مؤشرات إيجابية حول إنهاء الخلاف الخليجي

لأول مرة منذ أكثر من 3 سنوات تسود أجواء إيجابية منطقة الخليج العربي، على ضوء المستجدات التي شهدها ملف المصالحة الخليجية في أعقاب التصريحات الواردة من الكويت وبعض الدول أطراف النزاع والتي تعكس النوايا لطي صفحة الخلاف والتأسيس لمرحلة جديدة من التعاون على أسس احترام السيادة والاستقلالية.

وزير خارجية الكويت الشيخ أحمد ناصر الصباح قال في تصريحاته أمس الجمعة إن مباحثات "مثمرة" جرت خلال الفترة الماضية لحل الأزمة المستمرة منذ يونيو/حزيران 2017، موضحًا-عبر كلمة بثها تلفزيون الكويت- أن هذه المباحثات "أكد فيها جميع الأطراف حرصهم على التضامن والاستقرار الخليجي والعربي، وعلى الوصول إلى اتفاق نهائي يحقق ما تصبو إليه من تضامن دائم بين دولهم، وتحقيق ما فيه خير شعوبهم".

تأتي تلك التصريحات بعد ساعات قليلة من الزيارة التي قام بها صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره جاريد كوشنر لكل من الرياض والدوحة، في محاولة لتحقيق انتصارات دبلوماسية شرق أوسطية قبل انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

بدوره وجًه الوزير الكويتي الشكر لكوشنر " وإدارة ترامب على النتائج المثمرة التي تحققت في طريق حل الخلاف" في حين أعرب أمير الكويت الشيخ نواف الجابر الأحمد الصباح، عن ارتياحه لما وصفه بـ "الإنجاز التاريخي" الذي تحقق بالتوصل إلى اتفاق مبدئي لحلحة الأزمة وإنهاء الخلاف.

أمير البلاد في بيان بثته وكالة الأنباء الكويتية "كونا" أوضح أن كل أطراف الأزمة أكدت حرصها على التضامن والتماسك والاستقرار الخليجي والعربي، لافتًا إلى أن الاتفاق "يعكس تطلع الأطراف المعنية إلى تحقيق المصالح العليا لشعوبها في الأمن والاستقرار والتقدم والرفاه".

وفي نهاية البيان وجه الشيخ نواف التهنئة لقادة الدول المعنية لحرصهم على الوصول إلى هذه النقطة المحورية لإنهاء الخلاف الخليجي الذي مثًل صداعًا في رأس المنطقة طيلة السنوات الماضية، مستذكرًا جهود "الخيرة والبناءة" للأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد الصباح، الذي قاد جهود الوساطة منذ بداية الأزمة.

ترحيب سعودي قطري

لاقى البيان الكويتي ترحيبًا سعوديًا قطريًا لأول مرة منذ انطلاق جهود الوساطة، حيث أعرب وزير الخارجية السعودية فيصل بن فرحان عن تقدير بلاده "لجهود دولة الكويت الشقيقة لتقريب وجهات النظر حيال الأزمة الخليجية" كما ثمن المساعي الأميركية في هذا الخصوص.

وأضاف في مداخلة له على هامش منتدى المتوسط "تم إحراز تقدم ملحوظ بشأن الأزمة الخليجية بفضل الجهود الكويتية والأميركية، ويحدونا الأمل أن يفضي هذا التطور إلى اتفاق أخير"، وتابع "طبعا متفائل لأننا نقترب من وضع اللمسات الأخيرة على اتفاق بين جميع الدول الخليجية لنصل إلى حل مرض للجميع".

من جانبه وصف نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، البيان الكويتي بأنه "خطوة مهمة نحو حل الأزمة الخليجية"، مضيفًا في تغريدة له "نشكر للكويت الشقيقة وساطتها منذ بداية الأزمة، كما نقدر الجهود الأميركية المبذولة في هذا الصدد، ونؤكد أن أولويتنا كانت وستظل مصلحة وأمن شعوب الخليج والمنطقة".

