على قدر ما يروّج الإماراتيون والسعوديون للتقارب الصلب وقدرته على تغيير ملامح التكتل الخليجي وقيادة النهضة في المنطقة على الصعيدين الدبلوماسي والاقتصادي، تتسع الشقوق بين البلدين لتصل إلى حد التصدعات، ما يجعل الحديث عن حلف استراتيجي بين الدولتين أمرًا نسبيًا ومغايرًا لواقع الحال أو للتطورات الإقليمية والدولية المستجدة.

على الرغم من أنّ قيادة البلدان الغنيان في منطقة الخليج العربي انخرطا ضمن جملة من التفاهمات على أكثر من جبهة كحرب في اليمن وحصار قطر والعداء لتركيا، وأقاما علاقات خاصة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ترتب عنها مشروع التطبيع ولو بصفة متفاوتة بينهما، إلاّ أنّ الفجوات بدت في اتساع بعد أن تعارضت الغايات وتضاربت المصالح، بيد أن عوامل القطيعة صارت أكثر وضوحًا من ذي قبل، خاصة بعد أن تبيّن أن تعاظم الأدوار الفاعلة للإمارات في القضايا السياسية والدبلوماسية والاقتصادية بتوظيفها محمد بن سلمان الطامح للوصول إلى الحكم على حساب المكانة التاريخية لبلاده، ما دفع السعوديين إلى التساؤل: من يقود من؟

 

الملف اليمني

تزعُّم البلدين للحرب في الجارة الجنوبية للرياض منذ 6 سنوات ضمن تحالف عربي أو (ناتو عربي) وتنسيقهما على مستوى الأمني والعسكري لم يخف منذ يومه الأول اختلاف الأجندات، فلإمارات كان أكثر همّها إحكام السيطرة على جنوب البلاد وتشجيع القوى الانفصالية على العودة إلى "دولة الجنوب"، وذلك للاستفادة من الموانئ والجزر اليمينية (سقطري).

تحقيق الإمارات لجزء من أجندتها وغايتها في اليمن دفعها إلى الإعلان مبكرًا (2019) انسحاب جزئي لقواتها من جون التشاور مع الرياض وهو ما أجج الخلافات الداخلية بينهما، خاصة أن المملكة تتوقع استمرار الحرب لسنوات كما يُمكن أن تطال شظياها العمق السعودي وقوة صناعتها (أرامكو)، وبالتالي فإنها ترى في الخطوة الإماراتية طعنة في ظهر "تحالف الإخوة".

كما دفعت تحركات الإمارات المريبة، المسؤولين والنشطاء السعوديين إلى توجيه انتقادات لاذعة واتهامات لجهاز الاستخبارات الإماراتي الذي تعمد، بحسب تقارير، تمرير معلومات للتحالف العربي تفيد بوجود مواقع لتنظيمات إرهابية ولكنها كانت في الواقع للجيش اليمني.

 

 جهود قيادتا البلدين في طي خلافاتهما وإبقائها داخل الغرف المغلقة فشلت وخرج التباعد إلى حد التنافر إلى العلن بدعم كل طرف منهما جهة يمنية ضمن استراتيجية "حرب الوكالة"، فـالحكومة "الشرعية" التي يقودها عبد ربه هادي التي جاهر بعدائه للإمارات تُصارع المجلس الانتقالي الجنوبي وميليشيات أخرى المدعومة من أبوظبي، ما يعني أنّ الحرب اليمنية أصبحت ساحة تنافس مفتوحة بين الإخوة في الظاهر أعداء في الباطن، حيث لم تنفع البروتوكولات ولا الاتفاقات "اتفاق الرياض" في تهدئة الوضع وإعادة الاستقرار.

كل هذه المعطيات تؤكد صحة التقارير التي كشفت أنّ الإمارات لم تكن متحمسة للمشاركة في قوات التحالف الذي تقوده السعودية ضمن عملية عاصفة الحزم، وأشارت حينها إلى أن الإمارات وبالرغم من مشاركتها بـ 30 طائرة مقاتلة، أي ثاني أكبر قوة جوية مشاركة، إلا أنها لم تكن تريد للرياض أن تنجح في اليمن، ودعمت تقديراتها بتصريح المستشار السياسي لولي عهد "أبو ظبي"، "عبد الخالق عبد الله"، لوكالة رويترز بأن عملية عاصفة الحزم لا تعدو سوى مغامرة سعودية.

