على أحد جدران الركام في محافظة إدلب السورية خطت ريشة الفنان عزيز أسمر لوحةً تصور يدًا سعوديةً تصافح أخرى قطرية، وكتب فوقها "لا يمكن للدم أن يصبح ماء"، كما رسم الأسمر إلى جانب اليدين المتصافحتين أخطبوط إيرانيًا يلقي الحمم والنار على المدن، في تعبير واضح على أن المصالحة الخليجية التي تمت خلال قمة العلا تغيظ إيران التي لطالما حاولت الإيقاع بين البلاد العربية بشتى الوسائل.

لم يخف الكثير من سكان ونشطاء الشمال السوري الواقع تحت سيطرة المعارضة تفاؤلهم بما حصل خلال قمة العلا من مصالحة بين قطر والسعودية، متوقعين أن ينعكس التقارب بين البلدين إيجابًا على وضع تلك المنطقة التي تشهد هجومًا عنيفًا مستمرًا من نظام الأسد وروسيا وإيران منذ سنوات، وكانت التمنيات تجمع على أن تساهم هذه المصالحة في كبح الجماح الإيراني على الأراضي السورية.

على النقيض من ذلك، يرى بعض السوريين أن المصالحة الخليجية لن تؤثر سلبًا أو إيجابًا على مسار الأحداث في سوريا، بعد ما حصل من ابتعاد خليجي عن سوريا إثر الأزمة التي بدأت عام 2017، وفي ظل التداخلات الدولية على الأرض السورية أضحت سوريا بعيدةً عن الحسابات العربية ككل. في هذا التقرير نناقش التأثيرات المحتملة سلبًا أو إيجابًا على الوضع السوري في ظل المصالحة الخليجية.

بيان العلا وسوريا

أكدت القمة في بيانها الختامي على عدة أمور، وكان للقضية السورية مساحة في هذا البيان، حيث أكد المجتمعون في هذه البنود على "مواقف وقرارات المجلس الخليجي الثابتة بشأن الأزمة السورية، والحل السياسي القائم على مبادئ جنيف1، وقرار مجلس الأمن رقم 2254، الذي ينص على تشكيل هيئة انتقالية للحكم تتولى إدارة شؤون البلاد، وصياغة دستور جديد لسوريا، والتحضير للانتخابات، لرسم مستقبل جديد لسوريا يحقق تطلعات الشعب السوري".

كما عبرت قمة مجلس التعاون عن "أملها بأن تسفر اجتماعات اللجنة الدستورية السورية بتوافق سريع، وأن يكون ذلك معينًا للجهود المبذولة للوصول إلى حل سياسي للأزمة السورية ويحقق للشعب السوري تطلعاته المشروعة، مجددةً دعمها لجهود الأمم المتحدة لتحقيق ذلك".

وأكد المجلس الأعلى للمجلس دعمه جهود الأمم المتحدة للعمل على إعادة اللاجئين والنازحين السوريين إلى مدنهم وقراهم بإشراف دولي وفق المعايير الدولية، وتقديم الدعم لهم في دول اللجوء ورفض أي محاولات لإحداث تغييرات ديمغرافية في سوريا.

ب

شددت القمة على المواقف الثابتة تجاه الحفاظ على وحدة أراضي سوريا واحترام استقلالها وسيادتها على أراضيها ورفض التدخلات الإقليمية في شؤونها الداخلية وكل ما يمس الأمن القومي العربي ويهدد الأمن والسلم الدوليين، وفي ذات السياق أعربت الدول الخليجية عن إدانتها للوجود الإيراني في الأراضي السورية وتدخلات إيران في الشأن السوري، وطالبت بخروج كل القوات الإيرانية ومليشيات حزب الله والمليشيات الطائفية كافة التي جندتها إيران للعمل في سوريا.

