بدأت أبو ظبي نسبيًا في جني ثمار سياسة الضرب تحت الحزام العربي وتخليها عن ثوابت الأمة وقضاياها بعد تطبيعها الكامل مع الاحتلال الصهيوني ضمن اتفاق "إبراهام" الذي شرّع أبواب التعاون اقتصادي في أكثر من مجال، فبخلاف السياحة والزراعة والطاقة والتجارة، يبدو أن التقارب الإماراتي الإسرائيلي سيدفع باتجاه التنسيق العسكري الشامل بين الجانبين خاصة بعد أن باتت الدولة الخليجية على مرمى حجر من صفقة سلاح قد تُدخلها إلى نادي القوى الجوية في المنطقة.

صفقة تاريخية

بعد محاولة لمنع عقد صفقة كبرى للأسلحة بين الولايات المتحدة والإمارات تعد ثاني أكبر عملية بيع طائرات مقاتلة وأخرى مسيرة لدولة واحدة، ولم يحصل مشروعا القانونين اللذين قُدّما من قبل السيناتور بوب مننديز، على الأغلبية البسيطة الضرورية في مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه معسكر ترمب، وتم التصويت برفض قرار منع صفقة بيع طائرات ريبر (Reaper) المسيرة و 50 مقاتلة نوع إف-35 (F-35) إلى الإمارات، في تصويتين الأول بـ50 مقابل 46 والثاني 49 مقابل 47.

 

فشل المجلس الأمريكي في الوقوف ضد الصفقة التي يُروّج لها البيت الأبيض منذ مدة، يعود إلى الضغط الذي يُمارسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل شهر عن موعد تسليمه الحكم لخليفته جو بايدن، والذي أعلن في وقت سابق أنّه سيلجأ إلى استخدام حق النقض (الفيتو) في حال عرقل الكونغرس صفقة الأسلحة، التي تقدر قيمتها بـ23 مليار دولار مع الإمارات.

حزمة العتاد المتطورة التي تنوي الولايات المتحدة الأمريكية بيعها إلى أبو ظبي تشمل نحو 50 طائرة إف-35 لايتنينج 2 وما يصل إلى 18 طائرة مسيرة إم.كيو-9بي ومجموعة من الذخائر جو-جو وجو-أرض، وهي ثاني أكبر عملية بيع طائرات مسيرة أميركية لدولة واحدة.

وكانت الامارات أعلنت منذ وقت طويل رغبتها توقيع الصفقة وشراء هذه المقاتلات والطائرات المسيرة، إلاّ أن الاحتلال الإسرائيلي أبدى رفضه للخطوة حفاظًا على تفوقه التكنولوجي، غير أنّ اتفاق التطبيع بين تل أبيب وأبو ظبي برعاية أمريكية في 15 أيلول/سبتمبر، أعطى ضمانات للدولة العبرية من أجل الموافقة، ويرجح مراقبون أن إصرار الإمارات في الحصول على المقاتلات الأمريكية يعود إلى رغبتها في التوسع إقليميًا وإلى فشلها في حرب اليمن.

 

هدية وشروط

ليس من السهل موافقة الاحتلال الإسرائيلي على صفقة بهذا الحجم بين الولايات المتحدة الأمريكية ودولة عربية، خاصة وأنّ نوعية السلاح المتطور المتمثل في مقاتلة إف 35 ممنوع على منطقة الشرق الأوسط خصوصًا (أمن الاحتلال) والعرب عمومًا لشروط وضعتها واشنطن مسبقًا، ولكن تل أبيب وافقت، رغم التقارير الإعلامية التي تروّج لغير ذلك، على منح أبو ظبي الأفضلية على الحصول على أسلحة متقدمة تكنولوجيًا ورائدة تكتيكيًا لعدة أسباب منها رد الجميل لأبو ظبي التي فكت عزلتها وكسرت جدران المقاطعة من خلال التطبيع الكامل والشامل للعلاقات ومساهمتها في انخراط دول أخرى في هذا المسار.

كما أنّ الصفقة الأمريكية الإماراتية تأتي قبل أيام من حزم دونالد ترامب حقائبه لمغادرة البيت الأبيض وهي ضمن خططه الرئيسية الهادفة إلى مزيد من فرض حصار على طهران واستباق أي مساعي لخليفته جو بايدن لإذكاء رماد الاتفاق النووي الموقع في عام 2015 وإعادة المفاوضات، وهي خطوة تتقاطع معها مصالح الاحتلال الإسرائيلي كما أشار إلى ذلك السفير الإماراتي يوسف العتيبة في تغريدة على تويتر: "الإمارات العربية المتحدة تقدر بعمق اعتبارات جميع السيناتورات في تصويت اليوم، إن استمرار الدعم الأمريكي يمكن الإمارات من تحمل عبء أكبر على أمننا الجماعي، أمننا وأمنكم وأمن شركائنا".

