صورة لأحد مؤيدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وهو يحمل علم الكونفدرالية خارج مجلس الشيوخ في السادس من شهر كانون الأول/يناير.

ترجمة وتحرير نون بوست

لم تكن أعمال العنف التي ارتكبها العنصريون البيض في الكابيتول في السادس من شهر كانون الأول/ يناير حالة منعزلة. قبل قدوم دونالد ترامب ومناصريه الذي يؤمنون بنظرية المؤامرة المعروفة بـ"كيو أنون"، كان هناك ما يسمى بميليشيات ميشيغان التي ألهمت تيموثي ماكفي لقتل 168 شخصًا في منتصف التسعينيات بتفجير مبنى ألفريد مورا الفيدرالي في أوكلاهوما سيتي. 

قبل ذلك، طيلة ما يقارب قرن من الزمان، شكّل العنصريون البيض من الولايات الجنوبية الكثير المجموعات الإرهابية مثل كو كلوكس كلان، وقتلوا الكثير من الأمريكيين السود. وفي أحداث مشابهة لما حصل قبل أيام، تم إلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية لسنة 1876، مما أدى إلى إيقاف عمليات إعادة الإعمار وتعزيز قوة البيض وخيانة الوعود التي قُدمت للأمريكيين السود حول المساواة.

كان الإرهاب العنصري الأبيض سمة من سمات الحياة الأمريكية لفترة طويلة، ولا يُعتبر حالة فردية منعزلة. تعلم مؤسسات الأمن القومي جيدًا أن الإرهاب متعدد الأبعاد بطبيعته، لذلك فهو يتطلب استجابة متعددة الأبعاد، وهي غير موجودة حتى اللحظة الراهنة في مكافحة إرهاب العنصريين البيض.

لا يحتاج المرء إلى أن ينظر إلى أبعد من نظرية "كيو أنون" المعادية للسامية التي انتشرت في عشرات البلدان. يعتبر ترامب مصدر إلهام هذه النظرية، ويعتقد كثيرون أنه سيكون منقذ البيض في كامل أنحاء العالم. 

ورغم أن ترامب كان يسكب الوقود على النار باستمرار ويلهب حماس العنصريين البيض في الولايات المتحدة، فإن حكومة الولايات المتحدة لم تكن جاهزة بشكل مناسب للتصدي لمثل هذا التهديد. في الواقع، هناك حاجة إلى إجراء تغيير هيكلي عاجل في بيروقراطية الأمن القومي للتعامل مع أعمال العنف التي يرتكبها اليمين المتطرف.

تحتاج واشنطن إلى التعامل مع عنف العنصريين البيض باعتباره عنفا يتخطى الحدود الوطنية. وهذا يعني أنه ينبغي تصنيفه رسميًا على أنه إرهاب دولي، وإعادة هيكلة وكالات مكافحة الإرهاب الحكومية لمواجهته بشكل شامل بصفته تهديدا عابرا للحدود الوطنية.

في تقرير صدر مؤخرًا عن المنظمة التي أنتمي إليها، المؤتمر اليهودي الأمريكي، حددنا أوجه التشابه بين إرهاب العنصريين البيض ومتمردي الكابيتول، وسلطنا الضوء على طرق تعبئتهم عبر الإنترنت ضد الحكومة الأمريكية، والجهود المبذولة للطعن في نزاهة الانتخابات الرئاسية. 

في تحليل لحوالي 24 ألف حساب يميني على تويتر يوم اقتحام الكابيتول واليوم الموالي، وجدنا أن 6 بالمئة منهم كانوا منخرطين في نقاشات حول القيام بعمليات تمرد، و40 بالمئة من هذه الحسابات تؤمن بنظرية كيو أنون.

رغم أنّ كل العالم كان شاهدا على هجوم الكابيتول، إلا أنّ الرد على المشاغبين البيض كان مرنا بشكل يسهل ملاحظته

بما أن هذه النظرية تتجاوز كل الحدود الوطنية، فمن الواضح أن واشنطن تواجه مشكلة إرهابية دولية. كانت الهجمات الإرهابية للعنصريين البيض التي حدثت في الخارج خلال السنوات الأخيرة، على غرار عملية إطلاق النار على مسجد كرايستشيرش، مستوحاة من هجمات سابقة جدت في النرويج والولايات المتحدة وإيطاليا والسويد والمملكة المتحدة. مما لاشك فيه أن هذا التأثير العابر الحدود الوطنية تسارع في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.