وفي ردود الفعل الرسمية السورية على قمة العلا وما خرجت به، أعلن الائتلاف الوطني السوري، ترحيبه بنجاح المصالحة الخليجية والخطوات الإيجابية بهذا الملف، وأضاف البيان "نعرب باسم الشعب السوري ترحيبنا بالخطوات نحو عودة العلاقات الأخوية بين دول الخليج العربي إلى سابق عهدها"، مشيرًا إلى أن التعاون الخليجي والعربي والإقليمي ضرورة لا بديل عنها ومدخلًا لمرحلة جديدة تفتح الباب أمام شعوب المنطقة وضمان استقرار وازدهار مجتمعاتها، وشدد على أن الشعب السوري يتطلع إلى تفعيل الموقف العربي تجاه قضيته ودعم حقوقه وفرض الضغوط اللازمة لدفع مسار الحل السياسي في بلاده.

تفاؤل حذر

كانت الأزمة الخليجية من أشد المعضلات التي ألقت بثقلها على مسار الثورة السورية، ومنذ بدأت الأزمة عام 2017 شهدت مسيرة المعارضة المسلحة على وجه التحديد تعثرًا واضحًا، حيث كانت تعتبر الدوحة والرياض من أكبر الداعمين لهذه الفصائل، عدا عن الدعم الإغاثي والإنساني المقدم للمدنيين في المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة، وبالطبع استثمر النظام وإلى جانبه روسيا وإيران الابتعاد السعودي والقطري عن الملف السوري للانقضاض على المعارضة التي أضحت قليلة الحلفاء.

إذن نستطيع القول إن الثورة السورية انتكست بالخلاف الخليجي، فهل ستؤثر المصالحة الخليجية بشكل إيجابي على مسيرة الأحداث في سوريا؟ هذا ما سألناه للصحفي السوري غسان ياسين الذين كان متفائلا بحذر تجاه قمة العلا ومخرجاتها، وبهذا الصدد يقول ياسين لـ"نون بوست": "الملف السوري وتعقيداته وطول أمد الحرب على الشعب السوري جعلنا كسوريين بحاجة كل جهد عربي ودولي لإيقاف هجوم النظام المستمر على الشعب الأعزل، بناءً عليه كان للأزمة الخليجية أثر سلبي على الوضع في سوريا خاصة أن السعودية وقطر كانتا منخرطتين بشكل أساسي بالشأن السوري السياسي والمالي والإغاثي لفصائل المعارضة وهذا الأمر كان واضحًا منذ بداية الثورة حتى عام 2015".

يربط الصحفي السوري تأثير المصالحة الإيجابي على سوريا بعدة عوامل كما أوضح أهمها إتمام مسار المصالحة، حيث يرى بأن المصالحة قلقة ومتوجسة وليست ناجزة بشكل واضح، وتمنى ياسين أن تتم المصالحة الخليجية لتشكيل جبهة عربية تصب في صالح العرب عمومًا.

مضيفًا: "لا أريد أن نفرط بالتفاؤل لأن الإجراءات ليست واضحة بعد ولا ننسى أيضًا أن كل دولة خليجية اتخذت مسارًا مختلفًا على صعيد علاقتها مع إيران والنظام السوري، على سبيل المثال الإمارات دولة أساسية بمجلس التعاون الخليجي لكنها فتحت سفارتها مع النظام السوري وكذا فعلت عمان، ونرى بالمقابل دولًا مثل قطر والسعودية إلى الآن موقفها ثابت من العداء للنظام وهذا ما تدل عليه بيانات الدولتين التي تخرج دعمًا للمعارضة والمنادية بحل سياسي على أساس قرارات جنيف، لذلك لا يوجد رأي خليجي موحد تجاه ما يحدث في سوريا".

في ذات السياق يقول الباحث السوري عبد الوهاب عاصي في حديثه لـ"نون بوست": "لا يبدو أن الملف السوري قد يتأثر على المدى القصير والمتوسط بنتائج المصالحة الخليجية، كون الإعلان الصادر لم يتبلور بعد على المستوى الداخلي، وعليه سيكون التركيز مستقبلًا على إعادة الثقة بين الفرقاء".

