بعد أشهر من الإعلان عنه، أطلقت شركة نتفلكس للإنتاج السينمائي فيلم الموصل في الـ 26 من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي الذي يحكي جزءا من معركة الموصل التي حدثت بين عامي 2016 و2017 لتحرير المدينة من سيطرة تنظيم الدولة (داعش) الذي أحكم قبضته على المدينة في 10 حزيران/ يونيو 2014. 

ومع انطلاق الفيلم الذي جاء بـ 90 دقيقة، وجّه الكثير من النقاد والسينمائيين نقدا للفيلم وللسيناريو وللإخراج معللين ذلك بانه كان بعيدا عن الواقع الذي جرى في الموصل، إلا أن لصناع الفيلم ولمنتجيه رأي آخر. 

سيناريو الفيلم

يقول منتج الفيلم العراقي "محمد الدراجي" إن الفيلم يعد سابقة في صناعة السينما الأمريكية (هوليوود) إذ أنه أول فيلم يصوّر بالكامل باللغة العربية وباللهجة العراقية على وجه التحديد، فضلا عن أنه يعد أول فيلم يصور الشخص العربي على أنه بطل حرب ولا يظهره بدور الإرهابي أو المجرم، إضافة إلى أن انتاج فيلم ضخم يحمل اسم الموصل يعد انجازا كبيرا للعراقيين، حيث أنتجته شركات عالمية، ما وضع اسم العراق ضمن خارطة الإنتاج السينمائي العالمي. 

أما عن سيناريو الفيلم، فيؤكد الدراجي أن الفيلم الذي جاء بـ 90 دقيقة فقط لا يستيطع أن ينقل الصورة الكاملة لما حدث من حرب عنيفة في الموصل استمرت أشهرا، وبالتالي جاء الفيلم ليحاكي قصة مجموعة من المقاتلين العراقيين من القوات الخاصة لشرطة محافظة نينوى (سوات). 

وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت للفيلم، فإن الدراجي أكد أن أحداث الفيلم الذي كلف إنتاجه أكثر من 15 مليون دولار روى قصة 3 ساعات لمحاربة هؤلاء المقاتلين تنظيم داعش في 5 شوارع فقط في المدينة القديمة للموصل، ما عكس بطولة العراقيين واستبسالهم لأجل تحرير مدينتهم.

ط

عباس عبدالغني مدرب اللهجة العراقية في كواليس الفيلم

انتقادات لاذعة

انتقادات كثيرة وموضوعية تلك التي وجهها نقاد سينمائيون لفيلم الموصل، إذ يقول الناقد السينمائي العراقي "علاء المفرجي" في حديثه لـ "نون بوست" إن الفيلم فيه الكثير من الثغرات التي أوصلت فكرة مغايرة لحقيقة معركة الموصل، ومنها أن القوات العراقية التي حررت المدينة لم تكن قوات سوات نينوى التي لم تشارك في القتال داخل أزقة الموصل القديمة، فضلًا عن أن جميع القوات العراقية المشاركة في حرب الموصل لم تكن موكلة بتحرير أسر وعائلات منتسبيها، مضيفًا أن المقاتلين الذين ظهروا في الفيلم كانوا يتجولون في الموصل القديمة دون قيادة عسكرية، حيث أظهر الفيلم تمردهم على القيادة ما عكس للمشاهدين عشوائية معركة الموصل. 

أما السينيارست العراقي "صلاح منسي" فانتقد الفيلم في السيناريو الذي جاء به والذي وصفه بانه كان وفق منهجية كتابة السيناريو للأفلام الأمريكية والغربية، مشيرا إلى إقحام القصة العراقية في معركة الموصل عنوة، الأمر الذي أفقد الفيلم الروحية العراقية.

ويعلق منسي في حديثه لـ "نون بوست" بأن أسلوب الطرح والحديث والمخاطبات بين الممثلين خلال أحداث الفيلم كانت بالطريقة الغربية التي افتقرت للسردية العراقية من حيث حدة الطباع وأسلوب عرض المشكلة وتعقيدها وحلها خلال المعركة، وهو ما تجلى في غياب روحية الضابط العراقي التي لم تكن حاضرة في الممثل "سهيل دباج" الذي مثل آمر القوة في الفيلم والتي جاءت بشخصية "الرائد جاسم".

ويمضي منسي في انتقاده للفيلم في حيثية أخرى وصفها بغير المنطقية، إذ أن أحد مشاهد الفيلم صوّر مجموعة المقاتلين وهم في منزل خلال استراحة لهم وهم يتابعون مسلسلًا خليجيًا على شاشة تلفاز في أحد البيوت المهجورة، مؤكدًا أن السيناريو كان خاطئًا في أن العراقيين لا يميلون للدراما الخليجية، فضلًا عن استغرابه من تصوير مشهد بهذا الشكل في ظل وضع مدينة الموصل التي يعلم الجميع أنها كانت بلا كهرباء، وأن تنظيم داعش منع الموصليين من متابعة القنوات الفضائية وصادر أجهزة استقبال البث الفضائي المعروفة عراقيًا بـ(الستلايت) عقب سيطرته على المدينة.