آل ثاني في تصريحات سابقة له قد أشار إلى بعض التحركات الدبلوماسية المكثفة في الأونة الأخيرة لإنهاء هذا الخلاف، مضيفا "نعتبر أن وحدة الخليج مهمة جدا لأمن المنطقة، وهذه الأزمة -التي لا داعي لها- يجب أن تنتهي على أساس الاحترام المتبادل".

وعن توقعاته بشأن سيناريوهات الحلحلة أشار إلى أنه "لا يمكننا التكهن بما إذا كان التحرك وشيكا، أو سيحل النزاع بالكامل، ولا نستطيع القول إن جميع المشاكل ستحل في يوم واحد" لافتا إلى أن التحرك على الطريق الصحيح ربما يكون بداية جيدة لطي صفحة الخلاف.

وكانت وكالة "بلومبيرغ" الأمريكية قد كشفت في تقرير لها في الثاني من ديسمبر الجاري أن  السعودية وقطر تقتربان من التواصل لاتفاق مبدئي لإنهاء الخلاف وذلك بفضل الجهود الدبلوماسية المبذولة من الكويت وإدارة ترامب على مدار السنوات الثلاثة الماضية، التي أوشكت على إحداث اختراق وشيك في جدار الأزمة الخليجية.

غير أن الوكالة أشارت إلى أن الاتفاق المتوقع لن يتضمن الثلاثي "الإمارات - البحرين - مصر" وسيقتصر فقط على السعودية، وهو ماقد يتعارض مع ما يُفهم من البيان الكويتي الذي ألمح إلى أن الاتفاق سيشمل كافة الأطراف، إلا أن المؤشرات تذهب إلى استبعاد- ضمني-  لبعض الدول التي تنفخ في نار اشتعال الأزمة بين الحين والأخر وتحارب لوأد أي مساعي للتهدئة وعلى رأسها الإمارات التي التزمت الصمت حيال بيان الخارجية الكويتي.  

إشادة عربية

قوبل البيان الذي وٌصف بـ "الإنجاز التاريخي" بترحيب عربي كبير، حيث أعلنت سلطنة عمان عن تثمينها لدول الكويت وأمريكا لإنهاء هذا الملف، لافتة في بيان لها إلى أن هذه الخطوة "تعكس حرص كافة الأطراف على التضامن والاستقرار الخليجي والعربي بهدف الوصول إلى اتفاق نهائي يحقق التضامن الدائم بين جميع الدول وبما فيه الخير والنماء والازدهار لجميع شعوب المنطقة".

الأردن على لسان وزير خارجيته، أيمن الصفدي، ثمًن الجهود الكبيرة التي قادها أمير الكويت الراحل وأميرها الحالي، لإنهاء الأزمة، مشيدًا في بيان له "بحرص الأشقاء على تعزيز التضامن والاستقرار الخليجي والعربي من خلال الوصول إلى اتفاق نهائي يعزز التضامن، ويضمن تحقيق الأفضل لدول الخليج العربي وشعوبها الشقيقة".

بدورها، رحبت الرئاسة الفلسطينية بتلك المرحلة المتقدمة التي وصلت إليها مساعي إنهاء الأزمة، معربة في بيان لها عن أمنياتها أن تتكلل تلك الجهود بالنجاح، بما يعزز التضامن العربي والفلسطيني، كما أشادت في الوقت ذاته بالتجاوب الملحوظ من قبل السعودية وقطر بشأن الوساطة الكويتية.

كما رحب الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، نايف الحجرف، بالبيان الكويتي، لافتا في تصريحات له إلى أنه "يعكس قوة المجلس (التعاون) وتماسكه، وكذلك قدرته على تجاوز كل المعوقات والتحديات"، فيما أعربت جامعة الدول العربية عن شعور أمينها العام أحمد أبو الغيط بارتياح وترحيب بتلك الجهود من أجل رأب الصدع وإزالة أسباب الخلاف العربي العربي.

وفي السياق ذاته أكد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، يوسف العثيمين، على أهمية التضامن والاستقرار الخليجي والعربي الذي يشكل رافعة لأمن واستقرار الدول الأعضاء في المنظمة، مرحبًا ببيان وزير الخارجية الكويتي ومثمنًا جهود الوساطة الممتدة عبر سنوات طويلة.