الملف الإيراني

التهديد الإيراني هو أحد الملفات الأخرى التي تتباين فيها مواقف الدولتين الخليجيتين، فالظاهر يوحي بأنّهما مهتمتين بأمن واستقرار المنظومة الخليجية، إلا أنّها ينتهجان مقاربات متفاوتة ومختلفة من حيث الشدة والأدوات الدبلوماسية المعتمدة، فأبو ظبي بخلاف الرياض، لا تبدي عداءً مباشرًا لطهران وتُحاول أقصى جهدها الحفاظ على "شعرة معاوية" في علاقتها بإيران.

وتستقبل الإمارات على أرضها أكثر من نصف مليون إيراني مقيم يمتلكون ألاف المؤسسات والشركات، ومليارات الدولارات من التجارة المتبادلة، واتصالات دبلوماسية رفيعة المستوى لم تنقطع وقنوات تنسيق أمنية في الدائرة الخلفية، مكّنت أبو ظبي من تجاوز تهديدات الحوثي وجنبتها صواريخه وطائراته المسيّرة.

 

في مقابل ذلك، تعمل الرياض على الدفع بكل الوسائل والأدوات لاستهداف إيران سواء بالتهديد بنقل الحرب إلى داخلها أو التحريض دبلوماسيًا على برنامجيها النووي والصاروخي، وكذلك دورها الإقليمي "المزعزع للأمن والاستقرار" في المنطقة، إضافة إلى دعم شبه علني لحركات معارضة إيرانية انفصالية ومسلحة.

اختلاف المواقف بين الدولتين يكمن في المفارقة الكبيرة في تعاملهما مع الملف الإيراني، فأبو ظبي تسعى لتجاوز خلافاتها مع طهران وتعتمد مقاربة لينة رغم أن الأخيرة تحتل 3 جزر إماراتية، فيما تحاول إيران تنقية الأجواء مع المملكة السعودية وفتح قنوات تواصل وحوار، على اعتبار أن التقارب مع الرياض يفتح لها المجال الحيوي في الخليج العربي بأكمله.

الخلاف الخليجي

بعد تماهٍ كبير في السياسات الخارجية للسعودية والإمارات فيما يخص الخلاف الخليجي والحصار المفروض على قطر، يبدو أن المملكة حزمت أمرها لاستئناف العلاقة مع الدوحة وهي على أعتاب مصالحة جدية، وذلك بعد نجاح الوساطة الكويتية في تقريب وجهات النظر والجولة المثمرة لكبير مستشاري الرئيس الأمريكي جاريد كوشنير لحل النزاع دون انتظار بقية أطراف "الرباعي العربي".

 

مساعي الحل التي رحبت بها السعودية وقطر، من شأنها أن تحرّك المياه الراكدة بين الدولتين وإعادتها إلى مجاريها الطبيعية، ورغم أنّ الخطوة الأمريكية تهدف بالأساس ضمن جهودها لتطويق إيران وحرمانها من مبلغ 100 مليون دولار سنويًا، عائدات تحليق الطيران القطري في الأجواء الإيرانية، إلاّ أنّها ستؤثر على الرياض بأبو ظبي فالأولى ستحاول النأي بنفسها وسحب دعمها للإمارات في خصومتها مع قطر.

في الإطار ذاته، يُدلل الصمت الإماراتي، في وقت أعلنت عدد من الدول ترحيبها بخطوة التقارب السعودي القطري، على أن أبو ظبي غير راضية على خطوة المملكة إلا أنّها في نفس الوقت لا تقدر على معارضة مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لذلك من المنتظر أن تكون المصالحة ثنائية إلى حين تنقية الأجواء، وسيشمل التقارب بين الرياض والدوحة، في مرحلة أولى إعادة فتح الأجواء والحدود البرية، وإنهاء "الحرب الإعلامية"، وخطوات أخرى لبناء الثقة ضمن خطة مفصلة لاستعادة العلاقات تدريجيًا.

 

وتراهن قطر على التركيز في علاقتها بالرياض وبقدرة الأخيرة على إقناع شركائها لحل النزاع وفك الحصار المفروض عليها منذ يونيو 2017، من أجل تحييد الإمارات في مرحلة أولى ثم عزلها في مرحلة ثانية، كما تُدرك الدوحة أن نظام السيسي لا يملك من أمره شيئًا وأن احتضانها للعمالة المصرية وبعض الضغوط من الإدارة الأمريكية ستُغير حسابات القاهرة وتُعدل الكفة لصالحها.

