جاءت القمة الخليجية التي عقدت في العُلا السعودية في 5 من يناير/كانون الثاني 2021، لتطوي الصفحة الأخيرة من الخلافات الخليجية بين قطر من جهة والسعودية من جهة أخرى، ولتضع حجر أساس في بناء علاقات جديدة بين مكونات العائلة الخليجية، ورغم توقيع كل أطراف البيت الخليجي على البيان الختامي للقمة، فإن الحديث عن ترميم بين باقي الأطراف، وتحديدًا الإمارات والبحرين وقطر، ما زال مبكرًا.

إن التحديات المقبلة على ما يبدو لا تحتمل مزيدًا من الخلافات أو استنزاف الموارد الوطنية في صراعات بينية توجه أنظار القوى الخليجية إلى قضايا غير ذات أهمية، فمع مجيء إدارة بايدن الجديدة تبدو قضايا المنطقة، وتحديدًا أمن الخليج العربي والبحر الأحمر والحرب في اليمن والاتفاق النووي مع إيران، ملفات ذات صلة بمنظومة الأمن الخليجي، وهو ما يستدعي إعادة تقييم المواقف الخليجية خلال الفترة الماضية ووضع أسس لمرحلة جديدة من التكامل السياسي والأمني.

إيران وعقدة البيت الخليجي الموحد

سعت إيران تاريخيًا إلى استغلال الخلافات الخليجية للدخول في مسار العلاقات بين دول الخليج، حيث بدأت هذه المساعي عبر ما أطلق عليه الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني بـ"الحياد الفعال" خلال أزمة دخول العراق للكويت في 2 من أغسطس/آب 1990، حيث استمالت الموقف الخليجي مقابل العداء مع النظام العراقي آنذآك، وقبل ذلك حاولت إيران إفشال تجربة مجلس التعاون الخليجي في ثمانينيات القرن الماضي، واعتبرته تهديدًا لأمنها وقدمت مقترحات بديلة عبر تشكيل منظومة أمنية تشمل دول الخليج العربي وإيران، إلا إنها لم تنجح.

تنظر إيران إلى عملية التكامل الخليجي بأنها لا تعود بنتائج إيجابية على أمنها القومي، لذلك وجدت في الخلاف الخليجي بين قطر من جهة والسعودية والبحرين والإمارات من جهة أخرى، مدخلًا لإعادة إحياء دورها في مسارات العلاقات البينية بين دول الخليج، وقدمت الدعم لقطر، وتحديدًا فيما يتعلق بفتح أجوائها الجوية أمام الطائرات القطرية، كما أنها استغلت هذا الخلاف لطرح مبادرة "السلام في مضيق هرمز"، وهي مبادرة تشتمل على تشكيل منظومة إقليمية جديدة عوضًا عن مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها لم تستطع الذهاب بعيدًا في هذا المسعى، خصوصًا أن قطر عملت على الموازنة بين علاقاتها مع إيران وارتباطها العضوي بمجلس التعاون الخليجي.

الخلافات الخليجية شكلت إحدى جوانب القصور في سياسة الضغط القصوى الأمريكية حيال إيران

جاء البيان الختامي لقمة العلا، الذي وقعت عليه الوفود الخليجية كافة، ليشكل إجماعًا خليجيًا على السياسات الإيرانية في المنطقة، حيث أشار البيان إلى أن أي اتفاق تقدم عليه إدارة بايدن المقبلة مع إيران ينبغي أن يشمل برنامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، كما أنه أكد ضرورة أن يعالج الاتفاق المقبل السلوكيات الإيرانية في الشرق الأوسط ورفض التدخلات الإيرانية. 

