجول وفرض الإغلاق الكامل.

تعقيدات الحملات

خلال الفترة التي سبقت الانتخابات، انتشرت شائعات عن احتمال تأجيلها. غير أن الحكومة لم تؤكد أنها ستُعقد في التاريخ المخطط لها حتى الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر. من جهة أخرى، اشتكى العديد من المرشحين من أنهم لا يعرفون ما إذا كان عليهم إنفاق أموال الحملة أو الانتظار. نتيجة لذلك، لم يقع إطلاق بعض الحملات رسميا إلا قبل أيام فقط من التصويت.

كما حدث في أماكن أخرى، فرض الوباء إطلاق حملات الانتخابات على الإنترنت، الأمر الذي أدى إلى تفاقم المشاكل القائمة مع الطريقة التي ينتخب بها الأردن مجلسه التشريعي. تتميز البيئة السياسية في البلاد بانقسامات مختلفة ومتداخلة في كثير من الأحيان، منها الموالون للنظام مقابل المعارضة؛ والهويات الأردنية الأصلية مقابل الهويات الفلسطينية الأردنية؛ والإسلاميون مقابل العلمانيين؛ ومئات القبائل المتنافسة؛ والمسلمون والمسيحيون والشركس.

يعزز النظام الانتخابي الغامض ذي القوائم المفتوحة في الأردن هذه الانقسامات، مما يؤدي إلى خلو البرلمان من الكتل السياسية الموحدة. يجب أن يدخل المرشحون في قوائم انتخابية مشتركة مع وجود ثلاثة مرشحين على الأقل على ورقة الاقتراع. ثم يختار الناخبون قائمة ومرشحيهم المفضلين ضمن هذه القائمة. في الواقع، أظهرت انتخابات 2016 أن هذا النظام يجعل من الصعب على أي قائمة أن تفوز بأكثر من مقعد واحد لكل دائرة. ونظرا لأنه من المرجح أن يفوز المرشح على رأس القائمة فقط، فإن بقية الأعضاء لديهم حوافز لثني ناخبيهم عن دعم حلفائهم في القائمة.

أدى الوباء إلى ارتفاع معدل البطالة إلى 23 بالمئة. وأعلنت الحكومة أنه بعد الانتخابات، سيدخل الأردن في حالة إغلاق لمدة أربعة أيام

أما عبر الإنترنت، لم يتمكن المرشحون من مراقبة ما إذا كان زملائهم في القائمة يقومون بحملة للقائمة بأكملها أو لأنفسهم فقط. نتيجة لذلك، بدأ المرشحون في الترويج لأنفسهم كمرشحين فرديين. كذلك، أدى تدخل الحكومة إلى إضعاف القوائم، ربما بسبب قلة المراقبين الدوليين الذين حضروا الانتخابات. 

في الأوقات التي لم تشهد انتشار الوباء، يصل المئات من مراقبي الانتخابات من البلدان التي يعتمد عليها الأردن في المساعدة وينشرون تقارير معمقة بعد ذلك. قبل الانتخابات، قال رئيس الهيئة المستقلة للانتخاب إن انتخابات 2020 لن تكون مثل تلك التي أجريت سنة 2007، عندما ادعى رئيس المخابرات الأردنية علنا أنه عيّن العديد من المرشحين.

غير أن الأردنيين أجروا مقارنات مع سنة 2007. في الحقيقة، ذكر عدد من المرشحين أنهم واجهوا ضغوطا لترك قوائم محددة أو الانتقال إلى أخرى، بما في ذلك المنتسبون إلى أبرز جماعة معارضة للنظام الملكي، وهي جبهة العمل الإسلامي التابعة للإخوان المسلمين. لم يوحّد التحالف الانتخابي لجبهة العمل الإسلامي الإسلاميين فحسب، بل وحد أيضا المسيحيين والشركس والنساء تحت اسم "الإصلاح". وقبل أيام من الانتخابات، انسحب العديد من مرشحي التحالف الوطني للإصلاح من قوائمه، والذي ألقى جبهة العمل الإسلامي باللوم فيها على تدخل الدولة.

لم تحصل أي امرأة على مقعد برلماني خارج الحصة المرصودة للنساء في الانتخابات الحالية

أدى الوباء إلى ارتفاع معدل البطالة إلى 23 بالمئة. وأعلنت الحكومة أنه بعد الانتخابات، سيدخل الأردن في حالة إغلاق لمدة أربعة أيام، مما أدى إلى وقف أعمال ملايين العمال الذين لا يستطيعون تحمل خسارة أجر يوم واحد. ونتيجة لذلك، دفع العديد من المرشحين علنا مقابل الفوز بالأصوات. من جهة أخرى، بلّغ مراقبو الانتخابات المحليون عن عدد من "أسواق شراء الأصوات"، كما أطلق عليها أحد مديري الحملة. ويُذكر أن النظام الانتخابي المثير للانقسام يسمح بالفوز بمقاعد في بعض الدوائر عن طريق تحصيل أكثر من ألفيْ صوت. هذا يعني أن شراء الأصوات يمكن أن يكون فعالا للغاية.

النتائج

بالنظر إلى هذه العملية المضطربة، فليس من المستغرب أن يهيمن رجال الأعمال الأثرياء والمستقلون القبليون، بينما يخسر أعضاء البرلمان الأقوياء ذوي التوجهات الإصلاحية مقاعدهم. في المقابل، قدمت الائتلافات ذات القاعدة الأوسع أداء سيئا. وسيكون أقل من 10 بالمئة من أعضاء البرلمان القادم البالغ عددهم 130 عضوا من الأحزاب السياسية. كذلك، خسر أكثر أحزاب المعارضة نفوذا، جبهة العمل الإسلامي، ما يقرب من نصف مقاعده. 

من جهة أخرى، لم تحصل أي امرأة على مقعد برلماني خارج الحصة المرصودة للنساء في الانتخابات الحالية، وهي 15 مقعدا، بينما نجحت خمس نساء في تحقيق ذلك خلال الانتخابات الماضية. بالإضافة إلى ذلك، فإن 15 بالمئة فقط من المنتخبين هم دون سن الأربعين. ومن المرجح أن يكون البرلمان القادم ضعيفا ومشروعا بشكل مشكوك فيه مثل العملية التي وقع من خلالها إنشاؤه.

المصدر: واشنطن بوست