تركيا

أمّا في الملف التركي، فهو أكثر تعقيدًا وتركيبًا تتداخل فيه الأبعاد الاقتصادية والسياسية وحتى الدبلوماسية، كما تختلف فيه وجهات النظر للدولتين الخليجيتين وفق منظورهما ورؤيتهما الاستراتيجية للتطورات الحاصلة في المنطقة، فأبو ظبي تتعامل مع الأتراك من خلفية سياسية صرفة، على اعتبار أن أنقرة الداعم الرئيسي لجارتها قطر وللإخوان لتمثيلهم الإسلام السياسي الصاعد للحكم في أكثر من دولة عربية، فيما تعمل الرياض على الحفاظ على ريادتها الخليجية المهددة.

فمنذ البدء، روّجت الإمارات إلى أن الدور التركي المتنامي في الإقليم، خطر يتقدم على التهديد الإيراني ويتوجب محاربته أولًا، ذلك بسبب أن أنقرة تحتفظ بعلاقة تحالف مع جماعة الإخوان المسلمين وممثلي الإسلام السياسي الصاعد في كل من تونس وليبيا وبعض الدول الأخرى، التي تنظر إليها أبو ظبي بوصفها تهديدًا داخليًا قد يقوض أركانها في وقت لاحق، وذلك فضلًا عن التحالف الذي توثقت عراه مع منافستها الدوحة بعد أزمة حصار.

ولئن شاطرت السعودية الإمارات الموقف ذاته، لاسيما بعد أن اشتدت حدة التوتر بين الرياض وأنقرة على خلفية اغتيال الصحافي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول، وما استتبعها من تراشق إعلامي وسياسي وحرب اتهامات متبادلة بين الجانبين، بل وصل إلى حد محاولة حصار تركيا اقتصاديًا من خلال عمليات استهدفت عملتها (الليرة)، أو سياسيًا كتحريك المسألة الكردية في شمال سوريا، إلاّ أنّ تعزيز الأتراك لدورهم الإقليمي والدولي (ليبيا)، أظهر أنّ التقارب الخليجي حول هذا الملف كان هشًا وغير صلب وأن الفجوة في المقاربتين في اتساع.

 

فك عرى الترابط بين الإمارات والسعودية في المسألة التركية مسألة وقت، فأنقرة تعلم جيدًا أنّ خلافها مع الرياض من النوع القابل للاحتواء رغم محاولات تعقيدها من خلال التجييش الإعلامي والترويج لحملات "المقاطعة الشعبية"، وأنّ المملكة بخلاف الإمارات، لم تسع لتقويض استقرارها الاقتصادي ولم تستهدف أمنها الداخلي بدعم محاولة انقلاب 2016، ولم تنخرط في الأزمة الليبية بشكل يقوض وجود أنقرة، كما لم تتورط في نزاع جنوب القوقاز دعمًا لأرمينيا على حساب أذربيجان.

ومن زاوية أخرى، فإن التقارب السعودي القطري أو قرب المصالحة الخليجية سيلقي بضلاله على علاقات المملكة مع أنقرة، وبالتالي فإنّ الجليد الذي غلّف العلاقات التركية السعودية خلال السنوات الفائتة، سيذوب وسيدفع الإمارات إلى مواجهة تركيا وحيدة دون سند من حليفتها.

الاقتصاد والطاقة

في الاقتصاد أيضًا يبدو أن العلاقات بين البلدين ليست في أحسن أحوالها، فالإمارات تحاول تجاوز جارتها السعودية والتمرد على إدارتها لمنظمة (أوبك +)، والمضي في تقرير حجم حصتها من الإنتاج بمعزل عن قرارات المجموعة الداعية إلى الاستمرار في خفض الإنتاج، ملوّحة بالانسحاب من عضوية منظمة (+OPEC)، وفق تقرير لـ"بلومبيرج".

بسبب الإحباط السعودي من الموقف الإماراتي، عرض وزير النفط السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان التنحي عن منصب نائب رئيس لجنة المراقبة الوزارية المشتركة في أوبك لصالح أبو ظبي لكن الأخيرة رفضت، ونقلت رويترز عن أحد المصادر أن الوزير السعودي مستاء للغاية، لكنه لن يخرج عن التوافق، ما يعني أن الخلاف غير المسبوق مرجح لمزيد من التوتر.

من جهة أخرى، فإن الحرب على اليمن تُخفي صراعًا وتنافسًا اقتصاديًا محمومًا بين البلدين، المنافسة الاقتصادية، فالإمارات تخشى من المشاريع السعودية في المنطقة، ومنها مدينة النور في عدن، ويتضمن بناء مدينة وجسر يربط بين اليمن وجيبوتي، أي بين قارتي آسيا وأفريقيا، مما يشكل ممرًا تجاريًا عالميًا هامًا، قد يؤثر على الدور الريادي الذي تلعبه الإمارات عبر ميناء دبي، وهو ما يشكل مصدر قلق للإمارات.