دعم دولي

دوليًا أكد وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، أن الوقت قد حان لحل الخلاف الخليجي، آملا أن تتم المصالحة " لأنها مهمة لشعوب دول المنطقة" غير أنه أحجم عن التكهن بموعد إنهاء الخلاف بشكل رسمي إلا أنه أكد على أن بلاده ستوصل جهودها للوصول إلى اتفاق في أقرب وقت.

الخارجية التركية أعربت هي الأخرى عن ترحيبها بما وصفته بـ "التطورات الإيجابية" بشأن الخلاف الخليجي، مثمنة جهود الكويت في هذا الملف، كما أعربت عن أملها في إنهاء تلك الأزمة من خلال الحوار غير المشروط الذي يحفظ للجميع سيادته في أقرب وقت ممكن.

كلمة السر في الوصول إلى تلك المرحلة، وهو ما اتضح في البيان الكويتي، أن الشروط المسبقة التي كانت موضوعة للحوار قد ألغيت تمامًا

الموقف ذاته تبنته طهران التي أعربت على لسان وزير خارجيتها محمد جواد ظريف ترحيبها بالتفاهمات التي أعلنتها الكويت بشأن المصالحة، مؤملا أن يسهم إنهاء الخلاف بين دول الخليج في استقرار المنطقة وتحقيق  التنمية السياسية والاقتصادية للجميع، مؤكدًا في الوقت ذاته على اعتماد سياسة إيران على الدبلوماسية وحسن الجوار والحوار الإقليمي.

أما ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة إن أنطونيو غوتيريش فأعرب عن أمله أن تعمل جميع أطراف الأزمة على حل خلافاتها رسميًا، مشددًا على أهمية ووحدة الخليج، معربًا عن تقديره الكامل للجهود الدبلوماسية المبذولة من أجل الوصول إلى هذه النقطة.

ما الذي تغير؟

ليست هذه هي المرة الأولى التي تصدر فيها تصريحات إيجابية بشأن الأزمة الخليجية، لكن أبرز ما يميزها أن الأجواء قبل تلك التصريحات وبعدها تشير إلى أن الوضع هذه المرة يختلف عما سبقه من جهود ومحاولات، فالمرونة السياسية من قبل أطراف النزاع وما رافقها من مؤشرات تقدمية وتكثيف للجهود الدبلوماسية تكللت بزيارتين في أقل من أسبوع، مايك بومبيو وجاريد كوشنر، كلها أمور تذهب في اتجاه آخر.

اللافت للنظر أيضًا أن هذه هي المرة الأولى التي تصدر فيها تصريحات دبلوماسية إيجابية من قبل قطر والسعودية بشأن أي مساعي للوساطة، فبعد ساعات قليلة من بيان الخارجية الكويتي كانت هناك ردود فعل مرحبة ومبشرة بشأن انفراجة في الأزمة، على عكس الصمت الذي كان يخيم على الأجواء حيال تصريحات أخرى مشابهة في السابق.

كلمة السر في الوصول إلى تلك المرحلة، وهو ما اتضح في البيان الكويتي، أن الشروط المسبقة التي كانت موضوعة للحوار قد ألغيت تمامًا، وعليه أصبحت كافة الأطراف متساوية ومحافظة في الوقت ذاته على مبدأ السيادة والاستقلالية، وهي نقطة الخلاف المحورية التي كانت تعرقل جولات الحوار السابقة.

من الواضح أنه بعد مرور 42 شهرًا على الأزمة، شهدت خلالها موجات متلاطمة من المد والجزر، استقر في يقين طرفي النزاعه أنه لا رابح من تلك المعركة التي بات يقينًا أن الكل فيها خاسر، حتى وإن توهم بنصر مؤقت، وعليه تخلى كل طرف عن شروط المسبقة ومواقفه المتعنته وصولا إلى هذه المرحلة، هذا مع استثناء الأطراف المتشبثة بمواقفها حتى الأن والتي لا ترغب في مصالحة من هذا النوع، ربما ترى فيها تهديدًا لنفوذها الإقليمي، وعلى رأسها الإمارات.