فيلم الموصل

اللهجة العراقية

ليس هذا فحسب، إذ انتقد كثير من العراقيين من فنانين ومتابعين اللهجة العراقية التي جاء بها الفيلم والتي وصفوها بالغريبة، ما استدعى كثيرا من العراقيين استخدام الترجمة لفهمها، وهو ما يعزوه أحد صناع الفيلم ومدرب اللهجة العراقية فيه الدكتور "عباس عبد الغني" في أن صناع الفيلم ومخرجه بذلوا ما بوسعهم للمجيء بالممثلين العراقيين الى الممكلة المغربية حيث جرى تصوير الفيلم، إلا أن ضعف الجواز العراقي ومنع المغرب العراقيين من الدخول للملكة منذ عام 2016 حال دون ذلك.

ويضيف عبد الغني لـ "نون بوست" أن ذلك اضطر المخرج والمنتجين إلى الاستعانة بممثلين أردنيين وفلسطينيين ومن المغرب العربي، لافتًا إلى أن اللهجة العراقية صعبة النطق على غير العراقيين، ما أظهر اللهجة غير واضحة للبعض، بحسبه. 

ويستطرد عبد الغني في حديثه ليشير إلى أنه استغرق أسابيع في تدريب الممثلين على اللهجة العراقية، وأنه استغرق أسبوعين كاملين بمعدل 10 ساعات يوميًا لتدريب الممثل التونسي الذي مثّل دور المقاتل الكردي "كاوه"، لافتًا إلى أن الممثل العراقي "سهيل دباج" الذي مثل دور الرائد جاسم في الفيلم استطاع دخول المغرب بجوازه الأمريكي، لافتًا إلى أن الممثل العراقي جواد الشكرجي وعلى الرغم من إصرار مخرج الفيلم على مشاركته، إلا أنه لم يحصل على تأشيرة دخول للمغرب.

وهو ما يؤكده منتج الفيلم "محمد الدراجي" من أن منتجي الفيلم اختاروا العديد من الممثلين العراقيين، وعملوا على تدريبهم وكانت الاختيارات جيدة، إلا أن مشكلة تأشيرات الدخول أدت إلى عدم حصول العراقيين على فرصة الدخول للمغرب، ما أدى للاستعاضة بآخرين، وكان الرفض المغربي نتيجة مخاوف أمنية من العراقيين، بحسبه. 

الدراجي أوضح أن اللهجة العراقية كانت حاضرة في الفيلم، وتنوعت بين البغدادية والجنوبية والمصلاوية والكردية، مؤكدًا أنهم بذولوا المستحيل لإخراج الفيلم من حيث اللهجة بهذا الشكل.

م

من كواليس الفيلم

انتقادات اجتماعية

المخرج الموصلي "علي عمر" يرى أن الفيلم كان تجاريا، ولم ينجح في إيصال حقيقة ما حصل في الموصل، لافتا إلى أن المشاهد العراقي لم ير هوية الموصل في الفيلم، وكان يمكن تسمية الفيلم بأسماء مدن كثيرة سيطر عليها التنظيم مثل مدينة الرقة السورية وسرت الليبية وغيرها.

وعن الإخراج وما فيه من مؤشرات، يشير عمر إلى أن الفيلم احتوى كثيرا من الأخطاء الإخراجية، حيث أنه صوّر الشرطي كاوه وزميله وهما يحاولان القبض على متاجرين بالمخدرات خلال المعركة، متسائلًا كيف يمكن لقوات أمنية أن تبحث عن المخدرات في خضم معركة ضروس! وهو ما يعزوه إلى أن المخرج ماثيو كرانهام كان في تجربته الإخراجية الأولى، وهو ما تسبب بهذه الإشكالات التي وصف بعضها بالساذجة، بحسبه. 

ويضيف عمر أن المخرج أقحم بعض المشاهد التي لم تكن منطقية، كما في مشهد محاولة أبطال الفيلم الوصول لمقر تنظيم داعش، حيث ظهرت لقطات فيها طفل جالس على مقعد خشبي دون اكتراث بأصوات الرصاص والمعارك، مشيرًا إلى ان المشهد كان إقحامًا لا طائل منه. 

وبالعودة إلى كاتب السينيارست صلاح منسي، حيث يؤكد أن الأعراف المجتمعية العراقية غابت عن الفيلم وظهرت بصورة مغايرة، مشيرا إلى المشاهد الأخيرة من الفيلم، عندما نجح أحد المقاتلين في الوصول لمنزله حيث زوجته وابنته واحتضانه لهما أمام زملائه الجالسين في ذات الغرفة، مشيرا إلى أن العرف المجتعي العراقي يرفض مثل ذلك، وكان يتوجب على المخرج أن يوعز للممثلين بالخروج من الغرفة لإتاحة الفرصة للمقاتل وزوجته بالحديث عما جرى وأنها حبلى بطفل من مقاتل في التنظيم. 