صراع البلدان لم يقف عند حد السواحل والممرات البحرية، فالنفط سيد المغريات، حيث تسعى السعودية للسيطرة على مدينة حضرموت وعلى حقل "واعد" النفطي الممتد من الجوف وحتى صحراء الربع الخالي، ويقع في معظمه ضمن الأراضي اليمنية، وهو عبارة عن بحيرة نفطية هي الأكبر في الجزيرة العربية (5.2 مليون برميل) تقع ما بين محافظات مأرب والجوف وحضرموت وشبوة وأبين، وتضم ثالث أكبر حقل نفطي في العالم.

وترى السعودية أنّه في حال سيطرت على المنطقة فبمقدورها زيادة إنتاجها النفطي، إضافة إلى السيطرة على الممر الاستراتيجي لعبور النفط إلى بحر العرب، وهو إقليم حضرموت الذي يمثل نصف المساحة الجغرافية لدولة اليمن و70% من منتجاتها السمكية والنفطية والمعدنية والزراعية وكذلك المائية (مشروع تحلية المياه)، وهو الأمر الذي تطمح إليه الإمارات التي تمركزت قواتها في الجنوب.

 

المنافسة بين الدولتين وصل إلى القرن الإفريقي ما جعل الأخيرة حلبة جديدة للتنافس وبناء التحالفات، خصوصًا وأن المنطقة مرشح لنمو اقتصادي كبير خلال الجيل القادم، وبالنظر إلى مواردها المالية الكبيرة، فإن دول الخليج ترى أمامها فرصة لتعديل المشهد الاقتصادي والسياسي لحوض البحر الأحمر لصالحها، لدلك فهي تعمل على توسيع وجودها المادي والسياسي لإقامة شراكات جديدة محاصرة منافسيها على النفوذ.

من جهة ثانية، دفعت الحرب في اليمن كل السعودية والإمارات إلى التسابق من أجل الحصول مراكز نفوذ وإقامة القواعد العسكرية على البحر الأحمر تمهيدًا للمناورة على تحصيل مواقع اقتصادية وسياسية متميزة في الممر البحري، والمنافسة تكمن أيضًا في الاستحواذ على موانئ القرن الإفريقي غير الناشطة، وكذلك التحكم في أسواق الطاقة والاستهلاك على اعتبار أنّها بوابة التوسع الاقتصادي نحو القارة الإفريقية.

الخلافات الإماراتية السعودية تجاوزت هذه الملفات بأشواط، ويبدو أن الإمارات تسعى إلى تجاوز حلفها الثنائي مع الرياض بتأسيس نواة لحلف آخر متناسقًا مع المتغيرات الإقليمية ويكون عجلة خامسة في حال فشلت مساعيها في رأب صدع العلاقات مع السعوديين، وهو ما كشفته أعمال القمة الثلاثية التي جمعت أبو ظبي بالأردن والبحرين والتي أثارت العديد من علامات الاستفهام نظرًا للتعتيم الإعلامي الشديد على مخرجاته وغياب أهم دولتين في المنطقة مثل مصر والسعودية.

ويرى مراقبون أنّ القمة التي ناقشت التطورات الإقليمية والدولية والقضية الفلسطينية، تؤكد مساعي تكوين حلف جديد لا يضم الرياض، وأنّ الخطوة لن تخرج عن إطار "طبخة جديدة" يعدها الإماراتيون ستكشف تفاصيلها في الأيام المقبلة القليلة.

بالمحصلة، يبدو أن الخليج العربي مقبل على تغييرات جيواستراتيجية قد تعيد رسم خارطة التحالفات الإقليمية بعيدة عن شعار "التعاون"، فكل المؤشرات توحي بإمكانية انفراط العقد الخليجي وسقوط شعار "معًا أبدًا في العزم والحزم" في ظل ميل كل دولة نحو معسكر يحفظ لها مصالحها ويدرأ عنها المخاطر التي تُهددها، فقطر وجدت في تركيا حليفًا استراتيجيًا موثوقًا، فيما مالت الإمارات إلى الاحتلال الإسرائيلي للتخلص من المظلة السعودية ولمواجهة تمدد النفوذ الإيراني التركي، أمّا المملكة فهي رهينة جرد حساباتها في اليمن وعودتها للمقاربة الكلاسيكية القائمة على دبلوماسية الحج.