 

وفي سياق ذي صلة، كان السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة رون ديرمر، صرّح في وقت سابق، أن تل أبيب "تعتقد أن الإمارات حليفة في مواجهة إيران، ولا تعتقد أن مبيعات الأسلحة المقترحة للدولة العربية ستخالف التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على تفوق "إسرائيل" العسكري النوعي".

ديرمر أضاف أيضًا: "ما يبقيني مستيقظًا في الليل ليس في الواقع بيع F-35 المقترح للإمارات. ما يبقيني مستيقظاً هو فكرة عودة شخص ما إلى الاتفاق النووي مع إيران".

أمّا فيما يخص شروط تل أبيب للموافقة على الصفقة، فقد كشفت مصادر رسمية للاحتلال في وقت سابق إن القيادة الإسرائيلية تبحث الحصول على تعويض أمني من الولايات المتحدة الأميركية مقابل القبول ببيع واشنطن طائرات مقاتلة من نوع "إف-35" إلى دولة الإمارات، وهو أمر وافقت عليه واشنطن التي أعلنت على لسان وزير خارجيتها مايكل بومبيو أن أمن الاحتلال خط أحمر وأنّ الصفقة لن تخل بالتزام الولايات المتحدة بضمان تفوقها النوعي، جوًا وبحرًا وبرًا، وفي مجال الأمن المعلوماتي.

ومن بين الشروط التي وضعها الاحتلال مقابل استكمال الولايات المتحدة الأمريكية الصفقة مع الإمارات:

  • التسريع في المشتريات الإسرائيلية العسكرية التي أقرت بموجب اتفاقيات المساعدة الدفاعية الأميركية لـ"إسرائيل"، والتي تشمل طائرات ومقاتلات F-35 وطائرات خاصة بتزويدها بالوقود.
  • استبدال الذخائر والصواريخ التي تمتلكها "إسرائيل" بذخائر دقيقة التوجيه.
  • تعزيز التبادل في المعلومات الاستخباراتية، وخفض تصنيف حساسية بعض المعلومات، وتعزيز قدرات "إسرائيل" فيما يتعلق بالإنذار المبكر.
  • وضع خطط للبحث والتطوير للجيل المقبل من تقنيات الدفاع التي تستخدم سرعة الصوت والذكاء الاصطناعي والمعدات المسيرة عن بعد.
  • لضخامة التحديات والتهديدات في منطقة الشرق الأوسط، على "إسرائيل" والولايات المتحدة البدء بالتحضير لمذكرة التفاهم المتعلقة بالتفوق العسكري لـ"إسرائيل" والتي ستبدأ في 2028.

تسليح أكثر.. تبعية أكبر

عمليًا، أبواب التطبيع التي ولجتها الإمارات دون تنسيق عربي ولغاية توسيع نفوذها في المنطقة دبلوماسيًا وعسكريًا، سيدفع بها بالضرورة إلى نادي أصدقاء إسرائيل الذين لا يشكلون لها أي تهديد، بل ستشد تل أبيب عضدها بهم وستستعملهم في تمرير أجنداتها في منطقة الشرق الأوسط وستمكنها من فرض تحولات جيواستراتيجية تخدم لصالحها.

من هذه الزاوية، يُمكن القول إن التقارب الإماراتي الإسرائيلي ليس وليد اللحظة، بل هو مسار متكامل من المفاوضات واللقاءات التحضيرية السرية التي دامت سنوات، وبالتالي فتل أبيب تُدرك جيدًا طموح حكام الدولة الخليجية في السيطرة على المنطقة ومحاولتهم لتقويض الدور التاريخي للسعودية ومصر، وما صفقات السلاح سوى أداة من أدوات الاحتلال للسيطرة والتحكم وفق مبدأ تسليح أكثر تبعية أكبر.

الصفقة المرتقبة ستجعل الاحتلال رابح من الجانبين، فإضافة إلى ما ستجنيه تل أبيب من الولايات المتحدة بدافع الحفاظ على تفوقها العسكري في المنطقة، فمن المنتظر أن لا تتسلم الإمارات الدفعة الأولى من الأسلحة قبل 2024 هذا في حال تم المضي قدمًا فيها، وبالتالي فإن دعوات الإمارات بسرعة التسليم سيُقابله تباطؤ من الشركات الأمريكية (لوكهيد) نظرًا لضغوط الطلب وجدول الإنتاج، الأمر الذي سيدفع الإماراتيين للتوجه صوب إسرائيل لدرء تهديدها الإيرانيين لبحث البدائل الممكنة.

من غير المستبعد أن تتجه أبو ظبي لعقد شراكات واتفاقات عسكرية مع الاحتلال تحصل بموجبها على طائرات إف- 35 من سلاح الجو الإسرائيلي، في حال تأخر الأمريكيين، وسيشمل التعاون  تدريب الطيارين والمهندسين الإماراتيين في إسرائيل وأطقم إدارة أنظمة الدفاع الجوي، وكذلك الأطقم العسكرية في الأسلحة المختلفة، وتوفير الصيانة وقطع الغيار، وإمدادات الذخيرة، والتطوير التكنولوجي بعقود منفصلة عن عقد الشراء من الولايات المتحدة.