مضيفًا: "لكن مستقبلًا في حال كان هناك تقدم في حل القضايا الخلافية قد يتأثر الملف السوري من ناحية تخفيض التصعيد أي تقليل مستوى التدخل القائم على التنافس لا التعاون، ومثال ذلك تجميد أو تقليل التدخل في سياسات متعارضة في مناطق النفوذ في سورية، على مستوى ملف التطبيع والعلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية والموقف من العملية السياسية وتمثيل المعارضة السورية وغير ذلك".

حديث السياسية لا الأمنيات

بما أن تركيا في هذه الأيام الضامن الوحيد والداعم المباشر لقوات المعارضة السورية في المناطق المتبقية تحت سيطرتها، فإن أي تأثير للمصالحة الخليجية على الوضع السوري لا بد أن يكون عبر بوابة أنقرة، وهنا تبرز الأسئلة عما إذا كانت المصالحة القطرية السعودية ستفتح الباب واسعًا أمام تقارب تركي سعودي يؤثر على الأصعدة المختلفة بما فيها الملف السوري.

الصحفي غسان ياسين يرى أن "العلاقات السعودية التركية موضوع مختلف على الرغم من أن المصالح سترطب الأجواء بين الرياض وأنقرة أو على الأقل ستعيد بناء جسور جديدة وعلينا أن لا ننسى أن تركيا كانت حليفةً لقطر في أثناء الحصار عليها، في حين أن السعودية كانت في مواجهة غير معلنة مع تركيا بسبب الملف القطري وغيرها من الملفات، لذلك حاولت السعودية خلال الفترة الأخيرة أن تدعم قوات "قسد"، لكنه دعم خجول وإلى الآن لا نستطيع أن نقول إن السعودية لديها نفوذ قوي في منطقة الجزيرة السورية على الرغم من أنها حاولت إيجاد مكان لها هناك".

استبعد ياسين حدوث انفراجة قريبة بين السعودية وتركيا "ولو أننا كسوريين نتمنى هذه المصالحة، لكن حديث السياسة يختلف عن حديث الأمنيات، خاصة أن المصالحة الخليجية ستسير ببطء لأنه من غير الواضح ما هي الأثمان التي دفعتها الأطراف مقابل هذه المصالحة، لكن بالمجمل ونتيجة لانكفاء أصدقاء الشعب السوري واقتصارها على عدة دول بالتأكيد المصالحة ستنعكس إيجابًا على سوريا".

ويتمنى ياسين أن تسهم المصالحة في تحجيم الوجود الإيراني، إذ إن إيران تمكنت من العراق وسوريا ولبنان واليمن عمليًا من خلال الهلال الشيعي الذي حذرت منه السعودية وهو ما يعتبر ناقوس خطر.

ويرى الصحفي السوري أن دول الخليج في حال أرادت مواجهة إيران وكسر طوقها فإن ذلك يبدأ من سوريا وذلك بسبب تعقيدات المشهد في سوريا ووجود مواجهة واضحة بين المعارضة والمليشيات الإيرانية.

في هذا الصدد يقول الباحث عبد الوهاب عاصي: "التوقعات بحصول انفراجة في الأزمة التركية السعودية على أعقاب إعلان العلا، تبدو أكثر قربًا، لكن قد تكون بحاجة أكثر للوقت والانتقال بين مراحل الدبلوماسية، وفي هذا الصدد قد يكون تأثير الملف السوري بعيد المدى".

ويضيف "عمومًا، لا بد من القول إن الدور الخليجي رغم أهميته لم يعد رئيسيًا، بل باتت دول الخليج كفواعل ثانوية في ظل غياب الوجود العسكري المباشر في سوريا الذي بات أحد أهم الأدوات للتأثير والفاعلية بالنسبة للقوى الدولية مثل روسيا وتركيا وإيران والولايات المتحدة".

يتبين أن السوريين على الرغم من ترحيبهم بقمة العلا إلا أنهم يرون أن التأثير الخليجي على مستوى الساحة السورية بات من الماضي، وإذا أراد الخليجيون إعادة فاعليتهم على الأرض فإن ذلك يكون بمواجهة حاسمة مع إيران ومليشياتها على جميع المستويات.