وفي هذا الإطار لا بد من القول إن القمة الخليجية الأخيرة جاءت كثمرة للمبادرة الأمريكية والكويتية، التي تكللت بالنهاية، في إعلان وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان بن عبد الله، أن ما تم في قمة العلا يمثل إنهاءً كاملًا للخلاف مع قطر وعودةً كاملةً للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

كما أن إدارة الرئيس ترامب يبدو أنها تسعى لتحقيق مزيد من التكامل والحشد الدولي ضد إيران، فالخلافات الخليجية شكلت إحدى جوانب القصور في سياسة الضغط القصوى الأمريكية حيال إيران، وبالتالي يمكن القول إن الفرضيات التي تتحدث عن عزم إدارة ترامب توجيه ضربة عسكرية لإيران قبل 20 من يناير/كانون الثاني المقبل، لا يمكن أن تحقق الغاية منها، في ظل التشتت الخليجي، ومن ثم لا بد من ترتيب البيت الخليجي قبل توجيه أي ضربة لإيران.

تداعيات محتملة ستواجهها إيران

يمكن القول إن إدارة ترامب تريد عبر هذه المصالحة الخليجية، تشديد الخناق على إيران وعزلها أكثر عن محيطها الإقليمي والدولي، بحكم العلاقات التي تربطها مع قطر، وتجفيف الموارد المالية التي توفرها لها هذه العلاقات من الطيران القطري الذي توجه نحو أجوائها إثر القطيعة مع جارتها السعودية.

فالمصالحة الخليجية من وجهة نظر ترامب تسمح بتعزيز الجبهة المناهضة لإيران في الخليج وتفتح أجواء السعودية أمام الطيران القطري، ما سيحرم طهران من عوائد رسوم عبور الطائرات القطرية التي تقدر بنحو 100 مليون دولار، وتحدثت صحيفة "نيويورك تايمز" أن تلك الرسوم تسمح لإيران بسهولة بتمويل البرامج العسكرية التي تعتبرها إدارة ترامب تهديدًا.

انسحاب السعودية من حصار قطر، ومن المتوقع الإمارات في مرحلة لاحقة، يفتح آفاقًا جديدةً ومثيرةً للاهتمام للغاية للتعاون الإقليمي

وإلى جانب التداعيات السياسية والاقتصادية، تأتي التداعيات الجيوسياسية، لتضيف هي الأخرى تحديًا جديدًا أمام إيران، خصوصًا فيما يتعلق بالمحور الذي تشكل خلال الفترة الماضية بين إيران وباكستان وتركيا، ورغم أن باكستان وتركيا لا تتفقان كثيرًا مع التحولات الجارية في منطقة الخليج، فإنهما بالمقابل تفضلان التقارب مع دول الخليج على حساب العلاقة مع إيران، ومن شأن انفراج كامل للعلاقات بين قطر وباقي دول الخليج، تسهيل إعادة توثيق العلاقات بين باكستان وتركيا مع السعودية والإمارات والبحرين، التي شهدت علاقات متأرجحة خلال الفترة الماضية، وفي هذا الإطار سيكون الموقف الجيوسياسي لإيران صعب جدًا، خصوصًا أن التوازنات الإستراتيجية التي تشكلت خلال الفترة الماضية ستشهد تغيرات في غير صالح إيران على الأرجح.

تغيرات كثيرة يشهدها العالم بدءًا من تفشي جائحة كورونا بين البلدان وهبوط أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها وفوز بايدن بالرئاسة الأمريكية، بالإضافة إلى استئناف طهران يوم أمس، تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، وهو ما وصفه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مستهل كلمته الافتتاحية بـ"سلوك إيران التخريبي"، كل ذلك كان سببًا لضرورة ما تم وصفه بوحدة دول الخليج والوقوف صفًا واحدًا أمام كل التحديات، وبالتالي، فإن انسحاب السعودية من حصار قطر، ومن المتوقع الإمارات في مرحلة لاحقة (أكبر اقتصادين في منطقة الخليج)، يفتح آفاقًا جديدةً ومثيرةً للاهتمام للغاية للتعاون الإقليمي.