كثيرة هي الملاحظات على فيلم الموصل التي لاحظها موصليون من ذات المنطقة التي تناولها الفيلم، مثل أن المدينة القديمة في الموصل تمتاز ببيوتاتها الضيقة الشرقية البناء والتي تتكون من فناء وسطي تتمحور حوله بقية أجزاء البيت وهو ما لم يظهر في الفيلم. 

كما أن سياق الفيلم أظهر العربات العسكرية (الهمفي) وهي تتجول داخل المدينة القديمة ذهابًا وإيابًا، إلا أن الواقع أن مدينة الموصل القديمة تتصف بضيق أزقتها وصعوبة مرور السيارات الصغيرة فيها فكيف بعربات عسكرية، فضلًا عن أن معركة تحرير الموصل القديمة كانت تتم من زقاق إلى آخر وأن عمليات التحرير كانت من بيت إلى آخر، وهو ما أخفق مخرج الفيلم في استنساخه.

ي

عباس عبدالغني مدرب اللهجة العراقية في كواليس الفيلم

نجاح ملحوظ

على الرغم من كم الانتقادات التي واجهت فيلم الموصل، غير أن ذلك لا يخفي النجاحات التي حققها والتي تمثلت بحسب منتجه العراقي "محمد الدراجي" أنه كان اختراقا للسينما العالمية ووضع السينما العراقية ضمن الخارطة التجارية للأفلام. 

وعلى الرغم من المآخذ التي أشار إليها الناقد السينمائي علاء المفرجي إلا أنه يرى في حديثه لـ "نون بوست" أن مفاتيح كثيرة للنجاح توفرت للفيلم، حيث أنه أنتج بمشاركة الأخوين (روسو) اللذين يعدان من أكثر الأسماء شهرة في صناعة السينما في هولييود، خاصة أنهما أنتجا فيلم (المنتقمون - نهاية اللعبة) الحائز على عائدات قياسية في شباك التذاكر الأمريكية، مؤكدا أن السينما الأمريكية خرجت هذه المرة من الصورة النمطية التي كانت تصور العرب والعراقيين على أنهم متوحشون.

أما مدرب اللهجة العراقية في الفيلم المنحدر من مدينة الموصل والمقيم في المغرب منذ 10 سنوات، فيؤكد أن الفيلم كان عراقيًا بامتياز، وأنه من خلال تواجده ضمن طاقم إنتاج الفيلم فإنه حاول إضفاء الكثير من المؤشرات التي توحي لمدينة الموصل، كما في ظهور الكتابات على جدران البيوت في الفيلم، فضلًا عن ترقيم البيوت وفق الأسلوب العراقي واستخدام بعض العبارات على الجدران التي كان التنظيم يستخدمها في جرد بيوت الموصليين. 

ويضيف عبد الغني أن طواقم الفيلم كانت من الأفضل على مستوى العالم، خاصة ما يتعلق بالإنتاج والمؤثرات البصرية والتصوير، مشيرًا إلى أن مدير تصوير الفيلم "مار فيور" سبق له أن حاز على جائزة الأوسكار كمدير تصوير للفيلم الشهير (أفاتار).

وعلى الرغم مما قيل عن الفيلم، إلا أن العراقيين عامة والموصليين على وجه التحديد تابعوا الفيلم الذي حمل اسم مدينتهم التي وصلت أخبارها العالم قبل وبعد الفيلم، ما عدُّوه فرصة حقيقة لمدينتهم قد تحمل أفلاما أخرى لتحويل ما شهدته المدينة خلال السنوات الأخيرة إلى أفلام تعرض في دور السينما العالمية. 

أما منتج الفيلم "محمد الدراجي" فيرى أنه كان من الحلم أن ينتج فيلم عالمي باللهجة العراقية، مؤكدًا أن المجازفة كانت كبيرة جدًا خاصة في السينما الأمريكية، كاشفًا عن أنه وقبل جائحة كورونا، كان المنتجون قد وضعوا خطة كبيرة للتوزيع السينمائي حول العالم، إلا أن الجائحة اضطرتهم للتعامل مع شبكة نتفلكس، واصفا الخطوة بالجيدة.

وفي ختام حديثه لـ "نون بوست" أشار الدراجي إلى أن بعض الشبكات المحلية في العراق سرقت الحقوق الملكية للفيلم وبثته على شبكات أفلام محلية كـ (سينمانا) ما تسبب بإيقاف عمل قادم عن العراق في شبكة نتفلكس، مؤكدًا أن وزارة الثقافة العراقية لم تحم حقوق بث الفيلم ما تسبب بإشكاليات كبيرة للمنتجين والموزعين.