بدلاً من تصنيف العنصريين البيض والحركات المتحالفة معها على أنهم إرهابيون، وصفتهم الحكومة الأمريكية تاريخيًا بأنهم جماعات كراهية. تظهر أفعالهم قدرا كبيرا من الكراهية بكل تأكيد، لكن هجماتهم تكتسي طابعا سياسيا بشكل أساسي ويتجلى ذلك في ارتكابهم أعمالا إرهابية تهدف إلى التأثير على الحياة السياسية الديمقراطية وعرقلتها. في الحقيقة، يركز العنصريون البيض على استهداف أصحاب البشرة الملونة واليهود والأقليات الدينية من أجل التأثير عليهم سياسيا، وهذا ما يفعله الإرهابيون في أماكن أخرى من العالم.

تستطيع أن تسأل عائلات الأمريكيين التسعة الذين قُتلوا في كنيسة عمانوئيل الأفريقية الأسقفية الميثودية في تشارلستون، أو الأمريكيين اللاتينيين الذين استُهدفوا في إطلاق النار في إل باسو، أو الـ11 يهوديًا أمريكيًا الذين قُتلوا في كنيس "شجرة الحياة" في بيتسبرغ، عما إذا كانوا ضحايا إرهاب أم لا. 

القاسم المشترك الآخر بين هؤلاء القتلة هو محاولتهم تأكيد تفوق البيض سياسيا من خلال ترويع مجموعات معينة. يتبنى القتلة مبادئ تفوق العرق الأبيض التي كانت سائدة خلال عهد الكونفدرالية، والأيديولوجيات المعادية للمهاجرين ونظرية الاستبدال العظيم العنصرية.

في 6 كانون الثاني /يناير، استهدف الإرهابيون أيضًا مجموعة من المشرّعين عندما كانوا بصدد تأدية واجباتهم الدستورية. وسعى الإرهابيون إلى تحقيق هدفهم السياسي المتمثل في ضمان تفوق البيض وذلك من خلال محاولة عرقلة التصديق على فوز الرئيس الذي حظي بدعم كبير من الأقليات. 

ورغم أنّ كل العالم كان شاهدا على هجوم الكابيتول، إلا أنّ الرد على المشاغبين البيض كان مرنا بشكل يسهل ملاحظته. اسأل شخصًا ملونًا إذا كان بوسعه الذهاب إلى الكابيتول وتحطيم النوافذ والجلوس على كرسي رئيس مجلس النواب، والتقاط الصور لنشرها على وسائل التواصل الاجتماعي. سوف يرد ضاحكا لأنه يعلم أنه كان سيواجه نفس مصير جورج فلويد.

والآن، بما أن الولايات المتحدة قد عانت مرة أخرى من أعمال شغب شنها البيض، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو، هل ستدرك إدارة بايدن الفشل الذريع للطريقة التي تواجه بها واشنطن الإرهاب العنصري الأبيض في الداخل، وإذا كان الأمر كذلك، فهل ستتغير هذه السياسة؟

في السنوات الأخيرة، تقلص نفوذ وكالات مكافحة الإرهاب العنصري الأبيض إلى درجة أنها فقدت وزنها تماما. من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى تغيير هيكلي حقيقي لضمان مواجهة هذا التهديد بشكل أكثر فاعلية.

يجب أن يُنظر إلى إرهاب التفوق الأبيض على أنه تهديد عابر للحدود بشكل أساسي، يستدعي تفكيرًا شموليا يتجاوز أسس الحماية الداخلية التي يصعب على بيروقراطية الحكومة الأمريكية المتعثرة كسرها. هذا هو المجال الذي تتمتع فيه إدارة بايدن بفرصة الانتصار في المعركة ضد نظرية تفوق البيض.

لم تعلن الحكومة الأمريكية عن إيقاف الدعم المالي للحركة الإمبراطورية الروسية، رغم احتمال وجود صلات بأعضاء في الولايات المتحدة، وهذا يشير إلى أن هناك مسارين في التعامل مع ممولي الإرهاب

جرت العادة أن تتعامل حكومة الولايات المتحدة مع ما يسمى بالتهديدات العابرة للحدود من خلال السعي لقيادة جهد دولي لإصلاح الأمور، بالشراكة مع حلفاء الولايات المتحدة في الخارج، بحيث لا تؤثر المشكلة على الأمريكيين في الداخل.

