اجتماع لوزراء خارجية دول الحصار في القاهرة (أرشيفية)

في الوقت الذي رحبت فيه السعودية وقطر ببيان الكويت بشأن الانفراجة الوشيكة في الأزمة الخليجية التزمت كل من مصر والإمارات والبحرين الصمت تجاه هذه المبادرة رغم أنهم ضمن الفريق الرباعي الذي قاطع الدوحة منذ 5 يونيو/حزيران 2017.

غياب رد فعل القاهرة على وجه التحديد إزاء هذا التطور في الأزمة المستمرة لقرابة ثلاث سنوات ونصف أثار الكثير من التكهنات داخل الشارع المصري حول موقع مصر من ملف المصالحة المحتملة، لاسيما وأن الانفراجة التي شهدتها الأزمة جاءت مفاجئة لكثير من المراقبين المصريين، فيما انحسرت مفاوضاتها، حسبما تم فهمه من ردود الفعل، في الرياض والدوحة فقط بعيدًا عن الأطراف الأخرى.

تزامنت تلك الأنباء التي أعقبت زيارة مستشار الرئيس دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر للسعودية وقطر، مع إجراء الرئيس الأمريكي، اتصالًا الخميس الماضي، بنظيره المصري عبد الفتاح السيسي، ما دفع بعض المحللين للربط بين الاتصال ومؤشرات التوصل إلى اتفاق بشأن الخلاف الخليجي.

وكان وزير الخارجية الكويتي، أحمد ناصر المحمد الصباح، قال في بيان رسمي، إن السعودية وقطر على استعداد لإنهاء الخلاف الممتد منذ أكثر من 3 سنوات، مشيرًا إلى أن "محادثات مثمرة" جرت مؤخرًا حول المصالحة الخليجية، موجهًا الشكر إلى كوشنر على النتائج المثمرة لحل القضية.

حالة من تباين الأراء خيمت على المشهد السياسي المصري بشأن الموقف الرسمي المحتمل حيال المبادرة الكويتية، بين فريق يرى الانضمام إلى الفلك السعودي في تخفيف التوتر وفتح صفحة جديدة وآخر يشير إلى التمسك بالموقف الراهن طالما لم تلتزم الدوحة بالمطالب السابقة.. فإلى أي الفريقين تميل القاهرة؟

تنسيق أم انفراد؟

رغم أن البيان الكويتي أشار إلى أن جميع الأطراف اتفقوا على إنهاء الخلاف إلا أن الأجواء – المعلنة ظاهرًا-  تشير إلى أن الأمر يتعلق بالرياض والدوحة وفقط، وهو ما دفع للتساؤل: هل تحركت السعودية منفردة في طي صفحة الخلاف الخليجي أم كان ذلك بالتنسيق مع بقية الدول الأخرى المشاركة لها في موقفها (الإمارات والبحرين ومصر)؟

عضو مجلس النواب المصري السابق، عماد جاد، يرى أن الموقف السعودي جاء بتحرك فردي وليس له علاقة بتوجهات الدول الأخرى، لافتًا في تصريحاته لـ "الحرة" إلى أن الموقف المصري الآن بعيد عن أجواء المصالحة وأن مطالب مصر "لم تؤخذ بعين الاعتبار، ويبدو أن الأمر كذلك بالنسبة للإمارات والبحرين"، مستبعدًا وجود تنسيق بين الرباعي في المصالحة الحالية.

وألمح البرلماني المصري إلى ضرورة التنسيق بين الرباعي في أي تفاهمات تجرى في هذا الملف، مرجحًا أن تكون الانفراجة الأخيرة تمت بشكل فردي دون مشاورة الأطراف الباقية، منوهًا إلى أن التصالح القطري مع السعودية بداية التفكيك لجبهة الدول الأربع، وهو ما يدفع قطر للتركيز على السعودية تحديدًا في تحركاتها الدبلوماسية في هذا الإطار، بحسب جاد.

وفي الجهة الأخرى يستبعد المحلل السياسي البحريني سعد راشد أن تتحرك السعودية في هذا الاتجاه بمفردها، لافتًا إلى وجود تنسيق قوي بين دول الرباعي، مفسرًا صمت مصر والإمارات والبحرين حيال البيان الكويتي بأن "الجانب القطري لم تظهر نوايا حقيقية للمصالحة".

وألمح إلى أن لكل دولة من الثلاثي الصامت مطالب تجاه الدوحة، وأن الأخيرة لم تقدم ما يطمئن تلك الدول، مرجحًا أن تعقد هذه العواصم مع الرياض اجتماعًا مصغرًا على مستوى وزراء الخارجية في القريب العاجل لبحث هذا الملف ومناقشة البيان الكويتي.