المستجدات الإقليمية التي شهدتها المنطقة على وجه الخصوص خلال الأونة الأخيرة بجانب الأخرى العالمية، كان له دور كبير في إعادة كل طرف في مواقفه السابقة حيال هذا الخلاف الذي أثر وبشكل كبير في وحدة وتماسك مجلس التعاون الخليجي، هذا في الوقت الذي تعزز فيه طهران من نفوذها، مستغلة هذا الشقاق لصالحها، وهو ما فطن إليه السعوديون مؤخرًا.

يبقى السؤال: هل تنجح الإمارات في الضغط على الجانب السعودي للتراجع عن التعاطي الإيجابي مع هذا الملف والمضي قدمًا في مسار المصالحة أم سيكون للملكة رأي أخر ينأى بها بعيدًا عن الخضوع لإملاءات أبناء زايد؟

هل انتهت الأزمة؟

بداية لابد من الإشارة إلى أن زيارة كوشنر ما كانت لتتم دون الحصول على ضوء أخضر سعودي ورغبة صريحة بتكليل جهود إدارة ترامب في هذا الملف بنجاح نسبي يمكن توظيفه مستقبلا، لكن في الوقت ذاته لا يمكن الجزم أن الاتفاق على إنهاء الخلاف بات امرًا محسومًا.

التطور الإيجابي في مسار الأزمة الذي كشفه البيان الكويتي يتمثل في وضع إطار للحوار بين الأطراف، وليس الاتفاق على خارطة طريق نهائية لإنهاء الخلاف، وهو ما يعني أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الوقت، والدخول في جولات جديدة من الحوار والتفاوض، لكن على أسس تحفظ السيادة وتتخلى عن الشروط المسبقة.

هناك سيناريوهين لمستقبل هذا الملف بعد النقلة النوعية التي شهدها، الأول يتعلق بحلحلة الأزمة في أقرب وقت قبل رحيل ترامب، كهدية من الممكن أن تقدمها المملكة لحليفها الأبرز، أما الثاني فيشير إلى تأجيل الرياض حسم هذا الملف (خاصة وأن أطراف أخرى في الأزمة لم تشارك في الحوار) حتى تولي إدارة جو بايدن الأمور، كـ "عربون" لكسب وده، وتقديم أوراق اعتماد جديدة تحسن من الصورة السيئة المستقرة في ذهن الديمقراطيين عن المملكة وسياساتها الخارجية، والتي تعززت بعد مقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، في الثاني من أكتوبر 2018.

السيناريو الثاني ربما يكون الأقرب لدى بعض المحللين، خاصة وأن خطاب الكراهية الذي زرعه الذباب الإلكتروني ضد قطر والقطريين على مدار السنوات الماضية من الصعب احتواءه بين يوم وليلة، إذ يحتاج إلى مقدمات ووقت كاف لدغدغة المشاعر السلبية التي  تعمقت في نفوس الشارع السعودي طيلة الأونة الماضية.

معضلة أخرى ربما تعرقل مساعي الحلحلة رغم النقطة الجيدة التي تم التوصل إليها، والمتعلقة بموقف أبو ظبي التي تستميت من أجل إفشال أي محاولات للتقارب مع الدوحة، حسبما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مصدر دبلوماسي، والذي ألمح إلى وجود تيار سياسي مؤثر في الإمارات يضغط وبقوة على الرياض لعدم قبول أي مقترحات للحل، والتجارب السابقة تكشف عن العديد من الجهود في هذا الشأن.

ويبقى السؤال: هل تنجح الإمارات في الضغط على الجانب السعودي للتراجع عن التعاطي الإيجابي مع هذا الملف والمضي قدمًا في مسار المصالحة أم سيكون للمملكة رأي أخر ينأى بها بعيدًا عن الخضوع لإملاءات أبناء زايد؟ هذا ما ستجيب عنه  استراتيجية الرياض خلال الأيام القادمة، ما بين ترجمة الأجواء الإيجابية المصاحبة لبيان الكويت إلى ممارسات وسياسات واقعية، أو النكوص عن موقفها والعودة للمربع صفر مرة أخرى.