لنفكر في التهديدات العابرة للحدود، على غرار تغير المناخ. تبدو وكالات الأمن القومي مبرمجة على النظر إلى هذا التهديد على أنه خطر محدق بأسلوب الحياة في الولايات المتحدة، بغض النظر عن حقيقة أن الأمريكيين ربما يشكلون أكبر خطر بيئي على كوكب الأرض. فهم يقومون باستهلاك ربع الغازات المسببة للاحتباس الحراري في العالم رغم أنهم يمثلون 4 بالمئة فقط من عدد سكان العالم. في العقد الماضي، اعتُبرت هذه المسألة قضية أمن قومي، وقد حظيت بشكل كبير باهتمام وزارة الدفاع الأمريكية ومجتمع الاستخبارات.

لكن بالنسبة لمؤسسات الأمن القومي، لا تتحمل الولايات المتحدة مسؤولية التسبب في الكارثة المناخية العالمية المتوقعة. بالنسبة لهم، من واجب وكالة حماية البيئة العمل على تخفيف حدة المشكلة، بينما يمكن لوكالات الأمن القومي التركيز بدلاً من ذلك على التكيف مع الوضع. 

بالنسبة لسكان الكوكب، هذا المجهود غير كاف. لا يمكن للولايات المتحدة أن توقف هذا النزيف المناخي في الخارج ما لم تقم باتخاذ إجراءات داخلية أكثر صرامة. تتطلب السياسة السليمة لمواجهة تغير المناخ استراتيجية متكاملة بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية لإحراز النجاح. هذا التهديد العابر للحدود يتطلب حلولا عابرة للحدود.

ينطبق الأمر نفسه على إرهاب تفوق العرق الأبيض، وهو في جوهره عابر للحدود. لطالما تم التعامل مع الإرهاب على أنه إحدى قضايا السياسة الخارجية. ويحاول مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية ووزارة الخزانة ووكالات الاستخبارات والوكالات الأخرى القضاء عليه في الخارج، مستثنين الجماعات الإرهابية المحلية التي ترتبط بجهات خارجية.

ماذا عن الإرهابيين البيض الذين يشنون هجمات وهم قابعون في منازلهم؟ ماذا عن المتآمرين معهم في أوروبا، والأحزاب السياسية اليمينية في إيطاليا والمجر وفرنسا، التي تستثمر في الكراهية وتشاركهم نفس القناعات المتطرفة؟ هناك أدلة كثيرة على أنّ الجماعات الإرهابية اليمينية المتطرفة تبث رسائلها إلى مجموعات في بلدان أخرى، مثل الحركة الإمبراطورية الروسية في الدول الاسكندنافية، التي يبدو أنها حصلت على مؤيدين في الولايات المتحدة.

وماذا عن الإرهاب الأبيض الذي ينطلق من الولايات المتحدة إلى الخارج؟ قامت وزارتا العدل والخزانة بإيقاف عمليات تمويل من أعضاء حماس المقيمين في الولايات المتحدة إلى أطراف في الخارج، لكنها لسوء الحظ لم تقم بالأمر ذاته مع  الجماعات الإرهابية الأوروبية.

لم تعلن الحكومة الأمريكية عن إيقاف الدعم المالي للحركة الإمبراطورية الروسية، رغم احتمال وجود صلات بأعضاء في الولايات المتحدة، وهذا يشير إلى أن هناك مسارين في التعامل مع ممولي الإرهاب. يجب أن ينتهي هذا التفاوت، ويجب مساءلة كل الجهات المالية الداعمة لجميع أشكال الإرهاب.

أول شبكة إرهابية معاصرة

كان للنازيين العديد من المتعاطفين والمؤيدين في الولايات المتحدة، وقد حاولوا تقويض الجهود الأمريكية للقضاء على الفاشية في أوروبا. كاد أنصار لجنة أمريكا أولاً التي تنادي بعدم التدخل في النزاعات الخارجية أن ينجحوا في إبعاد الولايات المتحدة عن مساندة حلفائها في الحرب العالمية لولا هجمات بيرل هاربور. لو نجحت تلك الجهود، لكانت أوروبا بأكملها قد سقطت في أيدي النازيين. 

وعلى نحو مماثل، فإن المتطرفين اليمينيين البيض يرددون اليوم نفس شعارات نظرائهم خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، ولديهم مؤيدون في الخارج.

في الواقع، ربما شكل العنصريون البيض أول شبكة إرهابية عالمية في العصر الحديث، وقد اجتاح هذا الفكر كل أنحاء الأرض دون حسيب أو رقيب لفترة طويلة. لذلك، يحتاج المسؤولون الأمريكيون إلى كشف الأمر ومواجهة الإرهاب العنصري الأبيض باعتباره تهديدًا حقيقيًا عابرًا للحدود من خلال تحديد وتعطيل وتدمير الروابط بين هؤلاء الإرهابيين في الداخل والخارج.