محددات القاهرة بين الأزمة والحصار

التحرك المصري تجاه قطر تحركه عدة محددات تتأرجح بين الأزمة والحصار، فالقاهرة جزء من الحصار، استجابة لمطالب الرياض وأبو ظبي، لاسيما وأن هذا الموقف قد استند إلى خلفية سياسية من الخصومة بين مصر وقطر بسبب تباين وجهات النظر حيال بعض الملفات منذ 2011 وحتى اليوم.

لكن وفي الجهة الأخرى فإن مصر ليست جزءًا من الأزمة الخليجية، وعليه فهي ليست طرفًا في تلك المعادلة، ورغم أنها شاركت في دعم موقف حلفاءها الخليجيين إلا أنها ليست ركنًا في هذا الخلاف، ومن ثم حين ارتأت السعودية (وهي أبرز أضلاع المربع المشارك في الأزمة) التصالح، كان ذلك بعيدًا عن القاهرة.

الخلافات المصرية القطرية أعمق من مسألة الحصار وأسبق من يونيو/حزيران 2017، فالخصومة بينهما بدأت مع ثورة يناير 2011، حين كانت الدوحة وقناة الجزيرة على رأس الكيانات التي دعمت إرادة الشعب المصري في حياة ديمقراطية مدنية يتخلص بها من عقود طويلة من الحكم الديكتاتوري.

وتعمقت الخصومة بعد اتهامات القاهرة المتواصلة للدوحة باستضافة العديد من عناصر جماعة الإخوان المسلمين وتيارات المعارضة المختلفة وفتح المنصات الإعلامية لها للهجوم على النظام المصري والتأثير في الرأي العام الداخلي، ثم جاءت الأزمة الخليجية ليجد فيها النظام المصري متنفسه للرد والانتقام، وعليه كان موقفه الرسمي هو المشاركة في الحصار رغم أن القاهرة ليست طرفًا في تلك الأزمة.

مأزق التبعية والاستقلال

البيان الكويتي والترحيب السعودي القطري وضع القاهرة في موقف صعب، ولم يبقى أمامها سوى سيناريوهين لا ثالث لهما، وكلاهما يحمل الكثير من المخاطرة، الأول يتعلق بالانصياع للموقف السعودي والمضي قدمًا في مسار المصالحة وتخفيف التوتر مع الدوحة.

لكن اللجوء إلى هذا السيناريو سيضع نظام السيسي في حرج شعبي كبير، حيث سيعكس صورة فجًة للتبعية المصرية للسعودية في إشعال الأزمة وإخمادها، وهو الأمر الذي من الصعب على النظام الحالي قبوله لاسيما في الوقت الراهن، في ظل الخلافات المتعددة بين القاهرة والرياض حيال الكثير من الملفات وإن لم تفرض نفسها على الساحة الإعلامية.

أما السيناريو الثاني فيتعلق بتمسك مصر بموقفها حيال الأزمة، واستمرار مقاطعتها لقطر دبلوماسيًا، كون هذا السيناريو يحفظ ماء الوجه للنظام ويعفيه من مأزق التبعية للرياض، بجانب أن الخلاف بين البلدين أعمق من مجرد أزمة يتم التراجع عنها، كما تم ذكره سابقًا.

وهنا سؤال آخر: ماذا لم رضخت الإمارات والبحرين للضغوط السعودية وانضمت لمسار المصالحة؟ ما تأثير ذلك على موقف القاهرة؟ بالطبع حال حدوث ذلك فإن تلك الدول لن تضغط على الجانب المصري لقبول عملية المصالحة، وسيكون الأمر متروكًا للقاهرة تقرره وفق أجنداتها الخاصة.

المشهد المصري يتميز بالسيولة النسبية والمرونة الكبيرة في التعاطي مع الملفات والأحداث، لاسيما وإن كان الخلاف سياسي يمكن التعامل معه وفق استراتيجية المد والجذر، ولذا فإن تخفيف التوتر بين القاهرة والدوحة ليس أمرًا مستبعدًا، لكن يتوقف ذلك على إرادة البلدين، فالتمسك المصري بشروطه التي تراها الدوحة انتهاكًا لسيادتها وتدخلًا في شؤونها الداخلية أمر يصعب معه الوصول إلى نقطة مشتركة (في الوقت الحالي على الأقل) يمكن الانطلاق منها إلى مرحلة جديدة من العلاقات الأقل توترًا، فهل تتراجع القاهرة عن تلك المطالب في مقابل تخفيف الجزيرة نبرتها حيال الشأن المصري؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة لاسيما في حال إنهاء الخلاف بين قطر والسعودية بشكل رسمي ولو على مراحل تدريجية.