الإمارات تعاملت سابقًا مع الاحتلال الإسرائيلي في مجال استيراد الأسلحة وكذلك تقنيات التجسس المتطورة (نظام عين الصقر)، ما يعني فكرة الإسراع ببناء محور عسكري إماراتي – إسرائيلي لإظهار القوة أمر لن يعسر على حكام الدولة الخليجية.

من جهة أخرى، يمكن للاحتلال من خلال هذه الصفقة، تطوير قدراتهم العسكرية في المنطقة من خلال التدريب المشترك والأهم من ذلك، قد يُمكنهم التقارب مع الإمارات على كسب مجالات جديدة للتجسس على دول المنطقة وخاصة تركيا وإيران والأخيرة هي الهدف الأساسي من وراء هذا التعاون.

الصفقة.. وجهي واشنطن

قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعقد صفقة التسليح مع الجانب الإماراتي أثارت كثيرًا من ردود الأفعال، فإلى جانب الأصوات المنادية بضرورة الحفاظ على أسبقية "إسرائيل" العسكرية في المنطقة، أبدى أعضاء في مجلس الشيوخ معارضتهم للخطوة بسبب العمليات العسكرية لأبو ظبي في أكثر من منطقة، فهي تشارك السعودية في حربها على اليمن وكذلك في النزاع الليبي، حيث أعرب مينينديز صراحة عن قلقه إزاء اكتشاف شحنات أسلحة إماراتية إلى ليبيا التي تمزقها الحرب والخاضعة لحظر أسلحة تفرضه الأمم المتحدة.

بدوره تساءل السناتور راند بول، حول ما إذا كان إلقاء تكنولوجيا عسكرية متقدمة في المنطقة هو في الواقع يشجع العلاقات السلمية، مضيفًا "هل تتحمل الولايات المتحدة المسؤولية إذا أساءت الإمارات استخدام هذه الأسلحة المتطورة للغاية؟". أضاف: "هل يمكننا الوثوق بأن أشخاصا شاركوا في حملة قصف لمدنيين في اليمن، سيتصرفون بحكمة أكبر في المستقبل؟".

من هذا الجانب، يُمكن القول إن قرار ترامب يوحي بتضارب سياسة البيت الأبيض وتناقضها المفضوح، فهي الكثير من نقاط الاستفهام، فهي المرة الأولى (سابقة) التي يتم فيها بيع إف-35 لدولة غير "إسرائيل" في الشرق الأوسط والمعلوم أن البيت الأبيض أقر قوانين الأفضلية العسكرية للاحتلال في المنطقة.

من جهة أخرى، فإن أمريكا كانت ترفض عقد صفقات مع دول تربطها علاقات عسكرية مع الصين وروسيا التي تعتبرهما منافسين رئيسيين في سوق السلاح، والحال أنّ للإمارات علاقات العسكرية مع روسيا والصين، ما دفعها في وقت سابق إلى إعلان توجسها الكبير خاصة بعد تقارير أكّدت استخدام أبو ظبي لطائرات دون طيار صينية في ليبيا وكذلك لعلاقتها مع مرتزقة فاغنر الروسية.

التخوف من تسرب التكنولوجيا العسكرية الحساسة المستخدمة في الجيل الخامس من الطائرات الشبحية إلى موسكو وبكين، كان تعلة الأمريكيين في رفضهم صفقة مماثلة مع تركيا تشمل مقاتلات إف 35، وكذلك الأمر بالنسبة لمنظومة باتريوت الصاروخية، على خلفية شراء أنقرة للنظام الدفاعي الروسي إس -400 وتخوفها من كشف نقاط ضعف طائراتها من قبل الروس.

ويبدو أنّ واشنطن تنظر للأشياء بوجهين مختلفتين، تبيع أجود أسلحتها للإمارات التي ترتبط بشراكة أمنية يُمكن وصفها بأنّها أعمق وأكثر تطورًا من شراكة موسكو مع أنقرة حليفها الاستراتيجي في المنطقة والعضو الرئيس في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فهل ستقدم واشنطن على نفس الخطوة مع الدوحة التي أعلنت صراحة رغبتها في الحصول على مقاتلة إف 35؟

بالمحصلة، يُمكن القول إن نجاح الإمارات في عقد صفقة سلاح بهذا الحجم في الأيام الأخيرة لعهدة الرئيس دونالد ترامب، لا يُحسب لدبلوماسية أبو ظبي المنفتحة على كل الأدوات الشرعية وغير الشرعية من أجل تمديد نفوذها في المنطقة على حساب القوى التقليديةـ، بقدر ما يُحسب للاحتلال الذي استخدم الرئيس الأمريكي في تنفيذ أجندته والحصول على كل الأوراق التي تتحكم في لعبة التوازنات الإقليمية.