إن استحداث منصب منسق رئاسي خاص سيضمن استهداف ومساءلة المسؤولين عن ترويج هذه الأفكار. سيمكن ذلك إدارة بايدن من تجاوز الروتين الحكومي والثغرات الموجودة بين الوكالات، وتحقيق نتائج سريعة لمكافحة هذا التطرف. 

للقيام بهذه الخطوة، تحتاج إدارة بايدن إلى إنشاء منصب منسق رئاسي خاص لمكافحة الإرهاب العنصري الأبيض. سيكون هذا الشخص مسؤولاً عن إدارة الوكالات المكلفة حاليًا بمكافحة الإرهاب، وستكون مهمته مشابهة لمهمة مدير الاستخبارات القومية، وهو منصب تم إنشاؤه في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول الإرهابية بسبب فشل الحكومة الأمريكية في سد الفجوات الاستخباراتية، مما أدى إلى ذلك الهجوم الكارثي. سيؤدي ذلك إلى تسليط الضوء بشكل أكبر على هذه القضية داخل الحكومة والتأكد من أن الإجراءات لمواجهة هذا الشكل الفريد من الإرهاب منسقة ومتكاملة وفعالة.

يجب أن يعمل المنسق الرئاسي الخاص عبر جميع الوكالات ذات الصلة: العدل والدولة والخزانة والدفاع والأمن الداخلي ومجتمع الاستخبارات. يجب أن يكونوا مسؤولين مباشرة أمام الرئيس ويكون لهم مقعد في كل من مجلسي الأمن القومي والأمن الداخلي.

يجب أن تقوم مهمة المنسق على كشف الروابط بين الداعمين الدوليين للجماعات الإرهابية المحلية، والدعم الذي تقدمه الجماعات الأمريكية للإرهابيين البيض في الخارج، والعمل على إيقافها. سيعتمد هذا المسؤول النهج الذي اتبعه المسؤولون الأمريكيون لسنوات طويلة في استهداف الدول الراعية للإرهاب وعملائها. مثل هذا النهج أثبت جدواه في مواجهة التهديدات الخارجية، وحان الوقت الآن لتطبيقه محليا.

على مدى السنوات الأربع الماضية، لم تغض إدارة ترامب الطرف عن هذا التهديد فحسب، بل وظفته في أحيان كثيرة لخدمة أجندتها السياسية، كما يتضح من أعمال الشغب في 6 يناير/كانون الثاني. حان الوقت لتصحيح هذا الوضع، وإلى تغيير السياسات التي فشلت في الماضي.

لا يقتصر تأثير تطرف الأمريكيين البيض عبر الإنترنت على المستوى المحلي، فالتكنولوجيا والاتصالات تعطي هذه الأفكار بعدا عالميا، ويجب أن يكون رد الولايات المتحدة بمستوى خطورة هذه التهديدات.

إن استحداث منصب منسق رئاسي خاص سيضمن استهداف ومساءلة المسؤولين عن ترويج هذه الأفكار. سيمكن ذلك إدارة بايدن من تجاوز الروتين الحكومي والثغرات الموجودة بين الوكالات، وتحقيق نتائج سريعة لمكافحة هذا التطرف. 

استحوذت تهديدات المتعصبين البيض الأمريكيين مؤخرا على انتباه العالم كما لم يحدث من قبل، رغم أنها ماثلة أمامنا منذ عقود. وقد ضغطت المجموعات المتعصبة على السياسيين، ولا سيما الجمهوريين، منذ سنوات طويلة بهدف إسكاتهم، وهذا الواقع يحتاج إلى التغيير.

لا يعترف إرهاب الجماعات البيضاء بالحدود الوطنية، ويجب على إدارة بايدن أن تفعل بالمثل وتغير سياساتها لمواجهة هذا الخطر الوجودي.

حان الوقت الآن لتشكيل مؤسسات رسمية جديدة على أعلى المستويات في الحكومة الأمريكية لمكافحة إرهاب التفوق الأبيض. سيضمن القيام بذلك تطبيق العدالة بأقصى سرعة واستئصال هذا التهديد العابر للحدود وتحرير البلاد من الخوف الذي يحاول هؤلاء المتطرفون زرعه في كل مكان.

المصدر: فورين ديبلوماسي